مجلة كلية القانون والعلوم السياسية

The College of Law and Political Science Journal   

العدد 33

السنة 2026

دراسات مترجمة: تراجيديا السياسة الخارجية للقوى العظمى

هل يملك الواقعيون حل أزمات العالم؟

ستايسي إي. جودارد(*)  ، سميرة ابراهيم عبد الرحمن(**)

(*) مؤلف – استاذ دكتور - كلية ويلزلي – قسم العلوم السياسية - sgoddard@wellesley.edu

(**) مترجم - رئيس مترجمين أقدم أول - مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية - جامعة بغداد samira.ibrahim@cis.uobaghdad.edu.iq

هذا البحث مفتوح الوصول ويعمل وفق (نسب المشاع الإبداعي)(نَسب المُصنَّف-غير تجاري-منع الاشتقاق 4.0 دولي)

يحتفظ المؤلفون بحقوق النشر (Copyright) لأعمالهم المنشورة في المجلة، مع منح المجلة حق النشر الأول وذلك حسب سياسات المجلة

نسخة المجلة المنشورة هي النسخة الرسمية المعتمدة لأغراض التوثيق والاستشهاد العلمي

المجلة مؤرشفة في مستوعب المجلات العراقية المفتوحة

للمزيد من المعلومات مراجعة موقع المجلة www.jlps.edu.iq


                                                                                    

 Issue 33

Year 2026

Translated Reports:

The Tragedy of Great-Power Foreign Policy

Do Realists Hold the Solution to a World in Crisis?

Stacie E. Goddard(*)

(*)Author - Professor Dr. - Wellesley College – Political Science Dep. sgoddard@wellesley.edu

(**)Translator - Senior Head Translator - Strategic and International Studies Center - Baghdad University samira.ibrahim@cis.uobaghdad.edu.iq

This article is open access and licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivatives 4.0 International License (CC BY-NC-ND 4.0).

Authors retain the copyright to their works published in the journal, while granting the journal the right of first publication according to the journal’s policies.

The published version of the journal is the official version authorized for documentation and scholarly citation purposes.

The journal is archived in the Iraqi Open Access Journals database.

For more information, please refer to the link www.jlps.edu.iq




عن المقال

المقال  منشور على موقع مجلة الفورين آفيرز (الشؤون الخارجية) (Foreign Affairs)  الأميركية على شبكة المعلومات الدولية (الانترنت) في 17 شباط/فبراير 2026 ضمن عددالمجلة  اذار/مارس – نيسان/ابريل 2026.

Foreign Affairs, March/April 2026.

وهو مراجعة تحليلية بقلم ستايسي إي. جودارد[1]  لكتاب الباحثة إيما أشفورد الموسوم "الأول بين الأنداد: السياسة الخارجية الأميركية في عالم متعدد الأقطاب" الصادر في آب/ اغسطس 2025.

ترجمة المقال

في بحر  ثلاثين عامًا تقريبًا بعد انتهاء الحرب الباردة، جادلت النخب السياسية الخارجية الأميركية بأن على الولايات المتحدة استخدام قوتها العسكرية والاقتصادية التي لا تُضاهى كقوة دافعة نحو التحول والتغيير. بالنسبة للبعض منهم، كان هذا يعني العمل على توسيع دور المؤسسات متعددة الأطراف مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتعزيز التجارة الحرة غير المقيدة، وحماية حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، بل وحتى باستخدام القوة العسكرية. بينما اعتقد آخرون أن على الولايات المتحدة استخدام قوتها العسكرية كسلاحٍ لدعم الديمقراطية من خلال إخضاع الإرهابيين العنيفين، وإسقاط الأنظمة الاستبدادية، وردع القوى التي قد تسعى إلى تغيير النظام العالمي. بيد أن هاتين الرؤيتين لم تكن سوى وجهين لعملة واحدة: إذ أطل من خلفهما الاعتقاد بضرورة أن تحافظ الولايات المتحدة على مكانتها المهيمنة في العالم، وأن تستخدم قوتها، كلما اقتضت الضرورة، للدفاع عن الحقوق الليبرالية.

لكن بعد إخفاقات التدخل الأميركي في كل من أفغانستان والعراق، وصعود نجم قوى عظمى منافسة، وتراجع الديمقراطية الأميركية في الداخل، طويت صفحة التوافق النسبي بين الحزبين. وباتت السياسة الخارجية الأميركية في حالة من التخبط، دون رؤية جلية للمرحلة المقبلة.

ترى إيما آشفورد[2] ((Emma Ashford، كبير باحثين في مركز ستيمسون (Stimson Center) ، أن السبيل الأمثل يكمن فيما تسميه "الواقعية الدولية" (realist internationalism). وهي استراتيجية تستند إلى تراث فكري واقعي عريق، تضع المصلحة الوطنية - لا الأيديولوجيا - في صميم صنع السياسة الخارجية، فيما تنظر للسعي نحو نشر الديمقراطية في الخارج كأمرٍ غير ضروري، بل ضربًا من الحماقة.

كما ترفض آشفورد ما تعده دعوات متشددة إلى الانكفاء أو حتى الانعزالية. وتؤكد أن الانخراط الدولي لم يعد ترفًا اختيارًا؛ ذلك ان أمن الولايات المتحدة وازدهارها مرتبطان بسوق عالمية مفتوحة. على المستوى العملي، فإن واشنطن التي تتبنى واقعيتها الدولية ستنسحب عسكريًا من مناطق تفتقر فيها الولايات المتحدة إلى مصلحة وطنية، كالشرق الأوسط. وتسحب دعمها في المناطق التي يستطيع فيها الشركاء إدارة التهديدات الأمنية بأنفسهم، مثل أوروبا؛ وتقر بعجزها عن تقرير مصير أوكرانيا. وبشكلٍ مثيرٍ للجدل، تحث آشفورد الولايات المتحدة على قبول "مناطق نفوذ" القوى العظمى، مع ضمان قدرتها على استخدام أدوات غير عسكرية، لا سيما الأدوات الاقتصادية، لمواجهة أي عدوان قد يشل الاقتصاد العالمي.

يُعد جهد آشفورد في تحليل سجال السياسة الخارجية الفوضوي المحتدم في واشنطن مثيرًا للإعجاب، إذ تقسم تياراته الفكرية إلى أربعة مواقف جلية. وموقفها المُفضل يتسم بالحكمة والحصافة. فهي ترفض النزعة الليبرالية المنتصرة، وتُدرك ضرورة كبح جماح الطموحات الأميركية لإحداث تغيير في الخارج. وعلى خلاف الصقور والانعزاليين، تُدرك أيضًا أن الولايات المتحدة لا تستطيع ضمان الأمن والازدهار في الداخل إلاّ من خلال رعاية علاقات وثيقة مع الدول الأخرى.

لكن آشفورد تُقر أيضًا بأن الواقعيين غالبًا ما يواجهون صعوبة في اكتساب النفوذ في واشنطن. وتقول متأسفة، مقتبسة قول عالم السياسة الواقعي روبرت جيلبين[3] (Robert  Gilpin) : "لا أحد يُحبذ الواقعي السياسي". والتاريخ يشهد ان الاستراتيجيات التي اقترحها الواقعيون قد أُسيء فهمها أو تم تجاهلها، أو حتى السخرية منها بوصفها باردة وغير أخلاقية. لكن بحسب وجهة نظر آشفورد،لا تعدو هذه المشكلة المتعلقة بالعلاقات العامة كونها عقبة ثانوية. فالمهمة الأكثر إلحاحًا للواقعيين هي تحديد نموذج استراتيجي متماسك وصياغته، من شأنه أن يجذب صانعي السياسات بفضل منطقه السليم والسديد، لا سيما في لحظة تشهد اضطرابًا جيوسياسيًا.

وهنا تحديدًا تكمن نقطة ضعف الكتاب؛ إذ يُقلل من تأثير هوس الواقعيين بالعقلانية المتزنة في دفعهم، في كثير من الأحيان، إلى العزوف عن حشد الرأي العام والنخبوي على حد سواء. فالأفكار السديدة وحدها لا تكفي. إذا لم يتمكن واقعيون من أمثال آشفورد من إيجاد طريقة لجذب انتباه صانعي السياسات وعامة الشعب الأميركي، فلن يكون لكل منطق في العالم أي جدوى.

 

من الفوضى إلى النظام

يبدو نقاش السياسة الخارجية في واشنطن اليوم متنافر الطروحات. فكل وجهة نظر مطروحة فيه، كما تكتب آشفورد، "ترفض جانبًا أساسيًا من إجماع ما بعد الحرب الباردة: سواء كان  بناء الدولة، أو تعزيز الديمقراطية، أو العولمة، أو التجارة، أو... الهيمنة العسكرية". لكن هذه المعسكرات المختلفة عاجزة عن التوحد (التكتل والائتلاف). فبعضها "لا يزال ذا توجه أيديولوجي واضح، بينما يميل البعض الآخر إلى مقاربات واقعية سياسية تقليدية تجاه العالم". ومما يزيد الأمر تعقيدًا، أن هذه الرؤى  لم تعد "تتوافق تمامًا مع الخطوط السياسية الحزبية."

ومع ذلك، ترى آشفورد أنه يمكن فرض تصنيف منهجي مفيد يضبط ايقاع هذا النقاش. وتجادل بأن مفكري وممارسي السياسة الخارجية الأميركية، في جوهر الأمر، ينقسمون الآن بين اتجاهين حيال مسألتين رئيسيتين في السياسة الخارجية، مما يُنتج أربع كتل فكرية متميزة. تتعلق المسألة الأولى بدور الأيديولوجيا في السياسة الخارجية الأميركية: هل ينبغي للولايات المتحدة أن تسعى إلى إعادة تشكيل النظام الدولي على ضوء نموذجها الخاص؟ والسؤال الثاني يتعلق بدوافع العنف وعدم الاستقرار في السياسة الدولية: هل ينشأ انعدام الأمن عندما تعجز القوى العظمى عن كبح جماح "الجهات الفاعلة المصممة على التغيير"؟ أم، على العكس من ذلك، هل التهديدات باستخدام القوة، في أغلب الأحيان، مجرد استفزازات لا داعي لها، تخلق مفاهيم خاطئة تُؤدي إلى تصعيد متصاعد؟

ترى آشفورد أن الإجابتين المحتملتين لكل سؤال "تُنتجان أربع رؤى متميزة للغاية" لانخراط الولايات المتحدة على الصعيد العالمي. وعلى الرغم من ان  بعض مدارس آشفورد الفكرية تُشبه تصنيفات والتر راسل ميد[4] (Walter Russell Mead) المعروفة للاستراتيجيين (الهاميلتونيين، والجيفرسونيين، والجاكسونيين، والويلسونيين)، إلاّ انها تختلف عنها في أنها تتجاوز مجرد الوصف السردي، وتُعرف هذه المجموعات بناءً على فرضياتها الجوهرية. ولا يزال "أنصار النظام الليبرالي الأساسي" (الذين أطلق عليهم ميد اسم الويلسونيين) مُتمسكين بشدة بفكرة أن القيم الليبرالية يجب أن توجه السياسة الخارجية الأميركية، ويعتقدون أن إخفاقات الردع هي التي تشجع على العدوان الاستبدادي. يكمن جوهر هيمنة الليبرالية في "فكرة أن نظامًا تقوده الولايات المتحدة عبر المؤسسات الدولية الليبرالية قادر على استقرار النظام الدولي، وتجاوز التنافسات، وإحلال السلام في العالم". ويضم هذا التيار الكثير من المحافظين الجدد، مثل الباحث روبرت كاغان[5] (Robert Kagan) من معهد بروكينغز، بالإضافة إلى شخصيات ديمقراطية تقليدية في السياسة الخارجية، مثل سامانثا باور[6] (Samantha Power). أما المجموعة الثانية، التي تطلق عليها آشفورد اسم "بناة العالم التقدميون"[7] (progressive worldbuilders)  فتستمد إلهامها من تراث "مناهض للحرب واشتراكي". ومثل الليبراليين المؤيدين للهيمنة، يؤمنون "ببناء عالم أفضل"، ولكن بالدرجة الأولى "من خلال أدوات غير عسكرية". وتشير آشفورد، مستشهدة بخبير السياسة الخارجية روبرت فارلي[8] (Robert Farley)، إلى أن هذه الحركة، التي تتسم أحيانًا بعدم التماسك، كانت حتى وقت قريب متحدة حول قناعتين أساسيتين فقط: أن "على الولايات المتحدة الامتناع عن خوض حروب حمقاء وعشوائية"، وأن "ميزانية الدفاع الأميركية مرتفعة للغاية". لكن هذا التيار (الذي يضم في صفوفه ماثيو دوس[9](Matthew Duss) ، مستشار السياسة الخارجية للسيناتور بيرني ساندرز[10] (Bernie Sanders) في حملته الرئاسية عام 2020، وهيذر هورلبورت[11] (Heather Hurlburt) ، الباحثة في (تشاتام هاوس) يبذل جهودًا "لبناء إطار عمل أكثر دقة، و"تقدميًا" بوضوح، للسياسة الخارجية والدفاعية... ويفضل أن يكون ذا توجه إعادة توزيع الثروة".

أما من يعتقدون بضرورة أن تكون السياسة الخارجية الأميركية أقل تأثرًا بالأيديولوجيا، فيسعى "الصقور الأميركان أولًا" (أنصار جاكسون بقيادة ميد) إلى "السلام من خلال القوة"، وردع المعتدين بالقوة العسكرية بدلًا من المؤسسات الدولية. ويعتقد أعضاء هذه المجموعة (بمن فيهم بعض المسؤولين في إدارة الرئيس دونالد ترمب، مثل وكيل وزارة الدفاع إلبريدج كولبي[12] (Elbridge Colby)) أن على الولايات المتحدة السعي جاهدة للبقاء القوة المهيمنة في السياسة الدولية. وهم ليسوا دعاة أيديولوجيين، لكنهم على استعداد تام لاستخدام القوة لإخضاع القوى ذات السلوك العدائي، أو الجماعات المسلحة الخارجة عن القانون، بل وحتى حلفاء الولايات المتحدة وشركائها.

أما المجموعة الرابعة والأخيرة،  وهم "الواقعيون الداعون لضبط النفس"، فيعتقدون أيضاً أن المصالح يجب أن تتغلب على الأيديولوجيا في السياسة الخارجية الأميركية. لكنهم أكثر تشككاً بكثير من صقور "أميركا أولاً" فيما يتعلق بقدرة واشنطن على تحقيق الهيمنة من خلال القوة العسكرية.

 يضم هذا التيار طيفاً واسعاً من الأكاديميين، والديمقراطيين التقدميين، والجمهوريين المحافظين، و"الليبرتاريين[13] (أو التحرريون) والمناهضين للإمبريالية الذين يعتبرون ضبط النفس قضية أخلاقية"، ودعاة خفض العجز، وجماعات المحاربين القدامى، وحتى آشفورد نفسها. توضح آشفورد قائلة: "قد يكون من الأسهل القول إن ما يجمع الواقعيين الداعين لضبط النفس في المقام الأول هو معارضتهم لسعي واشنطن وراء الهيمنة (أو ما يُعرف بـ 'الانخراط العميق')[14] وما ينطوي عليه ذلك من نزعة إلى التمدد المفرط. وهذا هو العامل الجوهري الذي يفصلهم عن... صقور 'أميركا أولاً' ". وتقتصر أهدافهم على منع ظهور قوة مهيمنة قد تهدد نظام التجارة الحرة العالمي الذي يعتمد عليه الوضع السياسي والاقتصادي للولايات المتحدة.

يرى النّقاد أن اختزال النقاشات الاستراتيجية الكبرى في مصفوفة ثنائية الأبعاد هو تبسيط مفرط، يتجاهل خلافات جوهرية حول جدوى القوة العسكرية أو قيمة المؤسسات. غير أن التصنيف الفكري الذي قدمته "أشفورد" يظل إسهاماً بالغ الأهمية؛ فمن خلال مقابلتها بين المواقف السياسية الخارجية بالاستناد إلى بضع فرضيات جوهرية، يفتح طرحها آفاقاً لحوارات بنّاءة بين التيارات المتنافسة.

 

السلام في التراجع

على خُطى غيرها من الواقعيين، تبني آشفورد استراتيجيتها المفضلة على جملة من الافتراضات الأساسية حول طبيعة السياسة الدولية. إذ ينبغي للولايات المتحدة (والدول جميعها) أن ترغب في الحفاظ على أمنها فوق كل اعتبار، وأن تسعى إلى تعزيز مصالحها الوطنية، لا أن تعمل لصالح الخير الشامل. بل يتوجب عليها فعل ذلك في عالم يتسم بالفوضى المفاهيمية (الأناركية) الأساسية، عالم يفتقر إلى حكومة عالمية. لكنها تختلف عن الواقعيين التقليديين بإدراكها أن الحفاظ على اقتصاد عالمي مفتوح وحر أمر حيوي لازدهار الولايات المتحدة، ومن ثّم لا يمكن فصل المصلحة الوطنية بسهولة عن المصلحة الدولية. وهي تتساءل عن صحة الفرضيات الواقعية الراسخة منذ مدى بعيد حول أولوية القوة العسكرية، مُجادلة بأن الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية غالبًا ما تكون على القدر نفسه من الفاعلية في تحقيق المصالح الوطنية.

وترى آشفورد أنه إذا اعتمدت واشنطن استراتيجية واقعية دولية، فإن السياسة الخارجية الأميركية ستتخذ مسارًا مختلفًا جذريًا وأكثر براغماتية. ولن يكون من المنطقي للولايات المتحدة، على سبيل المثال، الادعاء بأن العدوان على تايوان يشكل تهديدًا وجوديًا، لا سيما وأن التعهد بالدفاع عن سيادة الجزيرة، مهما كلف الثمن، قد يزج بالجيش الأميركي في حرب كارثية. ومع عودة التعددية القطبية، سيتعين على صانعي السياسة الأميركان "التعايش مجددًا مع حقيقة وجود دوائر النفوذ". وسيتعين عليهم الاعتراف بأن تايوان تقع ضمن دائرة النفوذ الصيني.

ولا يعني هذا الاعتراف، بالضرورة، التخلي عن الدول الصغيرة وتركها للهيمنة. بل ينبغي للولايات المتحدة أن تسعى إلى نقل عبء الحماية إلى حلفائها وشركائها، وأن تعتمد على الوسائل غير العسكرية لردع العدوان.

 ترى آشفورد أنه ليس ثمة ما يمنع اليابان وكوريا الجنوبية من تولي المسؤولية الرئيسة عن أمن تايوان. وفي آسيا، تقترح آشفورد أن تنشر الولايات المتحدة مجموعة محدودة من القوات الجوية والبحرية الموجهة لحماية خطوط الملاحة العالمية. كما تجادل أن  بمقدور واشنطن الاستفادة من مجموعة متنوعة من الوسائل السياسية – تضم القدرات الاقتصادية، والحنكة الدبلوماسية، والخبرة الاستخباراتية - للحفاظ على أمنها بعيدًا عن التورط في صراع عسكري لا داعي له.

في نهاية المطاف، ترى آشفورد أن ما تتمتع به الولايات المتحدة من موقع جغرافي استثنائي وقدرة على الردع النووي يجعل من امنها آمنًا في جوهره. وبمجرد التسليم بهذه الفرضية، لن يكون ثمة مبرر لواشنطن لاستثمار موارد ضخمة في الحفاظ على قوتها العسكرية. لا فصال في القول انه من السهل إدراك مدى جاذبية عالم كهذا. غير أن السؤال الذي تطرحه آشفورد نفسها هو: إذا كان النهج الواقعي في السياسة الخارجية منطقيًا إلى هذا الحد، فلماذا ترفض الإدارات الأميركية المتعاقبة النهج الواقعي لصالح النهج المتشدد (سياسات الصقور) أو الأممية الليبرالية؟

 

سطوة السردية

تُلقي آشفورد باللوم، في المقام الأول، على عاتق قوى خارجة عن سيطرة الواقعيين. فالاستقطابات الحزبية قي الولايات المتحدة غالبًا ما تُقوض النهج المعتدل والعقلاني في السياسة الخارجية. وتجادل بأن الرأي العام يميل عادة إلى اتباع أهواء النخب وتقلباتها، التي تحبذ السرديات الكبرى والطموحة. كما تُعارض البيروقراطيات الراسخة، بكل ضراوة، أي تخفيض مبرر للموازنات. في حين غالبًا ما يُشجع الحلفاء الديمقراطيون للولايات المتحدة في الخارج القادة الأميركان على تبني إطار عمل ويلسوني (Wilsonian framework).

وترى آشفورد، انه عند التعمق في المسألة، نجد ان الاميركان يرغبون أيضًا في أن تبدو سياستهم الخارجية راسخة تقوم على أُسس أخلاقية، وهم يُقاومون بشكل أساسي "شكوك الواقعيين في امكانية اجراء تغيير جذري" علاوة على "نظرتهم التشاؤمية، إلى حد ما، للطبيعة الانسانية". وليست آشفورد أول من ادرك من الواقعيين الأميركان أن الاستراتيجية الكبرى للواقعية نادرًا ما حظيت بتأييد الرأي العام. ففي نهاية الحرب العالمية الثانية لم يكن ثمة إجماع يُذكر حول الاتجاه الذي ينبغي أن تسلك دروبه السياسة الخارجية الأميركية. هل يتوجب على الولايات المتحدة الإنكفاء على ذاتها والعودة إلى العزلة أم تكريس نفسها لبناء نظام ليبرالي ودولي؟ هل ينبغي التعاون مع الاتحاد السوفيتي أم التعامل معه بوصفه خصمًا أيديولوجيًا؟

دعا الواقعيون، امثال جورج كينان[15](George Kennan) ، مدير تخطيط السياسات في عهد الرئيس هاري ترومان[16] (Harry Truman) ، إلى استراتيجية حكيمة قائمة على المصلحة الوطنية. وايمانًا منه بأن دوافع الاتحاد السوفيتي نابعة بالدرجة الاساس من الشعور  بانعدام الأمان، حث كينان واشنطن على اتباع سياسة الاحتواء باستخدام الأدوات الاقتصادية والسياسية، مع إعطاء الأولوية للدفاع عن المراكز الصناعية كألمانيا واليابان. وحذر عالم السياسة هانز مورغنثاو[17] (Hans Morgenthau) ، وهو واقعي مؤثر، واشنطن من المغامرة بشن حملة ليبرالية خشية إثارة حرب مع موسكو.

خُلد اسم كينان بوصفه الأب الروحي لسياسة الاحتواء، ومن ثّم مهندس استراتيجية الولايات المتحدة ابان الحرب الباردة. بيد أن رؤيته الواقعية الشاملة قد خسرت الرهان في واقع الأمر ولم تجد طريقها الى الاعتماد. بدلاً من ذلك، صور ترومان وخلفاؤه الاتحاد السوفيتي كتهديد وجودي وأيديولوجي.

 وبتبني نظرية الدومينو، تعاملت واشنطن مع كل جزء من العالم بوصفه جزءًا لا يتجزأ من المعركة ضد العدوان الشيوعي، الامر الذي سوغ لها التدخلات العسكرية تحت ذريعة الدفاع عن القيم الليبرالية العالمية.

حدث هذا جراء نجاح الصقور والامميين الليبراليين في نسج روايات كبرى لاقت صداً  واسعًا لدى الرأي العام والشركاء في الخارج، مما همش الاستراتيجية الواقعية الكبرى لعقود مضت. وبعد انتهاء الحرب الباردة، حث الاستراتيجيون الواقعيون مجدداً القيادة الأميركية على كبح جماح التزاماتها الدولية وجني ثمار السلام في الداخل. كان الرأي العام يؤيد، على ما يبدو، هؤلاء الواقعيين: فقد أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة "بيو"  (Pew)عام 1993 أن 10% فقط من الأميركان كانوا يرغبون في أن تتبنى بلادهم دور “القائد العالمي الأوحد” وتوسع رقعة حلف شمال الاطلسي (الناتو).[18]

بيد ان الرأي العام، كما تدرك آشفورد، لم يكن ليقود المبادرة. ففي عهد الرئيس بيل كلينتون، تولى دعاة التفوق الليبرالي زمام السياسة الخارجية عبر التذرع بالتفوق الأخلاقي. فقد سوغت وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت[19] (Madeleine Albright)، في كانون الثاني/ يناير 1997، توسع حلف الناتو شرقاً بأن من شأنه "دحر الأحقاد القديمة" و"ردع النزاعات". وفي وقت لاحق من العام ذاته، أظهر استطلاع[20] آخر أجرته مؤسسة "بيو" أن غالبية الأميركان باتوا يؤيدون توسيع نطاق الحلف.

 

فخ البراغماتيين

وفي نهاية المطاف، يبدو أن آشفورد تؤمن بأن الحجج العقلانية قادرة على تجاوز مشكلة العلاقات العامة التي تعاني منها المدرسة الواقعية. بيد أن آشفورد تكرر هنا الخطأ  نفسه الذي وقع فيه الكثير من الواقعيين: فهم مقتنعون تمامًا بقدرتهم الفائقة على التحليل العقلاني لدرجة أنهم يغفلون التأكيد على الأساس الأخلاقي الذي ينطلق منه هذا التحليل.

إن العجز عن  صياغة الاستراتيجية من منظور مُثُل عليا قد يفضي بسهولة إلى ترسيخ فكرة أن الواقعيين أنانيون ومتجردون من الأخلاق، لا سيما في الولايات المتحدة. وقد دفع هذا الخطأ البعض إلى وصف ترمب بالواقعي، ظنًا منهم أن "نزعته النفعية (الصفقاتية)الفجة... الخالية من المقاييس الأخلاقية" هي التزام مبدئي بالمصلحة الوطنية الأميركية.

في الحقيقة، بين يديّ الواقعيين مسوغًا منصفًا لتقديم أنفسهم، عن جدارة، كأكثر المدافعين صدقًا عن المُثل العليا الأميركية. إذ يكمن في صميم جانب كبير من النظرية الواقعية (وإن لم يكن كلها) التزام معياري بالعمليات الديمقراطية. بل إن آشفورد ترى أن "الأخلاق... يمكن أن تكون أساس الفكر الواقعي". إذ تكتب أن "المصلحة الأساسية الثانية" التي يجب على صانعي السياسات الواقعيين السعي لضمانها - بعد حماية الولايات المتحدة من التهديدات الأساسية كالهجوم النووي - هي "الديمقراطية والازدهار في الداخل".

ينطوي مفهوم المصلحة الوطنية على فكرة أن أهداف الدولة في الخارج يجب أن تكون جماعية وخاضعة للتنافس في آنٍ معاً. وعليه، فان أي سياسة خارجية القائمة على المصلحة الوطنية يجب ان تخاطب مختلف المصالح داخل المجتمع؛ بل يجب أن تكون أهدافها ووسائلها منطقية ومفهومة للجمهور بوصفها دعوة للعمل الجماعي.

من نافل القول، ليس كل الواقعيين من غُلاة الديمقراطيين، بيد ان الرؤية الواقعية للمصلحة الوطنية الجماعية تفسح، على الأقل من الناحية النظرية، امام مساحة أكبر للتنافسية مقارنةً بنظيراتها من الطروحات المنافسة. فعلى سبيل المثال، يعمد صقور التيار القومي دعاة "أميركا أولاً" الى إسكات الرؤى البديلة من خلال بث الخوف والترهيب، كما فعل السيناتور روجر ويكر[21](Roger Wicker)  عندما أشاد بالضربات التي وجهتها إدارة ترمب لإيران بوصفها ضرورية "للقضاء على تهديد وجودي".

وفي المقابل، يبدو دعاة التفوق (الهيمنة) الليبرالي أكثر ديمقراطية، بفضل تكريسهم للمحافل المتعددة الأطراف، والإجراءات المصممة لإيجاد بيئة  تكافؤ الفرص ( level playing field) [22]. بيد ان  التزامهم بالليبرالية الشاملة بوصفها مجموعة من المبادئ غير القابلة للتفاوض يفضي عمليًا الى  إجهاض التنافسية السياسية من خلال استبعاد المخالفين  وتشويه سمعتهم.

ولأن الواقعيين يقرون بتعدد المصالح الوطنية، ويرون في سياسة القوة حالة طبيعية في العلاقات الدولية، فهم على استعداد للانخراط بطريقة أكثر تعددية، وتمهيد مسارات للتعاون مع الشركاء والخصوم على حد سواء.

كان بمقدورهم أن يكونوا أكثر وضوحًا وتصريحًا بشأن القيمة الأخلاقية لهذه المقاربات. فعلى سبيل المثال، كان بإمكانهم التأكيد على أن دعوتهم لإنهاء الحرب في أوكرانيا عبر التفاوض لا تختزل في مجرد السعي  لتوفير المال على حساب إنقاذ الديمقراطية، بل ترمي عوضًا عن ذلك إلى إنهاء صراع لا يزال يُنذر بالتحول إلى حرب مدمرة بين القوى العظمى، علاوة على تثبيت المكاسب التي حققها الأوكرانيون، وتوفير الفرص للبدء بالمهمة الحيوية الا وهي إعادة الإعمار.

ولقد أسدت آشفورد خدمة جليلة لصناع السياسات من خلال تقديمها تقييمًا ثاقبًا وموضوعيًا لديناميات القوة العالمية المعاصرة، وطرحها حجة منطقية تدعم الشراكات الدولية، فضلًا عن تحذيرها  الجاد من عواقب إشعال صراع كاريثي.

إنها بالفعل خريطة طريق في غاية العقلانية في إدارة السياسة الخارجية؛ بيد ان تناولها الموجز لمشكلة العلاقات العامة التي تعاني منها النظرية الواقعية يوقعها في فخ مألوف كان بالامكان تفاديه. ولكي تكتب الغلبة للواقعية الأممية بوصفها استراتيجية شاملة، يحتاج أنصارها إلى صياغة سردية أخلاقية قادر ة على كسب القلوب، لا العقول فحسب.*

 

إقرار تضارب المصالح

يُقر المؤلف بعدم وجود أي تضارب محتمل في المصالح فيما يتعلق بالبحث أو التأليف أو نشر هذا المقال.

التمويل

لم يتلقَ المؤلف أي دعم مالي لإجراء هذا البحث أو تأليفه أو نشره.

البيان الأخلاقي

هذا البحث يتوافق مع المعايير الأخلاقية لإجراء الدراسات العلمية. وقد تم الحصول على موافقة خطية من جميع المشاركين الأفراد المشمولين في الدراسة.

بيان توفر البيانات

البيانات متاحة عند الطلب من المؤلف المراسل.

الشكر والتقدير

لا يوجد شكر وتقدير أفصح به الباحث


 



[1] ستايسي إي. جودارد  (Stacie E. Goddard)  (المولودة في 13  ايار/مايو  1974 )، أستاذة العلوم السياسية (Betty Freyhof Johnson '44 Professor of Political Science) في كلية ويلزلي (Wellesley College)، حيث عملت أيضًا مديرة لمعهد مادلين أولبرايت للشؤون العالمية (Madeleine K. Albright Institute for Global Affairs). حصلت على الدكتوراه من جامعة كولومبيا عام 2003.  تركز أبحاثها على العلاقات الدولية، وبالتحديد قضايا النظام الدولي، وسياسات القوة العالمية، والتنافس بين القوى الكبرى، وشرعية القوى الصاعدة، والنزاعات الإقليمية، من منظور "البنائية" (Constructivism) في نظرية العلاقات الدولية.

من أبرز أعمالها كتاب "عندما يصنع الحق قوة: القوى الصاعدة والنظام العالمي" (When Right Makes Might: Rising Powers and World Order, 2018)، الذي تطرح فيه سؤالًا محوريًا: لماذا تتقبل القوى العظمى صعود بعض القوى المنافسة بينما تواجه وتحتوي غيرها، حتى على حساب خطر الحرب؟ وتجيب بأن الطريقة التي تسوغ بها القوة الصاعدة توسعها (أي استراتيجية "الشرعنة") هي العامل المحدد في استجابة القوى الكبرى لها.

من أعمالها الأخرى كتاب "الأرض غير القابلة للتجزئة وسياسات الشرعية: القدس وأيرلندا الشمالية" (2009)  (Indivisible Territory and the Politics of Legitimacy: Jerusalem and Northern Ireland).  نُشرت أبحاثها في مجلات أكاديمية مرموقة مثل (International Organization) و (International Security) و (Security Studies)، إلى جانب مساهمات في (Foreign Policy) و (The Washington Post) و (The New York Times). وهي زميلة غير مقيمة في معهد كوينسي للحوكمة المسؤولة (Quincy Institute for Responsible Statecraft)، وهو مركز بحثي "عابر للأحزاب" يُعرف بانتقاده للتوجه الأميركي التدخلي التقليدي في السياسة الخارجية.

[2] إيما آشفورد، زميلة أولى بمركز ستيمسون (Stimson Center) وأستاذة مساعدة مساندة بجامعة جورجتاون، ومن أبرز المدافعين عن الواقعية وتيار "ضبط النفس" (Restraint) في السياسة الخارجية الأميركية. في كتابها "الأول بين متساوين" ((First Among Equals, 2025، تطرح مفهوم "الواقعية الدولية" (Realist Internationalism)، الذي يضع المصلحة القومية -لا الأيديولوجيا أو نشر الديمقراطية- في مركز صنع القرار، ويدعو لتقليص الوجود العسكري الأميركي في أوروبا والشرق الأوسط وتحويل عبء الأمن للحلفاء، مع إعادة توجيه الموارد نحو آسيا، دون الانزلاق نحو الانعزال الكامل الذي تنتقده أيضًا. (نقلًا عن : "'First Among Equals': The Case for a New Realist Internationalism." Responsible Statecraft, September 3, 2025. https://responsiblestatecraft.org/realist-foreign-policy )

[3] روبرت جيلبين (Robert Gilpin) عالم سياسة أميركي بارز، عمل أستاذًا للسياسة والشؤون الدولية في جامعة برينستون، ويُعد من أبرز منظري المدرسة الواقعية الجديدة والاقتصاد السياسي الدولي.  تقوم أفكاره على مبدأ واقعي أساسي مفاده أن الدولة تبقى الفاعل المركزي في النظام الدولي، وأن السعي وراء القوة والمصلحة الوطنية يظل المحرك الرئيس لسلوك الدول حتى في ظل تنامي الترابط الاقتصادي العالمي. =

=من أهم إسهاماته "نظرية استقرار الهيمنة"، التي طرحها في كتابه "الحرب والتغيير في السياسة العالمية" (War and Change in World Politics, 1981)، ومفادها أن استقرار النظام الدولي وازدهار التجارة الحرة يرتبطان بوجود قوة مهيمنة تفرض القواعد وتحمي النظام، وأن تراجع هذه الهيمنة يقود غالبًا إلى الاضطراب والصراع.  كما أكد في كتابه "الاقتصاد السياسي للعلاقات الدولية" (The Political Economy of International Relations, 1987) أن الاقتصاد الدولي لا ينفصل عن اعتبارات القوة والمصالح الاستراتيجية، وأن العولمة نفسها مشروطة بإرادة القوى الكبرى وقدرتها على صياغة قواعد النظام وحمايته.  (نقلًا عن: Gilpin, Robert. War and Change in World Politics. Cambridge University Press, 1981)

[4] والتر راسل ميد (1952)، أكاديمي وكاتب أميركي بارز في السياسة الخارجية، ويشغل حاليًا منصب  زميل متميز في الاستراتيجية والحنكة السياسية بمعهد هدسون ((Hudson Institute) ، وأستاذ الاستراتيجية والحنكة السياسية بجامعة فلوريدا (مركز هاملتون)، وكاتب عمود "Global View" بصحيفة وول ستريت جورنال. شغل سابقًا منصب أستاذ الشؤون الخارجية والعلوم الإنسانية بكلية بارد، وزميل هنري كيسنجر الأول للسياسة الخارجية الأميركية بمجلس العلاقات الخارجية بين عامي 2003 و2010.

اشتهر ميد بكتابه المرجعي "العناية الخاصة: السياسة الخارجية الأميركية وكيف غيرت العالم" (Special Providence, 2001)، والذي قدّم فيه تصنيفًا شهيرًا لأربع مدارس تاريخية متنافسة شكّلت السياسة الخارجية الأمريكية: المدرسة الهاملتونية (التجارية-الواقعية)، والويلسونية (الأخلاقية-المثالية)، والجيفرسونية (الحذرة من التوسع الخارجي)، والجاكسونية (الشعبوية القومية التي تركز على الأمن القومي المباشر بحزم عسكري عند الضرورة). كما ألّف "الله والذهب: بريطانيا وأمريكا وصنع العالم الحديث" (2007)، وأحدث أعماله "قوس العهد: الولايات المتحدة وإسرائيل ومصير الشعب اليهودي" (2022).

فكريًا، لا ينتمي ميد إلى مدرسة واحدة صارمة (كالواقعية الكلاسيكية أو المثالية الليبرالية)، بل يُعرف بتحليله المتعدد الأبعاد الذي يمزج الواقعية بالعوامل الثقافية والدينية والتاريخية في تفسير السياسة الخارجية الأمريكية، وهو ما يميّزه عن الواقعيين الأكثر تقشفًا نظريًا. (نقلًا عن صفحة السيرة الرسمية: Walter Russell Mead." Hudson Institute.  https://www.hudson.org/experts/1038-walter-russell-mead )

[5] روبرت كاغان (Robert Kagan) مؤرخ ومحلل سياسي أميركي بارز، عمل زميلاً بارزًا في معهد بروكينغز، ويُعد من أهم الأصوات الفكرية المؤثرة في النقاش الأميركي حول السياسة الخارجية. يُصنف كاغان عادة ضمن التيار "المحافظ الجديد" (Neoconservative) والتيار "التدخلي الليبرالي" (Liberal Interventionist). 

يتبنى كاغان رؤية مغايرة تمامًا لجوهر الفكر الواقعي، إذ يدافع بقوة عن استمرار القيادة الأميركية العالمية والانخراط النشط في الشؤون الدولية، ويرى أن "السلام الأميركي" (Pax Americana) القائم على القوة والانتشار العسكري هو الضامن الأساسي للاستقرار العالمي.

ومن أبرز أعماله كتاب "العالم الذي صنعته أميركا" (The World America Made)، الذي يجادل فيه بأن النظام الدولي الليبرالي لم يكن نتاجًا طبيعيًا للتطور التاريخي، بل هو صنيعة القوة الأميركية، وأن أي تراجع أميركي سيقود إلى فوضى دولية وصعود قوى استبدادية. كما ينتقد كاغان بشكل مباشر الطروحات الواقعية التي تدعو إلى ضبط النفس الاستراتيجي (Restraint) وتقليص الانخراط الخارجي، معتبرًا أن هذا التوجه ساذج أو خطير لأنه يقلل من شأن الدور الأخلاقي والاستراتيجي الذي تلعبه الولايات المتحدة في ردع الأنظمة الاستبدادية وحماية النظام الدولي الليبرالي. (نقلًا عن  Kagan, Robert. The World America Made. New York: Alfred A. Knopf, 2012.)

[6] سامانثا باور (Samantha Power) دبلوماسية وأكاديمية أميركية من أصل إيرلندي، عملت سفيرة للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة في عهد الرئيس أوباما، ثم مديرة للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) في عهد الرئيس بايدن، وهي أستاذة في كلية كينيدي للحكم بجامعة هارفارد.=

=تُعد باور من أبرز رموز التيار "التدخلي الليبرالي" (Liberal Interventionism)، وموقفها يقع في الجهة المضادة تمامًا للواقعية، إذ ترى أن على الولايات المتحدة تحمل مسؤولية أخلاقية عالمية تجاه منع الإبادات الجماعية والفظائع الإنسانية، ولو تطلب ذلك التدخل العسكري أو المساس بسيادة الدول. وقد بلورت هذه الرؤية في كتابها الأشهر "مشكلة من الجحيم" (A Problem from Hell)، الذي جادلت فيه بأن "الولايات المتحدة أخفقت مرارًا في المخاطرة من أجل وقف الإبادة الجماعية" على مدار القرن العشرين، داعية صناع القرار إلى اعتماد سلسلة متدرجة من أدوات التدخل لمنع الفظائع مستقبلاً.  وهذا الموقف يتعارض جوهريًا مع الواقعية التي تقدم المصلحة الوطنية الباردة على الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية، وترفض التدخل العسكري القائم على مسوغات القيم. لذا يمكن توظيف باور، شأنها شأن كاغان، كصوت مضاد يمثل التيار الليبرالي التدخلي الذي تنتقده الواقعية الدولية. (نقلًا عن :  Power, Samantha. A Problem from Hell: America and the Age of Genocide. New York: Basic Books, 2002.)

[7] بناة العالم التقدميون مفهوم طرحه الباحث فان جاكسون في كتابه (Grand Strategies of the Left: The Foreign Policy of Progressive Worldmaking ,2023)، يرى أن التقدميين الأميركان يستمدون رؤيتهم الاستراتيجية من النظريات البنائية (Constructivist) لا من الواقعية أو الليبرالية، وأن استراتيجياتهم هي في جوهرها مشاريع "بناء عالم" تسعى لتحقيق الأمن عبر تغيير بنية النظام الدولي نفسه (عدالة، مساواة، ديمقراطية)، لا عبر إدارة توازن القوى أو الحفاظ على التفوق الأميركي. يطرح جاكسون ثلاثة نماذج فرعية: "البراغماتية التقدمية" (الأقرب للسائد)، و"معاداة الهيمنة" التي تحمل القوة الأميركية نفسها مسؤولية زعزعة الاستقرار العالمي.  (نقلًا عن:  Jackson, Van. Grand Strategies of the Left: The Foreign Policy of Progressive Worldmaking. Cambridge University Press, 2023.)

[8] روبرت فارلي، محاضر أول بكلية باترسون للدبلوماسية والتجارة الدولية بجامعة كنتاكي، حيث يُدرّس مقررات الأمن والدبلوماسية منذ 2005. حصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة واشنطن عام 2004. يُعد أحد مؤسسي مدونة "Lawyers, Guns and Money" المتخصصة في التحليل السياسي والأمني، وعمل زميلاً زائرًا بكلية الحرب التابعة للجيش الأميركي (2018-2019). من أبرز مؤلفاته:  (Grounded: The Case=for Abolishing the United States Air Force, 2014) و(The Battleship Book ,2016)، و(Patents for Power ,2020)، و(Waging War with Gold: National Security and the Finance Domain Across the Ages ,2023). تتركز اهتماماته البحثية حول التكنولوجيا العسكرية، والقوة الجوية والبحرية، والاستراتيجية الدفاعية، وكتب بشكل منتظم لمجلات ومنصات مرموقة مثل (Foreign Policy) و (The National Interest) و(World Politics Review) . (نقلًا عن : Robert Farley." Patterson School of Diplomacy and International Commerce, University of Kentucky. https://pattersonschool.uky.edu/people/robert-farley)

[9] ماثيو دوس (Matthew Duss) محلل ومستشار أميركي في السياسة الخارجية، ويشغل حاليًا منصب نائب الرئيس التنفيذي في مركز السياسة الدولية (Center for International Policy). عمل مستشارًا للسياسة الخارجية للسيناتور الأميركي بيرني ساندرز خلال المدة 2017-2022، وقبل ذلك شغل منصب رئيس مؤسسة السلام في الشرق الأوسط (Foundation for Middle East Peace) ، وعمل محللًا سياسيًا في مركز التقدم الأميركي (Center for American Progress) حيث ركّز عمله على قضايا الشرق الأوسط والأمن القومي الأميركي. كما شغل منصب باحث زائر في برنامج فن إدارة الدولة  الأميركية (American Statecraft) بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي (Carnegie Endowment for International Peace).

[10] سيناتور بيرني ساندرز (Bernie Sanders) هو سياسي أميركي مستقل من ولاية فيرمونت، وُلد في 8  ايلول/سبتمبر 1941 في مدينة نيويورك. يُعد من أبرز الشخصيات التقدمية في السياسة الأميركية المعاصرة، ويشغل منصب عضو مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية فيرمونت منذ عام 2007، بعد أن كان نائبًا في مجلس النواب عن الولاية نفسها منذ عام 1991.  يصف ساندرز نفسه بأنه "اشتراكي ديمقراطي" (Democratic Socialist)،= =ويُعرف بمواقفه الداعمة للرعاية الصحية الشاملة (Medicare for All)، والعدالة الاقتصادية، وزيادة الحد الأدنى للأجور، ومكافحة عدم المساواة في الثروة. خاض حملتين انتخابيتين بارزتين للترشح لمنصب رئيس الولايات المتحدة عن الحزب الديمقراطي في عامي 2016 و2020، ولم يفز بالترشيح لكنه أثر بشكل كبير في تشكيل الخطاب السياسي التقدمي داخل الحزب.  في مجال السياسة الخارجية، عُرف ساندرز بانتقاده للتدخلات العسكرية الأميركية، ودعمه لحل الدولتين في القضية الفلسطينية-الإسرائيلية، وموقفه الانتقادي تجاه بعض السياسات الأميركية في الشرق الأوسط، وهو السياق الذي عمل فيه ماثيو دوس مستشارًا له.

[11] هيذر هورلبورت (Heather Hurlburt) خبيرة أميركية في السياسة الخارجية والأمن القومي، وزميلة مشاركة في مؤسسة (Chatham House) البريطانية. شغلت بين عامي 2022 و2024 منصب رئيسة موظفي الممثلة التجارية الأميركية كاثرين تاي. عملت سابقاً كاتبة خطابات للرئيس بيل كلينتون ووزيري الخارجية مادلين أولبرايت ووارن كريستوفر، كما شغلت مناصب عليا في منظمة "مجموعة الأزمات الدولية" ومنظمة "حقوق الإنسان أولاً". لها إسهامات بحثية وصحفية في مطبوعات مثل (Foreign Affairs) و  (Time) و(Politico) و(Vox).

[12] إلبريدج كولبي (وُلد 1979)، وكيل وزارة الحرب الأميركية للسياسات (Under Secretary of War for Policy) منذ نيسان/أبريل 2025 — وهي وزارة الدفاع سابقًا قبل إعادة تسميتها بأمر تنفيذي في ايلول/سبتمبر 2025 — ويُعد المستشار الرئيسي لوزير الحرب في الشؤون الاستراتيجية= =والدفاعية. حفيد ويليام كولبي، المدير السابق للاستخبارات المركزية الأميركية (CIA). عُرف بدوره في صياغة استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2018 خلال ولاية نرمب الأولى، والتي أعادت توجيه الأولوية الأميركية من مكافحة الإرهاب إلى التنافس بين القوى الكبرى.  فكريًا، يتبنى كولبي مقاربة "واقعية" (Realist) قوامها إعادة ترتيب الأولويات الأميركية بحسب منطق "الأولوية القصوى" (Prioritization): يعتبر الصين التهديد الاستراتيجي الأول، ويدعو إلى تركيز الموارد العسكرية الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ لمنع استيلائها على تايوان عبر استراتيجية "الردع بالحرمان" (Denial Defense). كما يدعو إلى تحميل الحلفاء (لا سيما أوروبا وحلف الناتو) عبء دفاعهم التقليدي بأنفسهم بما يسميه "ناتو 3.0"، ويؤيد تقليص المساعدات العسكرية الأميركية لأوكرانيا، منتقدًا "الحروب اللامتناهية" وتشتت الموارد الأميركية في مسارح ثانوية على حساب مواجهة بكين.

[13] يتبنى الليبرتاريون في السياسة الخارجية الأميركية موقفًا "عدم تدخلي" (Non-interventionism) مبنيًا على مبدأ "عدم العدوان" (Non-aggression Principle)، إذ يرون أن التدخل العسكري الخارجي يوسع سلطة الدولة ويستنزف الموارد ويولد صراعات مضادة تهدد الحريات الفردية في الداخل كما في الخارج.  ومن الناحية النظرية، تبنى معظم مفكري الليبرتارية في السياسة الخارجية مدرسة الواقعية، بوصفها رؤية= =متشككة في استخدام الدول للقوة، وتركز على توازن القوى كضامن للحد من تركز السلطة. ويمثل معهد كاتو (Cato Institute) المرجع الفكري الأبرز لهذا التيار، إلى جانب شخصيات كرون بول وموراي روثبارد.  يتقاطع الليبرتاريون هنا مع تيار "ضبط النفس" (Restraint)  الأوسع، لكنهم يتميزون بربط عدائهم للتدخل الخارجي بمعاداة أعمق لتضخم الدولة ذاتها ("الدولة الحربية" Warfare State)، معتبرين أن تقليص الانخراط الخارجي شرط أساسي لتقليص الإنفاق العسكري والبيروقراطية الأمنية الداخلية. (نقلًا عن Toward a Libertarian Foreign Policy." Cato Institute, Cato Policy Report, July/August 2015. https://www.cato.org/policy-report/july/august-2015/toward-libertarian-foreign-policy) 

[14] مفهوم مركزي في نظرية الاستراتيجية الكبرى الأميركية، طرحه الباحثون ستيفن بروكس وجون إيكنبيري وويليام وولفورث كإطار لتوصيف الاستراتيجية الأميركية السائدة منذ الحرب العالمية الثانية، والقائمة على الالتزامات الأمنية الأميركية الواسعة في أوروبا والشرق الأوسط وشرق آسيا (عبر تحالفات كالناتو)، والانتشار العسكري الأميركي المتقدم في هذه المناطق. يرى مؤيدو هذا النهج أن الوجود الأميركي المهيمن يكبح التنافس الإقليمي ويمنع عودة عصر خطير من صراعات القوى في أوراسيا، بخلاف ما يدعو إليه تيار "الانكفاء" (Retrenchment) أو "ضبط النفس"، والذي يرى أن تكاليف هذا الانخراط الشامل تفوق فوائده. (نقلًا عن: Brooks, Stephen G., G. John Ikenberry, and William C. Wohlforth. "Don't Come Home, America: The Case against Retrenchment." International Security, Vol. 37, No. 3 (Winter 2012/13)

[15] جورج ف. كينان (1904-2005): دبلوماسي ومؤرخ أميركي، ومن أبرز منظّري الواقعية الكلاسيكية في العلاقات الدولية. له مقال شهير موقّع باسم مستعار "X" بعنوان "مصادر السلوك السوفييتي " (The Sources of Soviet Conduct، نشرته مجلة Foreign Affairs ، والذي وضع فيه الأسس الفكرية لسياسة "الاحتواء" (Containment)  التي تبنتها الإدارات الأميركية المتعاقبة طوال الحرب الباردة. شغل لاحقًا منصب مدير طاقم التخطيط بوزارة الخارجية الأمريكية (1947-1949(.  أكد على أولوية المصلحة الوطنية وموازين القوى في صياغة السياسة الخارجية، محذرًا من "الغرور الأخلاقي" الذي يُغلّب المثاليات على الحسابات الواقعية. مع ذلك، يرى بعض الباحثين أن مزجه بين الواقعية الصارمة ونزعة أخلاقية ومحافظة يجعل تصنيفه الفكري أكثر تعقيدًا من واقعي "خالص". (المترجمة،  انظر: John Lewis Gaddis, George F. Kennan: An American Life (New York: Penguin Press, 2011)   & X [George F. Kennan]. "The Sources of Soviet Conduct." Foreign Affairs 25, no. 4 (July 1947): 566–582. )

[16] هاري إس. ترومان (1884-1972)، الرئيس الثالث والثلاثون للولايات المتحدة الأميركية (1945-1953)، تولى الرئاسة بعد وفاة فرانكلين روزفلت في نيسان/ أبريل 1945. اتخذ قرار إلقاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغازاكي (آب/أغسطس 1945)، وأشرف على صياغة النظام الدولي الأميركي في بدايات الحرب الباردة، إذ أطلق "مبدأ ترومان" (Truman Doctrine, 1947) الذي التزمت بموجبه واشنطن بدعم "الشعوب الحرة" المقاومة للشيوعية، و"خطة مارشال" (1948) لإعادة إعمار أوروبا الغربية، وأشرف على تأسيس حلف الناتو (1949) ومجلس الأمن القومي ووزارة الدفاع عبر قانون الأمن القومي لعام 1947، كما اتخذ قرار التدخل العسكري الأميركي في الحرب الكورية (1950).

تبنى ترومان مفهوم "الاحتواء" الذي وضعه جورج كينان فكريًا، وحوله إلى مبدأ رسمي للسياسة الأميركية. لكن مع الوقت، ابتعدت السياسة التي طبقتها إدارة ترومان عن تصور كينان الأصلي للاحتواء. فكينان كان يريد احتواءً "محدودًا وانتقائيًا": يعتمد أساسًا على وسائل سياسية واقتصادية (لا عسكرية)، ويركز فقط على المناطق ذات المصالح الحيوية للولايات المتحدة (كأوروبا الغربية وألمانيا واليابان)، دون التدخل في كل مكان في العالم. أما ترومان، فبعد أن تولى بول نيتزه (Paul Nitze) منصب كينان في طاقم التخطيط السياسي عام 1950، صاغ نيتزه وثيقة "NSC-68"، التي قدمت رؤية مختلفة تمامًا: احتواء عسكري شامل، يتطلب زيادة ضخمة في الإنفاق الدفاعي والترسانة النووية والتقليدية. وأقر ترومان هذه الرؤية الجديدة رسميًا في ايلول/ سبتمبر 1950.

 عبر كينان عن رفضه الصريح لهذا التحول، قائلًا إنه "شعر بالاستياء من الافتراضات المتعلقة بالنيات السوفييتية" التي قامت عليها الوثيقة. كما عارض توسع الناتو والتدخل في كوريا وفيتنام، معتبرًا أن هذا الانزياح نحو العسكرة يعكس ابتعادًا عن جوهر الواقعية القائم على مطابقة الوسائل بالمصالح والموارد المتاحة، لا الانجراف وراء منطق أيديولوجي-عسكري توسعي. هذا الخلاف، الذي تصاعد أيضًا حول قضية ألمانيا مع وزير الخارجية دين أتشيسون (Dean Gooderham Acheson) ، كان من الأسباب المباشرة لاستقالة كينان من منصبه عام 1950. (المترجمة نقلًا عن: John Lewis Gaddis, George F. Kennan: An American Life (New York: Penguin Press, 2011)   & X [George F. Kennan]. "The Sources of Soviet Conduct." Foreign Affairs 25, no. 4 (July 1947): 566–582. )

[17] يُعد هانس مورغنثاو (1904-1980) أحد أبرز مؤسسي المدرسة الواقعية الكلاسيكية في العلاقات الدولية خلال القرن العشرين. تأثر بشكل خاص بأفكار ماكس فيبر وكارل شميت ونيتشه في تكوين رؤيته الفكرية حول طبيعة السلطة والسياسة. غادر ألمانيا هرباً من النازية في الثلاثينيات، واستقر في الولايات المتحدة الأميركية حيث عمل أستاذاً للعلاقات الدولية في جامعة شيكاغو لعقود طويلة، وأصبح من أبرز المستشارين والمحللين السياسيين المؤثرين في واشنطن.

يُعد كتابه الأشهر "السياسة بين الأمم: الصراع من أجل السلطة والسلام" (Politics Among Nations, 1948) العمل التأسيسي للواقعية السياسية الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية، إذ قدم فيه ستة مبادئ للواقعية السياسية تقوم على فكرة أن السياسة الدولية، شأنها شأن المجتمع عموماً، تحكمها قوانين موضوعية متجذرة في الطبيعة البشرية، وأن المصلحة الوطنية معرفة بمفهوم القوة هي المحرك الأساسي لسلوك الدول.  رفض مورغنثاو المقاربات المثالية (الليبرالية) التي سادت في فترة ما بين الحربين، معتبراً أنها تتجاهل حقيقة الصراع على السلطة بوصفها سمة أزلية للعلاقات بين الدول، وشدد على ضرورة الفصل بين الأخلاق المجردة والحكمة السياسية العملية (البراغماتية)، داعياً إلى فهم "توازن القوى" كآلية أساسية لضبط الفوضى في النظام الدولي اللاسلطوي (anarchic).

كما عُرف مورغنثاو  بمواقفه النقدية تجاه السياسة الخارجية الأميركية، وعلى رأسها معارضته الصريحة للتدخل الأميركي في حرب فيتنام، منطلقاً من قراءته الواقعية التي ترى أن القوة يجب أن تُوظَف بحذر ووفق حسابات دقيقة للمصلحة الوطنية، لا وفق اندفاعات أيديولوجية أو مثالية. تركت أفكاره أثراً عميقاً في تطور نظرية العلاقات الدولية، ومهدت الطريق أمام تطور الواقعية البنيوية (النيوواقعية) لاحقاً على يد كينيث والتز، وإن اختلفت عنها في تركيزها على العامل البنيوي بدلاً من الطبيعة البشرية كأساس تفسيري للسلوك الدولي. 

[18] أظهرت سلسلة استطلاعات بيو (1993-2001) أن أقل من 10% من النخب المؤثرة الأميركية كانت ترى أن على بلادها أن تكون 'القائد العالمي الأوحد'، مقارنة بأقل من 40% من الجمهور العام الذي دعم دورًا قياديًا حازمًا لأميركا (سواء كقائد أوحد أو الأكثر حزمًا). أما دعم الجمهور لتوسيع حلف الناتو تحديدًا، فقد بلغ 63% وفق استطلاع تشرين الأول/أكتوبر 1997، بعد اتخاذ القرار الرسمي بدعوة بولندا والمجر وتشيكيا للانضمام.= =(المصدر: The State of the World and America's Global Role." Pew Research Center, November 17, 2005. https://www.pewresearch.org/politics/2005/11/17/i-the-state-of-the-world-and-americas-global-role)

[19] مادلين أولبرايت (1937-2022)، أول امرأة تشغل منصب وزيرة الخارجية الأميركية (1997 -  2001)، وسفيرة أميركا لدى الأمم المتحدة سابقًا. تُعد الوجه الأبرز لمدرسة "التدخلية الليبرالية" بعد الحرب الباردة، وارتبط اسمها بعبارة "الأمة التي لا غنى عنها" (Indispensable Nation)، التي استخدمتها لتبرير استخدام القوة ضد العراق عام 1998 بقولها إن أميركا "تقف شامخة وترى أبعد من الدول الأخرى في المستقبل". كما دافعت بحزم عن توسع الناتو شرقًا، رافضة الاعتراضات الروسية معتبرة أن الحجة الأخلاقية والاستراتيجية لذلك لا تقبل النقاش.

 يرى منتقدوها من مدرسة الواقعية وتيار "ضبط النفس" (كأندرو باسيفيتش وأناتول ليفن) أن هذا الخطاب يجسد "غرورًا أخلاقيًا ليبراليًا" شكل أساسًا أيديولوجيًا لدعم تدخلات عسكرية لاحقة كغزو العراق 2003، بينما يرى مؤيدوها فيه تعبيرًا عن استثنائية أميركية مسؤولة تجاه العالم. (نقلًا عن: Bacevich, Andrew. "How Albright's 'Munich Mindset' Turned into Uninhibited Interventionism." Responsible Statecraft, March 24, 2022. & Lieven, Anatol. "The Mask of Imperialism." Harper's Magazine, March 2025.)

[20] جرى استطلاع الجمهور العام في تشرين الأول/اكتوبر 1997  بعد قمة مدريد التي قررت رسميًا دعوة بولندا والمجر وجمهورية التشيك،  وأظهر الاستطلاع  موافقة على التوسيع بنسبة تجاوزت ثلاثة إلى واحد (63% موافقة مقابل 18% معارضة فقط). لكن 10% فقط تمكنوا من تسمية دولة واحدة من الدول الثلاث المرشحة للانضمام، ما يعكس دعمًا عاطفيًا/مبدئيًا أكثر منه دعمًا مستندًا لمعرفة تفصيلية بالملف.

[21] روجر ويكر، سيناتور جمهوري عن ميسيسيبي منذ 2007، ورئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ. يمثل التيار "الصقوري التدخلي" المعارض لمنطق الواقعية وضبط النفس، ويفضل الحسم العسكري الشامل على التسويات الدبلوماسية.

أيد بقوة الضربات الأميركية على إيران في شباط/ فبراير 2026 ( "عملية الغضب الملحمي" (عملية Epic Fury))، وعدها ضرورية لتدمير قدرات طهران النووية والصاروخية والبحرية. وعندما اتجهت الإدارة الأميركية نحو صفقة تفاوضية مع إيران، عارضها بشدة داعيًا ترمب إلى "إنهاء المهمة" عسكريًا بدل التفاوض، ومنتقدًا رفع العقوبات وتجميد الأموال الإيرانية، معتبرًا أن النظام لم يتنازل عن شعاره المعادي لأميركا وإسرائيل.  ( نقلًا عن: Sen. Roger Wicker warns Trump against 'ill advised' Iran deal." The Hill, May 22-23, 2026.)

[22] مصطلح سياسي واقتصادي شهير يشير إلى المساواة في القواعد والفرص المتاحة للجميع دون انحياز.

* إن الكتاب محل هذا العرض هو "الأول بين الأنداد: السياسة الخارجية الأميركية في عالم متعدد الأقطاب" للكاتبة إيما أشفورد، الباحثة في الشأن الاستراتيجي والسياسة الخارجية الأميركية، والتي تنتمي إلى التيار الواقعي في التفكير الاستراتيجي. يأتي هذا الكتاب في لحظة مفصلية تشهد فيها الولايات المتحدة تراجعًا واضحًا في قدرتها على فرض رؤيتها على النظام الدولي، بعد عقود من الهيمنة التي أعقبت الحرب الباردة.

image002.png">

عنوان الكتـاب: الأول بين الانداد: السياسة الخارجية الأميركية في عالم متعدد الأقطاب

                     (First Among Equals: U.S. Foreign Policy for a Multipolar World)

المؤلف: إيما أشفورد (Emma Ashford)، جهة الاصـدار: جامعة يآل (Yale University Press)، سنة الاصدار:  26 آب/اغسطس 2025، عدد الصفحات:   280ص، موضوع الكتاب: إعادة النظر في الدور الذي تضطلع به الولايات المتحدة داخل نظام عالمي متعدد الأقطاب، عبر تبني رؤية جديدة قوامها "الواقعية الدولية".

يطرح الكتاب فكرة مركزية مفادها أن السياسة الخارجية الأمريكية تمر بمرحلة اختلال بنيوي عميق، بعد أن تفكك الإجماع الذي حكمها منذ نهاية الحرب الباردة. ويعرض "الواقعية الدولية" كإطار بديل يعيد صياغة الأولويات، بحيث تحل المصلحة القومية العملية محل الدفع الأيديولوجي، في ظل نظام عالمي متعدد الأقطاب.

ويقدم إطارًا تحليليًا قويًا لفهم السياسة الخارجية الأميركية، لكنه يواجه معضلة جوهرية تتمثل في أن أفكار الواقعية مقنعة عقلانيًا لكنها ضعيفة سياسيًا، وأن نجاحها يتوقف على قدرتها على صياغة خطاب أخلاقي يجذب الجمهور وصناع القرار لا على منطقها الاستراتيجي وحده. (المترجمة)