Jodit Editor

                        

________________________________

مجلة كلية القانون والعلوم السياسية

Journal of the College of Law and Political Sciences


العدد 31

السنة 2026


تصفية الحقوق الناشئة عن بطلان العقد


د. درع حماد*

(*) جامعة الفلوجة- كلية القانون


المستخلص


يعد العقد من اروع الادوات التي اخترعها العقل البشري في ميدان الروابط القانونية لتقاسم المنافع والسلع بين الافراد، فكل واحد يأخذ ما يحتاجه من الاخر والاخر يأخذ من الاول ما يحتاجه ايضا، والوسيلة لتحقيق ذلك هي العقد، والعقد يكون من صنع الطرفين يقرران شروطه وما يتم تبادله، فيكون مرضيا للطرفين ويعملان على تنفيذه، لأن الاخلال بتنفيذ الالتزام من قبل أي من الطرفين قد يؤدي الى فسخ العقد ولا يحصل الطرف المخل على المقابل الذي يسعى اليه. ولهذا كان الفسخ واحدة من الضمانات التي تجبر المتعاقد على تنفيذ التزامه والا لم يحصل على ما يريده من العقد.


الكلمات المفتاحية:


العقد، تنفيذ الالتزامات، فسخ العقد


للأستشهاد بهذا البحث:


حماد درع. "تصفية الحقوق الناشئة عن بطلان العقد". مجلة كلية القانون والعلوم السياسية, عدد 31, كانون الثاني، 2026, https://doi.org/10.61279/yectja39.


تاريخ النشر ورقيا: ٢٥كانون الثاني ٢٠٢٦

متوفر على الموقع الالكتروني: ٢٥كانون الثاني ٢٠٢٦

ترميز DOI: 

https://doi.org/10.61279/yectja39


متوفر على:

https://jlps.edu.iq/index.php/jlps/ar/article/view/579

https://iasj.rdd.edu.iq/journals/journal/issue/19498

المجلة تعمل بنظام التحكيم المجهول لكل من الباحث والمحكمين

هذا البحث مفتوح الوصول ويعمل وفق ضوابط (نسب المشاع الإبداعي)(نَسب المُصنَّف - غير تجاري - منع الاشتقاق ٤.٠ دولي)

حقوق الطباعة محفوظة لدى مجلة كلية القانون والعلوم السياسية في الجامعة العراقية

حقوق الملكية الفكرية محفوظة للمؤلف

حقوق النشر محفوظة للناشر (كلية القانون والعلوم السياسية - الجامعة العراقية)

المجلة مؤرشفة في مستوعب المجلات العراقية المفتوحة

للمزيد من المعلومات مراجعة الموقع الالكتروني

__________________________________________________

Issue 31

Year 2026


Settlement of Rights Arising From the Nullity of the Contract

deraa Hamad*

(*)Al-Fallujah University - College of Law


Abstract

The contract is considered one of the most wonderful tools invented by the human mind in the field of legal relationships for sharing benefits and goods among individuals. Each person takes what they need from the other, and the other takes from the first what they need as well. The means to achieve this is the contract. The contract is created by both parties, who decide its terms and what will be exchanged, making it satisfactory to both parties, and they work to execute it. This is because a failure to fulfill the obligation by either party may lead to the contract being terminated, and the defaulting party does not receive the consideration they seek. Therefore, termination serves as one of the guarantees that compel the contracting party to fulfill their obligation; otherwise, they will not obtain what they desire from the contract.


Keywords

Contract, Performance of Obligations, Contract Termination

recommended citation

حماد درع. "تصفية الحقوق الناشئة عن بطلان العقد". مجلة كلية القانون والعلوم السياسية, عدد 31, كانون الثاني، 2026, https://doi.org/10.61279/yectja39

published 25/1/2026 ; published online: 25/1/2026

DOI: https://doi.org/10.61279/yectja39

Available online at:

https://jlps.edu.iq/index.php/jlps/ar/article/view/579

Online archived copy can be found at: https://iasj.rdd.edu.iq/journals/journal/issue/19498

Indexed by:

DOIJ: https://doaj.org/toc/2664-4088

CROSSREF doi: prefix 10.61279

This article has been reviewed under the journal’s double-blind peer review policy.

This article is open access and licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivatives 4.0 International License (CC BY-NC-ND 4.0).

Printing rights are reserved to the (Journal of the College of Law and Political Science) - Aliraqia University

Intellectual property rights are reserved to the author Copyright reserved to the publisher (College of Law and Political Science - Aliraqia University)

For more information, visit jlps.edu.iq

__________________________________________________


المقدمة


يعد العقد من اروع الادوات التي اخترعها العقل البشري في ميدان الروابط القانونية لتقاسم المنافع والسلع بين الافراد، فكل واحد يأخذ ما يحتاجه من الاخر والاخر يأخذ من الاول ما يحتاجه ايضا، والوسيلة لتحقيق ذلك هي العقد، والعقد يكون من صنع الطرفين يقرران شروطه وما يتم تبادله، فيكون مرضيا للطرفين ويعملان على تنفيذه، لأن الاخلال بتنفيذ الالتزام من قبل أي من الطرفين قد يؤدي الى فسخ العقد ولا يحصل الطرف المخل على المقابل الذي يسعى اليه. ولهذا كان الفسخ واحدة من الضمانات التي تجبر المتعاقد على تنفيذ التزامه والا لم يحصل على ما يريده من العقد.

لكن قد يبرم الطرفان عقدا، الا أنه يتبين أن العقد الذي ابرماه عقد باطل لسبب من أسباب البطلان ، بيد اكتشاف بطلان العقد لا يثير مشكلة اذا كان هذا الاكتشاف تم بعد ابرام العقد مباشرة وقبل الشروع بتنفيذ التزاماتهما اذ لم يتم تسليم اي شيء من أحد الطرفين للطرف الاخر ويقف الامر عند هذا الحد، فلم تنشأ من العقد الباطل أوضاعا فعلية يحب تصفيتها أو اشياء يجب ردها، لكن مشكلة العقود الباطلة تظهر عندما يتم تنفيذ بعض الاداءات بين الطرفين ويثور الخلاف بينهما فيرفع أمام القضاء الذي يجد أن العقد المبرم بين الطرفين بأطل، والعقد الباطل يعتبر عدما لا ينشيء التزاما ولا يولد حقا ويجوز للقاضي أن يحكم ببطلانه ولو بغير دفع من الخصوم، لأن المشرع قدر أن أحوال البطلان تمس النظام العام، فيقضي به القاضي ولو من تلقاء نفسه، وعندئذ تظهر مسألة الحقوق التي اكتسبها أي واحد من الطرفين من حيث الاساس القانوني للتمتع بها، وخصوصا تلك الحقوق التي يتعذر اعادتها لاي سبب من الاسباب أو الاشياء التي يمكن اعادتها ولا تزال موجوده عند الطرفين، فان كل واحد من طرفي العقد يسترد ما سلمه للمتعاقد الاخر، فاذا كان العقد الباطل بيعا استرد البائع المبيع واسترد المشتري الثمن ، لكن اذا ورد العقد على المنافع وتم استيفاء هذه المنافع أو كان من الممكن استيفاءها، فان الامر يحتاج الى الدة في المعالجة وبما يتفق مع القانون. الحكم الذي نعرضه يتضمن بعضا من هذه المشكلات، فنعرض لوقائع الدعوى ثم الحكم الصادر فيها ثم الملاحظات التي نوردها عليه.

أولا: الوقائع

تشير وقائع الدعوى الى أن المدعية صاحبة صيدلية مجازة باسمها وقد تعاقدت مع المدعى عليهما على إدارة واستغلال الصيدلية بموجب عقد مؤرخ 16/8/2017 وقد اشتمل محل العقد على الصيدلية بما فيها اثاث وأدوية مقابل مبلغ مقداره تسعة ملايين دينار يدفعه المدعى عليهما كل ثلاثة اشهر الا ان المدعى عليهما رفضا تسديد البدل المستحق بتاريخ 1/6/2018 ثم قاما بإغلاق الصيدلية وتسليم مفتاحها الى نقابة الصيادلة ، فطلبت المدعية الزام المدعى عليهما أداء مبلغ  قدره ثمانون مليون دينار لوضعهما اليد على الصيدلية واستغلالها من يوم 16/8/2018  لغاية 2/3/2019 ومبلغ ثلاثون الف دولار عن قيمة الادوية التي سحبها المدعى عليهما من المذاخر بأسم الصيدلية وتصرفا بها لحسابهما وكذلك المطالبة بمبلغ خمسون مليون دينار تعويضا ماديا وأدبيا عن الاساءة الى سمعة الصيدلية ومبلغ ثلاثة الاف دولا عن قيمة الادوية التي كانت في الصيدلية عند تسليمها لهما ومبلغ عشرة ملايين وخمسمائة الف دينار عن ضريبة الدخل التي دفعتها المدعية الى دائرة الضريبة حسب تقدير مديرية ضريبة الدخل، فاصدرت محكمة البداءة حكما بالزام المدعى عليهما باداء مبلغ سبعة وتسعون مليون  ومائة وسبعمة وخمسون الفا وأربعمائة وخمسون دينارا للمدعية ورد دعوى المدعية بالزيادة ، فطعن طرفا الدعوى بالحكم البدائي استئنافا، فاصدرت محكمة استئناف بغداد الكرخ حكما بتاريخ 13/12/2022  حكما بفسخ حكم محكمة البداءة تعديلا والزام المدعى عليهما بتأديتهما للمدعية مبلغ ثلاثة وثلاثون الف دولار امريكي وثمانية وخمسون مليون دينار ورد دعوى المدعية بالزيادة وتحميل الطرفين المصاريف النسبية، وقد تم الطعن بالحكم المذكور تمييزا من قبل المدعى عليهما، فأصدرت محكمة التمييز الحكم الاتي:

ثانيا: الحكم التمييزي

الحكم الصادر من محكمة التمييز بالعدد:4260/الهيئة الاستئنافية منقول/2023 بتاريخ 21/2/2023 والذي قضى منطوقه بالاتي «....ولدى عطف النظر على الحكم المميز وجد انه غير صحيح ومخالف للقانون لان الثابت من وقائع الدعوى أن المدعية/المميز عليها قد تنازلت عن منفعة اجازة ممارسة مهنة الصيدلة الى المدعى عليهما /المميزين لمدة خمس سنوات لقاء المبلغ الوارد في العقد المبرم بين الطرفين وحيث ان العقد المذكور باطل قانونا الا انه يشكل سببا من أسباب الاباحة وبالتالي فان إشغال المدعى عليهما للصيدلية العائدة للمدعية كان باباحة منها كونها ايضا قد استفادت من المبلغ الذي استلمته وبالتالي فان المدعى عليهما لا يلزمان ببدل المنفعة خلال فترة الاشغال الا انهما يلزمان بمبلغ الادوية التي استلماها عند اشغالهما للصيدلية اضافة الى مبلغ الادوية التي استلمت خلال فترة الاشغال باسم الصيدلية بعد ثبوت تسديدها من قبل المدعية الى المذاخر التي تم الشراء منها ولمخالفة الحكم المميز لوجهة النظر القانونية المتقدمة قرر نقضه .....».[1]

 

ثالثا: التعليق.

جاء الحكم التمييزي موجزا أشد الايجاز في عرض وقائع القضية المعروضة علية وما تضمنته من أدلة وعلى الاخص منها العقد المبرم بين المتداعيين، فضلا عن قصور الاسباب التي استند اليها الحكم المميز وعلى النحو الاتي:

أن أولى المشاكل التي تواجه القضاء في العراق عند النظر في المنازعات العقدية هي عدم جودة صياغة العقود وتضمينها الاسس العامة للتعاقد والحلول التي يضعها المتعاقدان للمشكلات المتوقعة بينهما، فهذه العقود تتم صياغتها من قبل طرفين يجهلان أصول الصياغة القانونية أو من قبل محامين غير أكفاء وغير متمرسين في صياغة العقود، فالعقد من حيث التعريف الفقهي هو التقاء ارادتين لكن هذا الالتقاء يستند الى مضمون معين يتمثل باداءات متقابلة وضمانات وشروط وجزاءات يتعين على القائم بالصياغة ان ينظمها تفصيلا، والسبب في ذلك أن العقد هو المثابة التي يلجأ اليها الطرفان عند حصول أي خلاف لحله وديا أو تلجأ اليه المحكمة للبحث عن الحلول التي نظمها الطرفان، ومما يؤسف له ان ثقافة صياغة العقود لدى مكاتب المحاماة المتخصصة غير سائدة عموما لدى المتعاقد العراقي، كما أن ثقافة الطلب من المتمرسين مراجعة العقود تكاد تكون معدومة ، مما يجعل من عملية تنظيم العقد من قبل طرفي العلاقة نفسيهما او من قبل محام محدود المؤهلات والخبرات تنظيما بائسا لا يرقى الى اهمية الصفقة التي تتم بين الطرفين، مع العرض أن بعض المحامين في مكاتب وشركات المحاماة العالمية يكونون متخصصين بصياغة العقود بشكل عام أو متخصصين بنوع معين من العقود. ولم يظهر في عرض وقائع الدعوى وحيثياتها الشىء الكثير من بنود العقد المبرم بين الطرفين عدا المحل الذي ورد عليه العقد والمقابل الذي يدفعه المتعاقد الاخر مما يشير الى ضعف الصياغة القانونية للعقد. وحسن صياغة العقد ليست من قبيل الترف الذي يمكن الاستغناء عنه، فهو يضمن أولا وقبل كل شىء سلامة العقد من البطلان ومشروعية بنوده اذا قام به محام مؤهل لهذه المهمة مما يشير الى أن بنود العقد المتفق عليها يتم تطبيقها بين الطرفين. والصياغة السليمة للعقد تحمي التوقعات المشروعة للمتعاقدين، فالبنود العقدية وليدة ارادة طرفي العقد وتنفيذها من قبلهما طوعا أو الزامهما بها من قبل القضاء لا يخرجها من نطاق توقع الطرفين، والصياغة الرصينة تساعد القاضي في سرعة ايحاد الحلول للمشكلات التي تظهر بين الطرفين من خلال البحث عن الحلول من خلال العقد وهي حلول مشروعة، كأصل عام، بعد أن ارتضاها الطرفان.

أشار الحكم التمييزي الى بطلان العقد المبرم بين الطرفين ، وتقرير بطلان العقد المبرم بين الطرفين مسألة حاسمة في الدعوى المنظورة ، والسبب في ذلك أن تقرير بطلان العقد يترتب عليه عدم العمل بأحكامه ومن ثم محاولة تصفية الوضع القائم بين الطرفين على وفق ما تقرره القواعد العامة ، لكن مما يؤسف أن المحكمة الموقرة لم تعرض الاسباب التي جعلت العقد باطلا، فأحكام البطلان من النظام العام ولابد لتقرير بطلان العقد من عرض الاسباب الواضحة والكافية لبطلان العقد، لان الاصل في العقود صحتها ومشروعيتها والاستثناء هو بطلانها، ولهذا لا تحتاج صحة العقد الى تسبيب لأن الصحة أصل عام، أما البطلان فهو استثناء لا يتقرر الا بموجب نصوص صريحة فيحتاج الى تسبيب، على انه قد يلجأ القاضي الى تأكيد صحة العقد اذا نازع الطرف الاخر ودفع ببطلان العقد المبرم بين الطرفين، فان القاضي يناقش هذه الاسباب، فاذا وجد سببا لبطلان العقد قضى به وأن وجد أن ما دفع به الخصم ليست الا اسبابا واهية لا تنال من صحة العقد، فان قد يقرر صحة العقد اضافة الى عدم جدوى الاسباب المعروضة للبطلان. والاسباب المتعلقة ببطلان العقد المبرم بين الطرفين في الوقائع يمكن تصورها أو افتراضها رغم عدم وجود ذلك في الحكم التمييزي بالنظر لما لاحظناه في الواقع العملي من بطلان كثير من العقود المتعلقة بادارة وتشغيل أو استثمار الصيدليات وهي العقود التي تبرم بين صاحب الصيدلية أو ما يطلق عليه في العمل صاحب الامتياز وبين طرف اخر يكون من غير المرخص لهم بممارسة الاعمال الصيدلانية ، فمثل هذه العقود لا يترتب عليها اثر، لان اباحة هذا النوع من العقود سواء في صيغة ترخيص أو مشاركة أو إدارة وتشغيل سيؤدي الى ممارسة الاعمال الصيدلانية من أشخاص غير مؤهلين لذلك، بل محظور عليهم قانونا ممارسة هذا النشاط بغير ترخيص من قبل السلطات المختصة لمن يحمل المؤهلات العلمية لذلك.

يشير القرار التمييزي الى مسألة لافتة وهي أن العقد المبرم بين الطرفين باطل قانونا الا انه يشكل سببا من أسباب الاباحة  وبالتالي فان إشغال المدعى عليهما للصيدلية العائدة للمدعية كان باباحة منها، فبطلان العقد يعني زواله بين الطرفين مما يعني انه وضع الشخص يده على الشيء ليس له سبب مشروع مما يجعل هذا الفعل عملا من أعمال الغصب، واعتبار وضع اليد عملا من أعمال الغصب تتنرتب عليه نتائج كبيرة الاهمية لعل في مقدمتها تحمل الغاصب تبعة هلاك الشيء بيده حتى لو كان هذا الهلاك بغير تعد أو تقصير منه، بل حتى لو كانت القوة القاهرة هي التي ادت الى هلاك الشيء، فالغاصب ضامن وإن لم يتعمد أو يتعد، لكن العقد الباطل تترتب عليه اثار عرضية غير ما تعرضه الكتب المدرسية في نظريتي تحول العقد وانتقاص العقد، فما سلم من أحد المتعاقدين للاخر بمناسبة العقد الباطل ترفع عن يد المتسلم صفة الغصب، ويعد التسلم من الطرف الاخر بمثابة اباحة من ذاك الطرف، ومن ثم لا يتحمل المتعاقد النتائح الضارة التي تقع للشيء الذي تسلمه لان هذا التسليم يعد من قبيل الجواز الشرعي الذي لا ضمان معه. (م 6 مدني عراقي)

بيد أننا نتسائل عن المناسبة التي دعت محكمة التمييز الى ذكر هذه الجزئية ونعني بها ان العقد الباطل يرفع عن يد الحائز صفة الغصب لان ما تم تسليمه بمناسبة العقد الباطل يعتبر اباحة؟ فذكر هذه الجزئية يعوزها المنطق لان المدعية لم تطالب بالتعويض على أساس أن المدعى عليهما غاصبين للصيدلية أو واضعين اليد عليها بغير وجه حق وانما طالبت بما تستحقه على أساس العقد المبرم بين الطرفين كما طالبت بتعويضات ومبالغ اخرى كلها بمناسبة هذا العقد، فلو كانت المدعية تستند الى المسؤوليىة عن الفعل الضار بسبب غصب الصيدلية، لامكن رد طلبها على أساس وجود الاباحة، لكن وجود الاباحة اذا كان من شأنه أن يرفع صفة الغصب عن يد الحائز، فانه لا يرفع مسؤوليته عن التعويض على أساس الكسب دون سبب وهو أمر يبدو أن المحكمة الموقرة لم تلتفت اليه اذا لم يكن المدعى عليها قد دفعا ما ترتب عليهما اثناء اشغالهما للصيدلية كما سيظهر في الفقرة اللاحقة

بعد أن يعرض الحكم التمييزي فكرة الاباحة من المدعية ، فانها وان جاءت بسياق غير ملائم، فانه يضيف عبارة «... كونها قد استفادت من المبلغ الذي استلمته وبالتي فان المدعى عليهما لا يلزمان ببدل المنفعة خلال فترة الاشغال...». وهذه العبارة تمثل مفترقا هائلا لا يمكن أن نجد له تفسيرا أو تأويلا، فاذا كان المدعى عليهما لا يلزمان ببدل المنفعة خلال فترة الاشغال، فان هذا المنطق يقتضي أن تلتزم المدعية برد ما تسلمته من بدلات المنفعة خلال الفترة السابقة على التوقف عن الدفع، لكن هذا المنطق خطير جدا ويكفي ان نعرض نتائج هذا المنطق على عقد الايجار الصحيح، فانه اذا كان العقد الباطل يعد أباحة للحائز فلا يلزم بالمقابل، فانه من باب أولى اذا كان قد تسلم المأجور بعقد صحيح لا يلزم  بالاجرة فقد تسلم المأجور بعد صحيح، وهذا تناقض لا يمكن قبوله مطلقا، ولا يجري في التطبيق العملي.

واذا كان التسبيب على النحو المتقدم يصعب فهمه، فان اقرار الحكم التمييزي بصحة ما تسلمته المدعية عن الفترات السابقة يضع الحكم في تناقض اخر، فاذا كان ما تسلمته المدعية صحيحا ، لماذا لا تكون مطالبتها بمقابل فترات الاشغال اللاحقة صحيحا؟

فالتناقضات في الموقف التمييزي تحول دون ادراك المنطق الذي ينتظم الحيثيات التي أوردها ، فهو من جهة يقر بصحة ما تم تسلمه، ومن جهة اخرى لا يسلم للمدعية بصحة ما تطالب به عن فترات الاشغال التي لم يدفع  المدعى عليهما مقابلها، والمنطق السليم يقتضي اذا سلمنا بصحة ما تسلمته سابقا، أن نسلم بصحة ما تطالب به عن فترات الاشغال التي لم يدفع مقابله واذا لم نقبل مطالبة المدعية بفترات الاشغال غير المدفوع مقابلها، ينبغي  أن نلزمها برد ما تسلمته ، لان المنطق الذي يسود الحكم القضائي ينبغي أن يكون واحدا ينتظم حيثياته وفقراته الحكمية، لكن الحكم التمييزي ابتعد عن كل هذه البدهيات المنطقية، والمنطق منهج ذهني يسعفنا بالتفكير السليم وايجاد الحلول للمشكلات القانونية قبل القانون احيانا. إن مثل هذه التناقضات تنال من حيثيات الحكم القضائي وتضع منطوق الحكم على أساس ضعيف الصلة بالأسباب التي تؤدي اليه.

كان يتعين على الحكم أن يؤسس قضاءه ليس على فكرة الاباحة التي لا تجد حضورا في وقائع الدعوى وانما على مصدر اخر من مصادر الالتزام وهو الكسب دون سبب أو بتعبير تشريعات أخرى الاثراء بلا سبب، ذلك أنه يتخلف عن انتفاع أحد الطرفين بملك الاخر في عقد تبين انه باطل أو تم فسخه، فان العقد، في هذه، الحالة لا وجود له، والمنفعة التي تحصل عليها أحد طرفي العقد أو كليهما يتعذر اعادتها ، لانها ليست شيئا ماديا ملموسا يمكن اعادته كما في بيع الاشياء وانما اشياء لا تدرك بذاتها وانما باثارها فقط كالانتفاع بأموال الغير ، فالمنفعة التي تتحصل من العقد لا يمكن اعادتها اذا تبين بطلان العقد أو تم فسخه ، وحتى بفرض امكانية اعادة المنفعة، فان هذه الاعادة لا تكون كاملة الا اذا تمت اعادتها في زمنها الذي تم تحصيلها فيه، بمعنى ان تعاد المنفعة مع الزمن الذي حصلت فيه وهذا أمر مستحيل ، فالزمن الذي مر لا يمكن أن يرجع أو يتوقف بل يمضي دون التفات الى المشاكل التي تترتب على مرورة لجهة اعادة المنافع المستوفاة.

فنحن أم عقد قائم وزال أو لم ينشأ أصلا ، وما ترتب عليه من منافع في الفترة السابقة لا يمكن اعادتها، فكيف نتعامل معها ؟ ان المشرع كان واضحا اننا هنا نكون أمام حالة من حالات الكسب دون سبب ، فاذا لم يكن هناك سبب لانتفاع الشخص (اثراءه) من أحد مصادر الالتزام المعروفة في النظرية العامة للالتزام، فان هذا الاثراء له مصدر هو الكسب دون سبب إن توفرت شروطه  وهي حدوث اثراء من حانب المدين وافتقار من جانب الدائن ووجود العلاقة السببية بين الاثراء والافتقار اي أن يكون الاثراء نتيحة الافتقار والشرط الذي يمثل محور هذا المصدر من مصادر الالتزام  هو عدم وحود سبب لهذا الاثراء وذلك الافتقار، لأن وجود السبب الذي يقصد به مصدر الالتزام يمثل الاداة الذي انتقلت فيه القيم الاقتصادية من طرف الى آخر ومن ثم لا يحق لأحد الطرفين مطالبة الآخر بما اثرى به، فإن اتفق مالك عقار مع مستأجر أن التحسينات التي يجريها هذا المستأجر تؤول الى المالك، امتنع على المستأجر المطالبة بها أو بقيمتها، لأن العقد هو مصدر اثراء المالك بالتحسينات وهو سبب افتقار المستأجر.

والواقع ان تحقق واقعة الكسب دون سبب لا تتحقق عفوا أو اعتباطا، وانما تتم من خلال زوال العقد المبرم بين الطرفين أو ملابسات معينة تؤدي الى ان يدفع الشخص شيئا غير مستحق عليه، ويتحقق الفرض الاول اذا تبين بطلان العقد أو وال العقد نتيحة فسخه لوجود شرط فاسخ اقترنت به الرابطة العقدية اما الفرض الثاني فيتحقق في صورة قضاء دين الغير وفي المدفوع دون حق كما نظمهما القانون المدني العراقي.

وفي ضوء كل ما تقدم، فان ما استوفاه صاحب الصيدلية من مقابل وما استوفاه المدعى عليهما من منافع تجد مصدرها في الكسب دون سبب بعد أن قررت المحكمة ان العقد المبرم بين الطرفين باطل، لان منطق البطلان يترتب عليه اعادة كل واحد من الطرفين ما تسلمه من الاخر، واعادة المنفعة امر متعذر، ولا يمكن  محاسبة المدعى عليهما عن خطأ ارتكباه بالانتفاع بالصيدلية ، وانما هو انتفاع كان له سبب ثم تبين عدم وجوده لكنه في النهاية اثرى بهذه المنفعة على حساب المدعية التي خسرت القيمة الاقتصادية لهذه المنفعة.

واذا كانت علاقة الطرفين تحكمها قواعد الكسب دون سبب فانه يتعين تطبيق أحكام الكسب دون سبب وهو التعويض اذ تقضي لمادة (243) من القانون المدني بأن « كل شخص ولو غير مميز يحصل على كسب دون سبب مشروع على حساب شخص آخر يلتزم في حدود ما كسله بتعويض من لحقه ضرر بسبب هذا الكسب ويبقة هذا الالتزام قائما ولو كسبه فيما بعد».

ويذهب الشراح الى أن هذا التعويض لا يمكن الا أن يكون بقدر الأقل من قيمتي الإثراء والكسب ، فلا يزيد على خسارة المفتقر وإلا اثرى هذا بدوره على حساب المدين، كما لا يزيد على مقدار ما اثرى المدين لان المدين لم يرتكب حطئا نحاسبه عليه، فلا يرد المدين أكثر مما كسبه.

وهنا نعود الى القضية المعروضة ، فان بقاء الصيدلية تحت يد المدعى عليهما وعدم تسليم مفاتيحها للمؤجر يجعل المدعى عليهما مسؤولين عن إعادة قيمة المنافع التي تحققت لهما أو كان بالامكان أن يتحصلا عليها، ولا يعفيهما من المسؤولية عن التعويض ادعاء بطلان العقد ، خصوصا وأن حيازتهما للصيدلية مدة من الزمن حرما المدعية من الانتفاع بها فلم يدفعا مقابل هذه الحيازة، فالاثر المترتب على بطلان العقد ينبغي أن يكون واحداً وهو أما عدم استحقاق المدعية لأي مبلغ وأما استحقاقها للمبالغ المتفق عليها على أٍساس الكسب دون سبب ، لكن التفرقة التي وضعتها محكمة التمييز بين المبالغ المستلمة وهي حق للمدعية وعدم استحقاقها قيمة المنافع  عن المدة التي لم يدفع المدعى عليهما مقابلا عنها، تفرقة تحكمية لا نجد لها أساسا واضحا في قواعد القانون، كما لم تبررها محكمة التمييز تبريرا مقنعا وفقا لمنطقها لتكون المسألة من قبيل اختلاف الاراء وتعدد الاجتهادات.



[1]           - الحكمغيرمنشور