تاريخ الاستلام 10/11/2023          تاريخ القبول 20/12/2023

تاريخ النشر 25/1/2024

حقوق الطباعة محفوظة لدى مجلة كلية القانون والعلوم السياسية في الجامعة العراقية

حقوق الملكية الفكرية محفوظة للمؤلف

حقوق النشر محفوظة للناشر (كلية القانون والعلوم السياسية - الجامعة العراقية)

CC BY-NC-ND 4.0 DEED

Printing rights are reserved to the Journal of the College of Law and Political Science at Aliraqia University

Intellectual property rights are reserved to the author

Copyright reserved to the publisher (College of Law and Political Science - Aliraqia University)

Attribution – Non-Commercial – No Derives 4.0 International

For more information, please review the rights and license

DOI 10.61279/cwthep10

المسؤولية المدنية الناشئة

عن إفشاء السر المصرفي

Civil Liability arising from the Disclosure of Banking Secrets

م.د.عبدالله عيسى مطشر

الجامعة العراقية – كلية القانون والعلوم السياسية

L.DR.Abdulla Essa Muttashar

Al-Iraqia university- College of Law and Political Science

abdullahessamuttashar@aliraqia.edu.iq

المستخلص :

تعد الحياة الاقتصادية عصب المجتمع ويعد النشاط المصرفي عصبه في ضل العصر الحالي ، فالبنك وحدة خدمية يختص بالخدمات النقدية والمالية ويسهم في خلق الائتمان وتوزيعه من أجل دفع العملية التنموية الاقتصادية للبلد . فاذا قام البنك يإنتهاك القواعد التي يجب مراعاتها وقام بإفشاء اسرار عملائه فيكون تحت طائلة المسؤولية .

 وعليه فان المسؤولية التي تقع على البنك اذا قام بالكشف عن معلومات سرية للغاية عن حسابات عملائه دون اذنهم . وتقوم هذه المسؤولية عندما يخالف البنك التزاماته القانونية أو الاتفاقية ويكشف عن معلومات سرية، ويتم تعويض الاضرار الناشئة عن هذا الخرق من خلال دفع تعويضات مالية للاشخاص المتضررين .

ولان المصرف بطبيعة العمل الذي يزاوله يطلع على المعلومات الخاصة بعملائه سواء كانت المعلومات اقتصادية او عائلية او مالية ولهذا يجب ان يكون امين على هذه المعلومات . ولهذا أوجبت القوانين الحفاظ على سرية هذه المعلومات للحفاظ على الثقة التي تعد هي اساس التعامل التجاري .

الكلمات المفتاحية: السر المصرفي, المسؤولية المدنيةالمسؤولية العقدية, المسؤولية التقصيرية

Abstract

Economic life is the backbone of society and banking activity is its nerve in the current era. In fact, the bank is a service unit specialized in monetary and financial services and contributes to the creation and distribution of credit in order to advance the economic development process of the country. Therefore, if the bank violates the rules that must be observed and discloses the secrets of its customers, it would be subject to liability. Thus, the responsibility that falls on the bank if it discloses highly confidential information about its customersaccounts without their permission. This responsibility arises when the bank violates its legal obligations or the agreement and discloses confidential information. The damages arising from this breach are compensated by paying financial compensation to the affected persons. Subsequently, the bank carries out the information of its customers, whether the information is economic, family or financial, then it must be a trustee of this information. Hence, the laws require maintaining the confidentiality of this information to maintain trust, which is the basis of commercial dealing.

المقدمة

يلعب النشاط المصرفي دوراً رئيسياً في الحياة الاقتصادية والاجتماعية لأي بلد فالبنك وحدة خدمية يختص بالخدمات المالية والنقدية، ويقدم خدمات متنوعة لعملائه ويساهم في خلق الائتمان وتوزيعه من أجل دفع عملية التنمية الاقتصادية، وتمويل المشروعات التجارية والخدمية المختلفة التي تعود بالفائدة على المجتمع ككل.

إذ أن مقتضيات الحياة الاجتماعية وتنوع علاقاتها، وحاجة الإنسان إلى وجوب الانتفاع بالخدمات المهنية المختلفة أدى إلى إضعاف إمكانية الفرد بالاحتفاظ بأسراره لنفسه، وجعل اطّلاع الغير عليها واقعاً تدعو له هذه الحاجات.

وفي مجال البنوك تعتبر قاعدة الالتزام بحفظ السر المصرفي قاعدة أساسية وحجر الزاوية في الحياة المصرفية تمتد جذورها التاريخية منذ نشأة الحضارات القديمة.

وفي هذا الإطار فإن طبيعة مهنة البنك تتيح له الإطلاع على المعلومات السرّية الخاصة بزبائنه سواء مايتعلّق منها بأوضاعهم المالية، أو الاقتصادية أو حتى العائلية، فهو بحكم عمله يصبح أمين على أسرارهم، ومن أجل الحفاظ على الثقة المتبادلة بين الطرفين فرضت التشريعات في مختلف الدول على البنوك واجب الحفاظ على سرّية تلك المعلومات.

ويشكل إخلال البنك بثقة العميل وإفشائه لأسراره خطأً مدنياً لهذا فقد أجمعت التشريعات والاجتهادات القضائية والأعراف في معظم البلدان على إلزام البنك بحفظ سرّية الوقائع التي وصلت إلى علمه والمعلومات التي تربطه بالنشاط الاقتصادي لعميله، كما ألزمت القوانين الأشخاص الذين يعملون خارج البنوك والذين يطّلعون على تلك الأسرار بحكم مهنهم بالالتزام بكتمانها.

إشكالية البحث :

تبرز اشكالية البحث من خلال تطويع القواعد العامة في القانون المدني في مجال المسؤولية المدنية واركان المسؤولية من خطأ وضرر وعلاقة سببية بين فعل افشاء السر المصرفي وبين من قام بفعل الافشاء وعلاقة الفعل بالفاعل .

أهداف البحث :

تتمثل الاهداف في تحقيق العدالة وتطبيق القانون وحماية العملاء والمصارف من الانتهاكات التي تقع على السر المصرفي والحفاظ على الثقة بين العملاء والمصارف .

المبحث الأول

ماهية السر المصرفي والإعتبارات التي يقوم عليها

سنتكلم في في هذا المبحث عن المقصود بالسر المصرفي من الناحية اللغوية ثم من الناحية الاصطلاحية ببيان موقف المشرع والقضاء والفقه منه, ثم نتكلم عن الاعتبارات التي يقوم عليها .

المطلب الأول: تعريف السر المصرفي

اولاً: السر لغةً: هو مايكتمه الانسان ويسره في نفسه ويخفيه عن الآخرين، فالسر من الأمور التي تكتم، والسر ماأخفيت والجمع أسرار، والسر ماأسررت به، وأسرّ الشيء كتمه وأظهره، وهو من الأضداد سررته كتمته، وسررته أعلنته، وأسرّ إليه حديثاً أي أفضى[1]، وعكس السر هو الجهر أو العلانية كما في قوله تعالى « وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ «[2].

ثانياً: السر اصطلاحاً: لم يورد المشرع العراقي تعريفاً للسر للمصرفي رغم تأكيده في العديد من نصوص قوانينه على عدم إفشاء الأسرار المهنية كقانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969 المعدل، في المادة (437) منه، والفقرة (1-هـ) من المادة (909) من القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951، وكذلك المادة (46) من قانون المحاماه النافذ رقم (173) لسنة 1965, وأخيراً قانون المصارف رقم (40) لسنة 2003 في المواد (49-52).

نرى أن المشّرع العراقي فعل خيراً حين لم يضع تعريفاً للسر المصرفي وإنما ترك أمر تحديده للفقه والقضاء وذلك لأنه من الصعب حصر الحالات التي تعتبر أسراراً في تعريف واحد، فما يعتبر سراً بالنسبة لطائفة من الناس قد لايعتبر كذلك بالنسبة لغيرهم ومايتعتبر سراً في ظروف معينة قد لايعتبر كذلك في ظروف أخرى. كما أن وضع تعريف محدد لسر يؤدي إلى جموده وعدم مواكبته للتطورات .

ثالثاً: السر فقهاً : أما الفقه فقد أختلف في تعريفه للسر وذلك نتيجة لإختلاف الزاوية التي ينظر إليه من خلالها فقد عّرفه جانب من الفقه[3] بأنه «واقعة ينحصر نطاق العام بها في عدد محدود من الأشخاص، إذا كانت ثمة مصلحة يعترف بها القانون لشخص أو أكثر في أن يظل العلم بها محصوراً في ذلك النطاق» .

   وعرّفه جانب آخر من الفقه[4] بأنه « الأمر الذي إذا كشف النقاب عنه عاد بالضرر على صاحبه في سمعته أو كرامته « .

   كما عرّفه أيضاً جانب آخر من الفقه[5] بأنه «كل قول أو فعل ينبغي أن يظل مكتوماً لأن كشفه والبوح به من شأنه أن يضر بسمعة صاحبه» .

المطلب الثاني: الإعتبارات التي يقوم السر المصرفي

تنتج أهمية السر المصرفي الكبيرة لكونه يحقق مصالح متنوعة ، كما تقتضيه مجموعة من العوامل التي تجد أساسها في القواعد الدستورية والقوانين الأخرى ذات العلاقة لحماية خصوصية المعلومات والحريات الشخصية للأفراد، فضلاً عن إعتبارات المصلحة العامة، لذلك يجب الوقوف على إعتبارات تتجاوز الإطار الضيق للقانون، والبحث في مختلف العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تفاعلت وساهمت في إعداد هذه المؤسسة وتأسيسها بالشكل المتعارف عليه اليوم، وهذه الإعتبارات هي: حماية الحرية الشخصية، وحماية مصالح البنوك، وحماية المصلحة العامة .

أولاً: حماية الحرية الشخصية :

إن المحافظة على السر المصرفي مرتبط بشكل أساسي بحق الانسان في احترام حريته الشخصية وحماية حياته الخاصة, ومن أساسيات حقوق الانسان هي حماية الحياة الخاصة لكل فرد، وقد أوردت حماية دولية ومنها المادة (12) من الإعلان العالمي لحقوق الانسان[6]، والمادة (17) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية[7]، كما تنص غالبية الدساتير ومنها الدستور العراقي[8] على أن الحرية الشخصية مكفولة ومصانة، وبما أن البنك هو المكان الذي يودع فيه الشخص العميل أمواله وأسراره المالية فإنه يتعين على البنك الحفاظ عليها وعدم إفشائها للغير[9]. وبالتالي فإن لكل شخص الحق في حماية حرمة حياته الخاصة بما فيها شؤونه المالية والاقتصادية كمعاملاته مع البنوك[10].

وتظهر هذه الحماية بإعتبارها واحدة من أهم الحوانب التي ينبني عليها نظام السرية المصرفية فتكون مجموعة من الاهداف منها سياسية إذ تعد حماية أسرار العميل لدى البنك غاية  لضمان الحرية الشخصية، وما يتبع  ذلك  لتحديد نفوذ أذرع للسلطة ومراقبتها للكشف عن أرصدة العملاء بغض النظر عن هذا التدخل أكان قانوني أم غير قانوني في كثير وهو الغالب من الناحية التطبيقية ، مستغلة بذلك القوة والسيادة التي تملكها في فرض ضغطها على العملاء وحرياتهم الخاصة[11]، ففي كثير من الأحيان يؤدي الكشف عن الرصيد المالي لعميل البنك إلى أضرار تلحق به، وذلك بالحجز على أمواله أو فرض الحراسة عليها لأسباب سياسية أو أمنية أو التحفظ على شخصه لذات الأسباب خاصة في الدول التي تتبنى نظام حكم معادياً للحريات الفردية[12].

ومنها أهداف اجتماعية حيث يختلف تصرف العملاء تجاه أرصدتهم بإختلاف العوامل في البيئة الاجتماعية، إذ أدى الفارق الاقتصادي في البيئة الاجتماعية الحديثة الى نشوء فجوة بين الفئات الغنية والطبقات الأخرى ولتجنب ذلك فقد لجأ أصحاب الأموال إلى محاولة إخفائها خلف أسوار السرّية المصرفية[13] .

أما الأهداف الاقتصادية التي يحققها نظام السرّية المصرفية فهي جذب رؤوس الأموال الداخلية والخارجية والأستثمار على مختلف الأصعدة وهذا يؤدي زيادة قدرة المجتمع على الإدخار وكثرة النقد، ومن ثم التقدم في الانتاج الداخلي وإبتعاده من هيمنة الاقتصاد الخارجي أو ما يعرف في هذا الوقت بـ «فخ المديونية وإعادة جدوتها والشروط المفروضة عن طريق المؤسسات النقدية العالمية, مثل صندوق النقد الدولي»[14].

ثانياً: حماية المصلحة العامة :

تكلمنا في الحالة الأولى عن الحق في الخصوصية وكيف وجدت السرّية المصرفية لحمايته وبالتالي حماية مصلحة الفرد، إلاّ أن هذه الحماية لاتتوقف عند مصلحة الأخير، وإنما تمتد لحماية المصالح العليا للافراد أيضاً، بإعتبارها أجدرها بالرعاية والإهتمام ولإرتباطها بمصلحة الفرد بشكل لايمكن معه استغناء أحدهما عن الآخر، وبهذا فإن نظام السر المصرفي فضلاً عن حمايته المصالح الفردية فإنه يستهدف حماية الائتمان المصرفي، بوصفه عنصراً أساسياً لتحقيق وحماية المصالح العليا في الدولة. وهذا الإعتبار هو الذي جعل من السر المصرفي نظاماً استثنائياً يخضع لقواعد خاصة، ويختلف عن نظام سر المهنة الذي تحكمه القواعد العامة لسر المهنة، مع استقلاله ببعض الأحكام التي تتفق مع الطابع المالي للسر[15].

وهذا المبدأ أي مبدأ المصلحة العامة يضيق ويتسع حسب نوع النظام السياسي الذي تنتهجه الدولة في هذا الصدد، ففي الدول ذات الأنظمة الدكتاتورية تضيق دائرة السر المصرفي نظراً لتزايد نفوذ السلطات العامة، وتتعدد الحدود التي ترد على حرية العملاء الشخصية ولاسيما إذا ظهرت بالجوانب المالية المؤثرة على الحرية، لهذا تبرز الإستثناءات لصالح السلطة العامة على السر المصرفي التي ترد على السر المصرفيمما يؤدي الى تضييق الاحتجاج بالسر المصرفي .

وهذا ما يختلف عليه الحال في الدول ذات قوة وسمو للقانون فيعتبر إحترام السر المصرفي توكيداً في إتباع سياستها لمواطنيها، إذ أن السر المصرفي والحرية وجهان لعملة واحدة ألا وهي الديمقراطية، وبهذا  يحصل التصادم بين المؤسسات المصرفية وبين السلطات العامة وأثره تضائل تلك القيود الواردة على الحرية الشخصية[16].

كما يتأثر نظام السرّية المصرفية بطبيعة النظام الاقتصادي السائد في الدولة وكما يلي:

المذهب الإشتراكي(الجماعي): تنتهج بعض الدول مايُعرف بالاقتصاد الموجه (الاشتراكي) وفيه يضيق إطار السر المصرفي، إذ يسود تدخل السلطة العامة في هذا النشاط  بشكل عام والنشاط المصرفي بشكل خاص، وهذا بدوره يؤدي إلى زيادة الحلات التي ينكشف فيها السر المصرفي، لاتساع سلطان الدولة في الرقابة والإشراف على أعمال البنوك[17].

المذهب الرأسمالي(الفردي): أما الدول التي تتبع مايُعرف بالاقتصاد الرأسمالي فيزداد نطاق السر المصرفي لإنتهاجها سياسة تقوم على إحترام السر المصرفي وعلى إعتبار أن السر والحرية أمران متلازمان، ولا يحق للدول التدخل في نشاطها الاقتصادي إلاّ على سبيل الاستثناء، إذ يسمح للبنوك الاحتجاج بالسر المصرفي في مواجهة السلطات العامة[18].

ثالثاً: حماية مصلحة البنك :

   إن نمو وازدهار نشاط البنك يرتبط أساساً بازدياد عملائه ومن ثم اتساع العمليات المصرفية، إذ تؤدي هذه المؤسسات مهنة خدمية عمادها العميل وترتكز بالدرجة الأساس على مضمون الثقة المترسمة بالتعامل مع هذه البنوك وطمأنة الافراد في الوصول إلى غاية وهي اجتذاب رأس المال،  لذلك يتوجب على البنك أن يحافظ على أسرار العملاء الذين يودعونها لديه بشكل لايؤثر سلباً في ثقتهم به أو تزعزع الطمأنينة التي ينشدونها في علاقتهم معه، وبالتالي نفورهم وعدم تعاملهم معه وهذا بدوره يؤدي إلى خسارة تلحق به[19].

نرى أن القانون العراقي[20] رسيخ مبدأ السرية المصرفية لحماية أسرار العملاء وبالتالي حماية المصلحة العامة، وهذا بدوره يؤدي إلى حماية المؤسسات المصرفية لأنه سيؤدي إلى اجتذاب رؤوس الأموال وكسب ثقتهم، إلاّ أن النظام البنكي في العراق لم يرقى إلى المستوى الطلوب وذلك لأسباب سياسية واقتصادية وإدارية.

المبحث الثاني

المسؤولية المدنية عن إفشاء السر المصرفي

من المعلوم أن إفشاء السر المصرفي جريمة جنائية وإن المشرّع العراقي وضع عقوبة لهذه الجريمة، إلاّ أن هذه العقوبة وحدها لاتكفي لمن أفشيت أسراره وأصابه ضرر نتيجة لهذا الإفشاء، لذلك فإن للعميل الذي أفشيت أسراره أن يحصل على تعويض مالحقه من ضرر جراء هذا الإفشاء.

ويختلف الخطأ الجنائي عن الخطأ المدني، فالخطأ الجنائي هو مخالفة لواجب يفرضه القانون، أما الخطأ المدني فهو مخالفة إما لألتزام ناشيء عن العقد، أو لواجب قانوني عام هو واجب عدم المساس بحقوق الآخرين دون حق، وبذلك فإنه ليس للخطأ المدني نصوص قانونية يرد فيها على سبيل الحصر كالخطأ الجنائي[21].

إذن فإن المسؤولية المدنية إما تكون نتيجة إفشاء المصرفي لأسرار عميل تربطه به علاقة بموجب رابطة عقدية، فتكون المسؤولية عقدية، أو تكون المسؤولية المدنية نتيجة إخلال المصرفي بإلتزامه بالكتمان دون أن يكون بينه وبين عميله رابطة عقدية فتكون المسؤولية هنا مسؤولية تقصيرية .

المطلب الاول: المسؤولية العقدية

تنهض المسؤولية العقدية إذا أدى إفشاء السر المصرفي إلى حدوث ضرر يلحق بالعميل من جراء الإخلال بإلتزام ناشيء عن عقد، فيجب أن يكون هناك عقد صحيح بين البنك وعميله سواء تم الإفشاء أثناء سريان العقد أم بعد إنتهاء العلاقة العقدية[22] .

وإلتزام البنك بالكتمان ينشأ سواء ورد هذا الشرط في بنود العقد صراحة أم لم يرد، ذلك أن نصوص القوانين المنظمة للسرّية المصرفية قد ألزمت البنك بعدم إفشاء أسرار العميل ووضعت تنظيماً مفصلاً بذلك[23].

وذهب جانب من الفقه[24] إلى أن العلاقة التعاقدية بين البنك والعميل تتضمن في حد ذاتها شرطاً ضمنياً وبموجب هذا الشرط يلتزم البنك بحفظ الأسرار المعهودة إليه .

وتقوم المسؤولية في حالة الإخلال بتنفيذ إلتزام ناشيء عن عقد، سواء كان هذا الإلتزام بمقابل أم لا، وسواء كان هذا المقابل ضعيفاً أم معقولاً بالنظر إلى الخدمة التي يقدمها البنك لطالب المعلومات[25].

ويدخل في مفهوم الإلتزامات العقدية فضلاً عما يتضمنه العقد من شروط صريحة يلتزم الطرفان بها ماهو من (مستلزمات العقد) وفقاً لقواعد العرف والعدالة وحسب طبيعة كل إلتزام[26].

ويمكن القول أن إلتزام البنك بكتمان السر المصرفي يعد من مستلزمات العقود المصرفية إذا لم يرد هذا الإلتزام صراحة في العقد، لأن لجوء العميل إلى بنك ما ودخوله معه في علاقة عقدية سيقتضي حتماً أن يفضي الأول للأخير بمعلومات تحمل طابع السرّية ماكان ليفضي بها لولا وجود هذه العلاقة.

ويتبين لنا من ذلك أنه يجب توافر شروط معينة لقيام المسؤولية التعاقدية منها أنه يجب أن يكون هناك عقد بين البنك والعميل، أي يجب أن يتطابق الإيجاب الصادر من العميل مع القبول الصادر من البنك، يلتزم بموجبه الأول بأن يؤدي للأخير خدمة من الخدمات المصرفية، أما قبل إنعقاد العقد فلا توجد مسؤولية عقدية، وتنتفي المسؤولية العقدية بإنقضاء العقد، ولا وجود لها بعد زواله[27]، كما يجب أن يكون العقد صحيحاً لقيام المسؤولية العقدية، فإذا كان باطلاً، أو كان قابلاً للابطال وتقرر إبطاله، إنعدم وجود العقد القانوني ومن ثم فلا يمكن أن يكون مصدراً للمسؤولية العقدية بين طرفيه إذا إمتنع أحدهما عن تنفيذه[28]، وأخيراً يجب أن تكون هناك علاقة سببية بين إفشاء السر المصرفي والضرر أي يجب أن يكون الضرر الذي أصاب العميل قد حصل بسبب إفشاء السر المصرفي المرتبطة بالخدمة المصرفية، فلا يكفي وجود صلة مادية بين العقد والضرر الذي لحق العميل، أي يجب أن ينشأ الضرر نتيجة إخلال البنك بتنفيذ أحد الإلتزامات الناشئة عن العقد، فإذا كان إفشاء السر المصرفي خارج نطاق الإلتزامات الناتجة عن العقد فلا تقوم المسؤولية العقدية[29].

كما تتميز المسؤولية العقدية بجملة من الخصائص منها أن التعويض فيها لايكون إلاّ عند الضرر المباشر المتوقع، وكذلك فإن المدين يتحمل عبء إثبات أنه قام بإلتزامه بعد أن يثبت الدائن وجود العقد، كما يجوز في المسؤولية العقدية الإعفاء الإتفاقي[30].

كما يحق للعميل المتضرر إنهاء عقده مع البنك، لأن إفشاء السر يعتبر خرقاً لهذا المبدأ من جانب البنك مما يبيح للعميل فسخ إتفاقه معه، كما لا يشترط الإعذار في المسؤولية العقدية إن كان الإلتزام العقدي إلتزماً سلبياً كما في حالة إفشاء السر المصرفي[31].

كما أن التضامن لايفترض بين المدينين في حالة المسؤولية العقدية عن إفشاء السر المصرفي، حيث أن التضامن غير قائم في المسؤولية العقدية[32].

المطلب الثاني: المسؤولية التقصيرية

تختلف المسؤولية التقصيرية عن المسؤولية العقدية، إذ تقوم الأولى عندما يحصل إخلال بإلتزام قانوني من جانب البنك تجاه أحد عملائه ولم يكن بينه وبين الأخير عقد، ففي هذه الحالة لايمكن إلزام البنك بالتعويض على أساس إلتزامه العقدي وذلك لعدم وجود عقد بينهما لذلك يتم مسائلة البنك على إعتبار إخلاله بإلتزام قانوني، مثال ذلك أن يدعي شخص التعاقد مع البنك فيدخل معه في مفاوضات قبل التعاقد ويفشي إليه ببعض الأسرار ثم تفشل المفاوضات ولايتم العقد .

والخطأ التقصيري هو عبارة عن فعل- عملاً كان أم أمتناعاً عن عمل- مخالف لإلتزام أو واجب عام مؤداه مراعاة الحيطة والحذر في السلوك لعدم الإضرار بالآخرين، فإذا سبب ضرراً للغير ترتب على ذلك مسؤوليته التقصيرية موضوعها إلتزام من أرتكبه بالتعويض[33].

ويعد إلتزام البنك بعدم إفشاء الأسرار المصرفية في مجال المسؤولية التقصيرية إلتزاماً ببذل عناية أو (إلتزاماً بوسيلة) مقتضاه أن يتخذ الموظف في سلوكه الحيطة واليقظة حتى لايضر بالآخرين[34].

والمسؤولية التقصيرية تتميز بجملة من الخصائص منها أن التراضي على الإعفاء من المسؤولية غير جائز، وذلك لأن الإلتزام الذي أخل به المدين (البنك) هو إلتزام فرضه القانون ولا دخل لإرادة الطرفين، وهو الذي يعفي منه في الحالات التي ينص عليها[35].

وكذلك يكون التضامن بين المدينين مفترض، فإذا اشترك أكثر من شخص في إحداث الضرر، كان كل منهم متسبباً فيه ومن ثم فإنه يلتزم بتعويض المضرور عن كامل الضرر الذي أصابه ومن هنا قام التضامن، وهذا الفرض لايقوم إلاّ في حالة رجوع البنك على العاملين لديه أو في حالة رجوع العميل على هؤلاء مباشرة[36]. كما أن المسؤولية التقصيرية تنشأ سواء كان الضرر متوقعاً أم غير متوقع، مادام أنه كان مباشر[37].

ويثور سؤال وهو هل يجوز الجمع أو الخيرة بين نوعي المسؤولية المدنية، أي بين المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية، أي هل يجوز تعويض المتضرر مرتين ؟، كما هل يجوز للعميل المتضرر أن يختار بين كلتا الحالتين أو أن يجمع بين خصائصهما ؟ .

من الممكن أن توجد كلتا المسؤوليتين في مجال إفشاء السر المصرفي، وذلك إذا وجد عقد بين البنك والعميل تضمن صراحة الإلتزام بالسر المصرفي أو أعتبر إلتزاماً ضمنياً كما بينا سابقاً، وفي نفس الوقت فإن هذا الإلتزام مقرر بنص القانون[38]، وفي حالة إفشاء السر المصرفي فإننا نكون أمام مخالفة للعقد ولنصوص القانون في ذات الوقت .

ذهب رأي[39] إلى تفضيل الأخذ بجواز الخيرة بين المسؤوليتين العقدية والتقصيرية، وذلك لكي لايؤدي إلى ضياع حق الدائن في التعويض في حالة وجود إتفاق صحيح بالإعفاء من المسؤولية العقدية .

بينما ذهب رأي[40] إلى أنه يجب التفرقة بين حالتين في مجال إفشاء السر المصرفي:

أولاً: إذا كان العقد المبرم بين البنك والعميل يتضمن بنداً خاصاً بالإلتزام بالسر المصرفي صراحة موضحاً الإلتزام وحدوده ومداه، فإن مخالفة الإلتزام بالسر المصرفي في هذه الحالة تشكل مسؤولية عقدية .

ثانياً: إذا لم يتضمن العقد المبرم بين البنك والعميل أية إشارة إلى الإلتزام بالسر المصرفي فإن المسؤولية المدينة تنشأ هنا طبقاً لقواعد المسوؤلية التقصيرية وذلك وفقاً لنص المادة (163) من القانون المدني المصري[41]. وفي هذه الحالة لايوجد أي إعتداء على إرادة الطرفين، مع الأخذ في الإعتبار أن ذلك يكون في مصلحة العميل، إذ أن الخيار يؤدي إلى التعويض عن الضرر غير المتوقع أيضاً وهو ما لا يتوافر في المسؤولية العقدية .

وقد انتقد هذا الرأي من قبل البعض[42] على إعتبار أن المسؤولية العقدية لاتفترض أن يتضمن العقد كل شيء وبالتالي تكون المسؤولية عقدية لا تقصيرية في حالة وجود عقد بين العميل والبنك ولو لم يتضمن بنداً خاصاً بالكتمان .

   وذهب رأي[43] وهو الارجح أنه لايجوز الجمع بين المسؤوليتين، إذ أن الجمع بينهما غير مستساغ؛ لأن الضرر الواحد لايجوز تعويضه مرتين، كما أن لكل من الدعوتين خصائصها، ولا يستطيع الدائن أن يرفع إلاّ إحدى الدعويين، أما الدعوى التي يخلط فيها الدائن مابين خصائص كلتا الدعويين، فإنه ليس للدائن في الإلتزام العقدي أن يختار بينهما، إذ ليس له إلاّ دعوى المسؤولية العقدية، دون المسؤولية التقصيرية، لأن الأخيرة تفترض أن المدين قد أخل بإلتزام فرضه القانون والإلتزام في هذه الحالة لا مصدر له غير العقد. ونحن نؤيد هذا الرأي الأخير للأسباب التي ذكرها .

الخاتمة

   توصلنا من خلال هذه الدراسة إلى العديد من الإستنتاجات وهي كما يلي:

أن السر هو كل شيء يرغب صاحبه أن يكون بعيداً عن علم البعض أو الجميع، وعدم إفشائه إلاّ برغبته، أما السر المصرفي فهو إلتزام البنك والعاملين فيه بكتمان المعلومات والبيانات التي تصل إلى علمهم.

يلتزم البنك والعاملين فيه بعدم إفشاء أسرار العملاء التي تصل إلى علمهم، ويستمر الكتمان حتى لو إنتهت العلاقة بين البنك والعميل. كما يلتزم بعدم الإفشاء كل من تمكن بسبب وظيفته أو عمله أو مهنته من الإطلاع على مايتعلق بالعميل. حتى لو لم يكونو من العاملين لدى البنك.

يقوم السر المصرفي على عدة إعتبارات، منها حماية الحرية الشخصية واحترام خصوصيات العملاء، ومنها حماية المصلحة العامة أي المصلحة العليا للمجتمع، وذلك لأنه يبث الثقة والطمأنينة في نفوس العملاء، وأخيراً حماية مصلحة البنك لأنه يعمل على إجتذاب رؤوس الأموال.

تقوم المسؤولية في حالة إفشاء السر المصرفي في غير الحالات المصرّح بها، فقد رتب المشرّع مسؤولية جنائية، كما تقوم المسؤولية المدنية أيضاً، إما بموجب رابطة عقدية بين البنك والعميل، وهي المسؤولية العقدية، أو نتيجة إخلال البنك بإلتزامه بالكتمان دون أن يكون بينه وبين عميله رابطة عقدية، فتكون المسؤولية هنا مسؤولية تقصيرية.


[1] لسان العرب لأبن منظور، مادة سرر، المعجم الوجيز، مجمع اللغة العربية، جمهورية مصر العربية، 1990، ص308.

[2] سورة الملك، الآية (13) .

[3] د. محمود نجيب حسني، قانون العقوبات، القسم الخاص، دار النهضة العربية، القاهرة، 1981، ص641 .

[4] د. محي الدين اسماعيل علم الدين، موسوعة أعمال البنوك من الناحيتين القانونية والعلمية، ج1، القاهرة، 1987، ص109.

[5] د. مصطفى أحمد عبدالجواد، إلتزام المحامي بالحفاظ على أسرار العميل- دراسة قفهية مقارنة في القانون المصري والفرنسي، دار النهضة العربية، القاهرة، 2005، ص19 .

[6] إذ نصت على أنه (لايعرّض احد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو الحملات على شرفه وسمعته ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل ) .

[7] إذ نصت على أنه (لايعرّض أي فرد لتدخل تعسفي أو غير قانوني في خصوصيته ........ ) اعتمدت بموجب الجمعية العامة للأمم المتحدة (2200) في 16/12/1986 .

[8] انظر المادة (13/ح) من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية إذ نصت على أنه ( للعراقي الحق بخصوصية حياته الخاصة ).

[9] دانه حمه باقي عبدالقادر، السرّية المصرفية في إطار تشريعات غسل الأموال- دراسة مقارنة، المديرية العامة للطباعة والنشر، السليمانية، 2006، ص38 .

[10] د.جلال وفاء محمدين، دور البنوك في مكافحة غسل الاموال, دارالجامعة الجديدة للنشر، 2004،ص79 .

[11] زينة غانم الصفار، الأسرار المصرفية (دراسة قانونية مقارنة), اطروحة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة الموصل, 2005، ص49 .

[12] عبدالمولى علي متولي، النظام القانوني للحسابات السرّية-دراسة مقارنة، ط2، دارالنهضة العربية، القاهرة، 2003، ص298.

[13] محمد عبدالحي إبراهيم سلامة، إفشاء السر المصرفي بين الحظر والإباحة، اطروحة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة المنصورة، 2004، ص54 .

[14] زينة الصفار، مرجع سابق، ص 50 .

[15] خالد رميح تركي المطيري، البنوك وعمليات غسل الأموال، ط1، دار النهضة العربية، 2007، ص43 .

[16] محمد الأمين صبّاري،الإلتزام بالسرّية في المعاملات المصرفية، رسالة ماجستير، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، 2005، ص49.

[17] فتاح محمد حسين الجيلاوي، النظام القانوني للسرّية المصرفية - دراسة مقارنة ، اطروحة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة النهرين، 2009، ص55 .

[18] زينة الصفار، مرجع سابق، ص52 .

[19] دانه حمه باقي عبدالقادر، ص39 .

[20] أصدرت سلطة الائتلاف المؤقتة قانون المصارف رقم 40 لسنة 2004 وقد خصصت الباب الثامن منه للسرّية المصرفية وهي المواد من (49-52) .

[21] د. احمد محمد بدوي، جريمة إفشاء الأسرار والحماية الجنائية للكتمان المصرفي، 1999، ص63.

[22] زينة الصفّار، مرجع سابق، ص228.

[23] انظر المادة (49) من قانون المصارف العراقي رقم 40 لسنة 2003.

[24] د. حسين النوري، سر المهنة المصرفي في القانون المصري والقانون المقارن، منشورات إتحاد المصارف العربية، القاهرة، 1974، ص133.

[25] د. علي جمال الدين عوض، عمليات البنوك من الوجهة القانونية، ط4، دار النهضة العربية، القاهرة، 2008، ص1166.

[26] استناداً إلى نص المادة (150/2) من القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 إذ جاء فيها « 2- ولايقتصر العقد على إلزام المتعاقد بما ورد فيه ولكن يتناول أيضاً ماهو من مستلزماته وفقاً للقانون والعرف والعدالة بحسب طبيعة الإلتزام».

[27] محمد عبدالحي ابراهيم، مرجع سابق، ص228.

[28] محمد الأمين صباري، مرجع سابق، ص255.

[29] محمد عبدالحي ابراهيم، مرجع سابق، ص228.

[30] د. ماجد عبد الحميد عمار، مشكلة غسل الأموال وسرّية الحسابات بالبنوك، دار النهضة العربية، القاهرة، 2002، ص148.

[31] محمد عبدالحي ابراهيم، مرجع سابق، ص229.

[32] محمد الأمين صباري، مرجع سابق، ص256.

[33] محمد الأمين صبّاري، مرجع سابق، ص194-195.

[34] زينة الصفّار، مرجع سابق، ص234.

[35] محمد الأمين صبّاري، مرجع سابق، ص258.

[36] محمد عبدالحي ابراهيم، مرجع سابق، ص232.

[37] د. ماجد عبدالحميد عمار، مرجع سابق، ص146.

[38] تنص المادة (204) من القانون المدني العراقي على أن « كل تعد يصيب الغير بأي ضرر آخر غير ما ذكر في المواد السابقة يستوجب التعويض « .

[39] د. ياسين محمد يحيى، إتفاقات الإعفاء من المسؤولية العقدية، دار النهضة العربية، القاهرة، 1992، ص157.

[40] د. رضا السيد عبدالحميد، السر المصرفي- دراسة مقارنة، رسالة دكتوراه، رن، فرنسا، 1989، ص456. مشار إليه لدى: محمد عبدالحي ابراهيم، مرجع سابق، ص234 .

[41] تقابلها المادة (204) من القانون المدني العراقي .

[42] د. علي جمال الدين عوض، مرجع سابق، ص729.

[43] محمد عبدالحي ابراهيم، مرجع سابق، ص235.