مجلة كلية القانون والعلوم السياسية
The College of Law and Political Science Journal
العدد 33
السنة 2026
تعليق على حكم قضائي
تعليق على قرار الهيئة
الموسعة المدنية في محكمة التمييز الاتحادية
بشأن تفسير الرشد في مدونة الأحكام الشرعية الجعفرية
محمد جميل فرحان(*)
(*) مدرس دكتور - كلية القانون والعلوم السياسية – الجامعة العراقية
muhammad.j.farhan@aliraqia.edu.iq
يحتفظ
المؤلفون بحقوق النشر (Copyright) لأعمالهم المنشورة في المجلة، مع منح
المجلة حق النشر الأول وذلك حسب سياسات المجلة
نسخة المجلة
المنشورة هي النسخة الرسمية المعتمدة لأغراض التوثيق والاستشهاد العلمي
المجلة مؤرشفة في مستوعب
المجلات العراقية المفتوحة
للمزيد من المعلومات
مراجعة موقع المجلة www.jlps.edu.iq
Issue 33
Year
2026
Commentary on Judicial Provisions:
Commentary on the
Decision of the Expanded Civil Panel of the Federal Court of Cassation
Regarding the Interpretation of Legal Maturity in the Jaafari
Sharia Rulings Code
Mohammed Jameel Farhan(*)
(*)Lecturer
Dr. - College
of Law and Political Science – Iraqi
University muhammad.j.farhan@aliraqia.edu.iq
This article is open access and licensed under a Creative Commons
Attribution-NonCommercial-NoDerivatives
4.0 International License (CC BY-NC-ND 4.0).
Authors retain the copyright to their works published in the journal,
while granting the journal the right of first publication according to the
journal’s policies.
The published version of the journal is the official version authorized
for documentation and scholarly citation purposes.
The journal is archived in the Iraqi Open Access Journals database.
For more information, please refer to the link www.jlps.edu.iq
المقدمة
إن استقرار القضاء لا يتحقق بمجرد صدور الأحكام، وإنما
يتحقق من خلال سلامة الأساس القانوني الذي تبنى عليه تلك الأحكام، لاسيما إذا كانت
صادرة من أعلى هيئة قضائية في البلاد، إذ يفترض في محكمة التمييز الاتحادية أن
ترسم الاتجاه القضائي السليم وتوحد التفسير القانوني بما يحقق الأمن القانوني
ويمنع اضطراب التطبيقات القضائية. غير أن ذلك لا يمنع من إخضاع أحكامها للنقد
العلمي متى ما شابها قصور في التكييف أو مجاوزة لحدود النصوص القانونية الواجبة
التطبيق.
ومن الأحكام التي تستحق الوقوف عندها القرار الصادر من
الهيئة الموسعة المدنية لمحكمة التمييز الاتحادية بالعدد (93/الهيئة الموسعة
المدنية/2026)، والمتعلق بتفسير مفهوم (لرشد) الوارد في المادة (88) من مدونة
الأحكام الشرعية وفق المذهب الجعفري، إذ انتهت المحكمة إلى اعتماد سن الثامنة عشرة
معياراً للرشد استناداً إلى أحكام القانون المدني العراقي، وعدّت ذلك أساساً للحكم
بعدم أحقية البنات محل الدعوى في اختيار الانضمام إلى والدتهن لعدم بلوغهن سن
الرشد.
ويثير هذا الاتجاه القضائي إشكاليتين بالغتي الأهمية؛
الأولى تتعلق بمدى جواز الرجوع إلى القانون المدني لتفسير نصوص مدونة الأحكام
الشرعية، والثانية تتعلق بتجاوز الآلية الخاصة التي رسمها المشرّع لمعالجة الغموض
أو النقص في أحكام المدونة من خلال الرجوع إلى المجلس العلمي في ديوان الوقف
الشيعي. كما يثير الحكم تساؤلاً مهماً حول مدى صحة مساواة مفهوم الرشد في الفقه
الجعفري بمفهومه الوارد في القانون المدني العراقي.
أولاً: وقائع الدعوى والحكم الصادر فيها:
تتلخص وقائع الدعوى في أن المدعي أقام دعواه أمام محكمة
الأحوال الشخصية في بغداد الجديدة طالباً إسقاط حضانة المدعى عليها عن بناتهما،
استناداً إلى حصوله على حجة تأييد اختيار تطبيق أحكام المذهب الجعفري، وطلب تخيير
البنات بشأن الانضمام إلى أحد الأبوين تطبيقاً للمادة (88) من مدونة الأحكام
الشرعية وفق المذهب الجعفري.
وقد ردت محكمة الأحوال الشخصية الدعوى، فطعن المدعي
بالحكم تمييزاً، ثم عرض النزاع على الهيئة الموسعة المدنية لمحكمة التمييز
الاتحادية، التي انتهت إلى نقض الحكم المطعون فيه، وقررت أن المقصود بالرشد الوارد
في المادة (88) من المدونة هو بلوغ سن الثامنة عشرة استناداً إلى المادة (106) من
القانون المدني العراقي، وبما أن البنات لم يبلغن هذا السن، فإن تخييرهن يكون
مخالفاً للقانون.
ثانياً: التعليق على الحكم:
يثير الحكم محل التعليق ملاحظتين جوهريتين؛ الأولى تتعلق
بمصدر تفسير أحكام مدونة الأحكام الشرعية، والثانية تتعلق بالتكييف القانوني
لمفهوم الرشد.
1- الخطأ في الرجوع إلى القانون المدني لتفسير أحكام
المدونة.
ذهبت الهيئة الموسعة إلى تطبيق أحكام المادة (106) من
القانون المدني العراقي التي حددت سن الرشد بثماني عشرة سنة كاملة، وعدّت هذا
المفهوم صالحاً لتفسير لفظ (الرشد) الوارد في المادة (88) من مدونة الأحكام
الشرعية وفق المذهب الجعفري.
والذي يؤخذ على هذا الاتجاه أن المحكمة أغفلت الطبيعة
الخاصة لمدونة الأحكام الشرعية، فهي ليست قانوناً مدنياً عاماً وإنما تقنين خاص
مستمد من الفقه الجعفري، وله آلياته وأصوله التفسيرية المستقلة، ومن ثم فإن الرجوع
إلى القانون المدني لا يكون جائزاً إلا عند وجود نص يجيز ذلك صراحة أو عند انعدام
الوسيلة الخاصة بالتفسير.
والحال أن قانون مدونة الأحكام الشرعية رسم طريقاً خاصاً
لمعالجة المسائل التي يثور بشأنها خلاف أو غموض، وذلك من خلال إحالة الأمر إلى
المجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي بوصفه الجهة المختصة ببيان الرأي الشرعي في
أحكام المدونة، مما يعني أن المشرّع لم يترك أمر تفسير النصوص الشرعية للاجتهاد
المدني المجرد أو للإحالة المباشرة إلى قواعد القانون المدني.
وبالتالي فإن المحكمة، حينما تجاوزت هذه الآلية واتجهت
مباشرة إلى القانون المدني، تكون قد جانبت التسلسل التشريعي الخاص الذي أراده
المشرّع، لأن النص الخاص يقيد النص العام، ولأن قواعد المدونة ذات طبيعة فقهية لا
يجوز إخضاعها مباشرة للمفاهيم المدنية العامة.
2- الخلط بين مفهوم الرشد المدني والرشد في الفقه
الجعفري.
استند الحكم إلى أن المادة (106) من القانون المدني
العراقي اعتبرت سن الرشد ثماني عشرة سنة كاملة، ورتب على ذلك اعتبار البنات غير
راشدات لعدم بلوغهن هذه السن.
إلا أن هذا التكييف محل نظر شديد، لأن الرشد في الفقه
الجعفري لا يقوم بالضرورة على معيار السن وحده، وإنما يرتبط بعناصر الإدراك وحسن
التمييز والقدرة على تشخيص المصلحة، وهو مفهوم يختلف في بنيته الفقهية عن مفهوم
الأهلية المدنية الوارد في القانون المدني.
كما أن المادة (88) من المدونة لم تحدد سناً معينة
للرشد، وإنما علقت الأمر على تحقق وصف الرشد ذاته، الأمر الذي يفيد أن المشرّع قصد
معياراً مرناً يقدر بحسب حال المحضون ومدى إدراكه، لا معياراً جامداً مرتبطاً بسن
معينة.
ومن ثم فإن المحكمة عندما ساوت بين الرشد الشرعي والرشد
المدني، تكون قد أفرغت النص من خصوصيته الفقهية، وحولت مفهوماً شرعياً مرناً إلى
معيار رقمي جامد لا يستند إلى نص صريح في المدونة.
3- القصور في التسبيب.
يلاحظ على الحكم أيضاً أنه لم يبين الأساس القانوني الذي
يجيز إقصاء المجلس العلمي عن تفسير نصوص المدونة، كما لم يناقش الطبيعة الخاصة
للمدونة أو سبب تفضيل تطبيق القانون المدني عليها، واكتفى بالقول إن المادة (106)
من القانون المدني تصلح لتحديد المقصود بالرشد.
وهذا التسبيب يبدو قاصراً، لأن المحكمة كان يتعين عليها
أن تناقش أولاً مدى جواز الرجوع إلى القانون المدني أصلاً، ثم تبين السند القانوني
الذي يسمح بذلك، لاسيما أن النزاع يتعلق بتطبيق نص شرعي خاص لا بقواعد القانون
المدني العامة.
كما أن الحكم لم يناقش الاختلاف الفقهي حول مفهوم الرشد،
ولم يبين سبب العدول عن التفسير الفقهي إلى المفهوم المدني، وهو ما يجعل التسبيب
غير كافٍ لإقامة النتيجة التي انتهى إليها القرار.
ومن المستقر فقهاً وقضاءً أن تسبيب الأحكام ليس مجرد
إجراء شكلي، وإنما هو الضمانة الأساسية لصحة الحكم وإمكان مراقبته قانوناً، إذ إن
الأسباب هي التي تكشف عن سلامة فهم المحكمة للوقائع والنصوص القانونية. وقد أوجبت المادة
(159) من قانون المرافعات المدنية أن تكون الأحكام مشتملة على الأسباب التي بنيت
عليها.
الخاتمة
إن الحكم محل التعليق يثير إشكالية مهمة تتعلق بحدود
التداخل بين القانون المدني ومدونة الأحكام الشرعية وفق المذهب الجعفري، إذ إن
الهيئة الموسعة المدنية اتجهت إلى تفسير مفهوم الرشد استناداً إلى القانون المدني
رغم وجود إطار تشريعي خاص يحكم أحكام المدونة وآلية تفسيرها.
وكان الأجدر بالمحكمة، قبل الرجوع إلى أحكام القانون
المدني، أن تلجأ إلى المجلس العلمي المختص بوصفه الجهة التي أناط بها المشرّع بيان
الأحكام الشرعية المتعلقة بالمدونة، حفاظاً على خصوصية هذا التقنين ومنعاً لذوبان
مفاهيمه الفقهية داخل المفاهيم المدنية العامة.
كما أن مساواة الرشد الشرعي بالرشد المدني على نحو آلي
يثير خشية من فقدان المدونة لخصوصيتها التشريعية، وتحويل النصوص الشرعية إلى مجرد
تطبيقات للقواعد العامة في القانون المدني، وهو ما لا يستقيم مع فلسفة وجود
المدونة ذاتها.
إقرار تضارب المصالح
يُقر المؤلف بعدم وجود أي تضارب محتمل في المصالح فيما
يتعلق بالبحث أو التأليف أو نشر هذا المقال.
التمويل
لم يتلقَ المؤلف أي دعم مالي لإجراء هذا البحث أو تأليفه
أو نشره.
البيان الأخلاقي
هذا البحث يتوافق مع المعايير الأخلاقية لإجراء الدراسات
العلمية. وقد تم الحصول على موافقة خطية من جميع المشاركين الأفراد المشمولين في
الدراسة.
بيان توفر البيانات
البيانات متاحة عند الطلب من المؤلف المراسل.
الشكر والتقدير
لا يوجد شكر وتقدير أفصح به الباحث