الاستلام 16/7 القبول 12/8 النشر 25/1/2025
حقوق الطباعة محفوظة لدى مجلة كلية القانون والعلوم السياسية في الجامعة العراقية
حقوق الملكية الفكرية محفوظة للمؤلف
حقوق النشر محفوظة للناشر (كلية القانون والعلوم السياسية - الجامعة العراقية)
CC BY-NC-ND 4.0 DEED
Printing rights are reserved to the Journal of the College of Law and Political Science at Aliraqia University
Intellectual property rights are reserved to the author
Copyright reserved to the publisher (College of Law and Political Science - Aliraqia University)
Attribution – Non-Commercial – No Derives 4.0 International
For more information, please review the rights and license
مفهوم الإكراه الاقتصادي وشروط تحققه
دراسة مقارنة
The concept of economic coercion
and the conditions for its realization
(A comparative study)
م.د. علي حسين دويح
جامعة اوروك/كلية القانون
Ali Hussein Dweuh
Uruk University /College of Law
alidweah64@gmail.com
المستخلص:
يعدْ الإكراهُ عيبا منْ عيوبِ الإرادةِ التي تجعلُ العقدَ موقوفا إذا شابَ رضا أطرافِ التعاقدِ عيبَ الإكراهِ عندَ إبرامِ العقدِ أو في مرحلة التنفيذ، هذا ما نص عليه القانون المدني العراقي، أما في التشريعِ المصريِ والفرنسيِ يكونُ هناكَ بطلانا نسبيا ، إلا أنَ تطورَ نظريةِ العقدِ وخاصةَ بعدَ تعديلِ القانونِ المدنيِ الفرنسيِ بقانونِ 131 لسنةِ 2016 ، الذي جاءَ نتيجةَ لتطورِ نظريةِ العقدِ وتلبيةِ لحاجةِ المجتمعِ في تطورِ الأنظمةِ القانونيةِ ومواكبةُ التطورِ الاقتصاديِ ظهرَ نوعٍ جديدٍ منْ الإكراهِ وهوَ الإكراهُ الاقتصاديُ الذي يكونُ أساسهُ وجودَ علاقةٍ عقديةٍ أوْ تعاملٍ تجاريٍ سابقٍ لأطرافِ التعاقدِ ، لذلكَ يكونُ تأثيرُ الإكراهِ الاقتصاديِ بالغا على التوازنِ الاقتصاديِ للعقدِ ، مما حديٍ بالمشرعِ الفرنسيِ النصِ عليه بمقتضى المادةِ (1136) مدني فرنسي فضلاً عنْ المعالجاتِ القانونيةِ آلتْي نصتْ عليها الموادُ القانونيةُ ( 1140 _ 1144 ) ، وذلكَ منْ أجلِ تحقيقِ التكافؤِ والتعادلِ في ميزانِ العلاقاتِ التعاقديةِ في ظلِ المنافسةِ التجاريةِ.
لذا يتطلبُ منْ المشرعِ العراقيِ إيجادُ الوسائلِ القانونيةِ والتشريعيةِ لتطويرِ نظريةِ العقدِ تكريسا لدورها في خدمةِ المصالحِ المشروعةِ للأفرادِ في إطارٍ متكافئٍ وسليمٍ ، والسماح للقضاءِ بالتدخلِ في العلاقاتِ العقديةِ، متى ما بدا لهُ أنَ ممارسةَ أطرافِ التعاقدِ للحريةِ التعاقديةِ، التي يتمتعونَ بها ضمنَ نطاقِ المبدأِ القانونيِ ( العقدُ شريعةً المتعاقدينَ )؛ يترتبُ عليهِ زعزعةُ واختلالُ التوازنِ العقديِ نتيجةَ لاستغلالِ أحدِ أطرافِ التعاقدِ لمركزهِ الاقتصاديِ الأقوى ، أوْ نتيجةَ الحاجةِ الملحةِ للطرفِ الآخرِ في العقدِ تضمينَ شروطٍ تغلبَ مصلحتهُ على مصلحةِ الطرفِ الآخرِ في العقدِ تؤدي إلى أنْ يصبحَ تنفيذُ العقدِ مرهقا للطرفِ الضعيفِ.
الكلمات الافتتاحية: الإكراه الاقتصادي، الضغط غير المشروع، التبعية الاقتصادية، المركز الاقتصادي، الاستغلال.
Abstract
Coercion is considered a defect of will that makes the contract suspended if the consent of the contracting parties is marred by the defect of coercion at the conclusion of the contract or during the implementation phase. The amendment of the French Civil Code by Law 131 of 2016, which came as a result of the development of the contract theory and in response to the society’s need for the development of legal systems and keeping pace with economic development. In addition to the legal treatments stipulated in legal articles (1140_1144), in order to achieve parity and equality in the balance of contractual relations in light of commercial competition.
Therefore, it requires the Iraqi legislator to find legal and legislative means to develop the contract theory in order to devote its role in serving the legitimate interests of individuals in an equal and sound framework, and to allow the judiciary to intervene in contractual relations, whenever it appears to him that the exercise of the contracting parties of the contractual freedom that they enjoy within the scope of the legal principle ( The contract is the law of the contracting parties). It results in the destabilization and imbalance of the contract as a result of the exploitation of one of the parties to the contract for its stronger economic position, or as a result of the urgent need of the other party in the contract to include conditions in which his interest prevails over the interest of the other party in the contract that leads to the implementation of the contract becoming burdensome for the weak party.
Key words: economic coercion, illegitimate pressure, economic dependence
المقدمة:
أولا : موضوع البحث.
يمثلُ العقدُ أهمَ الأعمالِ القانونيةِ التي تنشأُ الالتزاماتُ المتبادلةُ ، ويعدَ المصدرُ الأولُ لمصادرِ الالتزامِ وأهمها ، ولهُ مكانةٌ واضحةٌ وجليةٌ في القانونِ المدنيِ ، لأنهُ يمثلُ الوسيلةَ التي تؤمنُ احتياجاتِ الأفرادِ في تبادلِ السلعِ والخدماتِ ، وبذلكَ يحققُ خدمةَ مختلفِ المصالحِ المشروعةِ للأفرادِ واستقرارِ المعاملاتِ في نظامٍ متكافئٍ ومناخٍ سليمٍ ، لأنَ كلَ إنسانٍ في المجتمعِ بحاجةِ للتعاقدِ بشكلٍ أوْ بآخرَ ، لأنهُ لا يستطيعُ العيشُ دونَ تعاقدَ[1]، وتكريسا لهذا الدورِ سمحَ المشرعُ للقضاءِ التدخلِ في العلاقاتِ العقديةِ متى ما بدا لهُ أنَ ممارسةَ أطرافِ التعاقدِ للحريةِ التعاقديةِ التي تمثلُ أحدَ المبادئِ التي يقومُ عليها سلطانْ الإرادةِ ؛ يترتبُ عليها زعزعةُ واختلالُ التوازنِ الاقتصاديِ للعقدِ .
ويكون ذلكَ منْ خلالِ استغلالِ أحدِ أطرافِ التعاقدِ لمركزهِ الاقتصاديِ الأقوى أوْ الحاجةِ الملحةِ للطرفِ الآخرِ ، وتضمينَ العقدِ شروطا تؤدي إلى تغليبِ مصلحتهِ على حسابِ مصلحةِ الطرفِ الآخرِ في العقدِ الأضعفِ اقتصاديا إلى الحدِ الذي يصبحُ تنفيذُ العقدِ مرهقا أوْ قدْ تنتفي كلَ مصلحْ منْ وراءِ التعاقدِ ، بذلكَ يكونُ للقضاءِ وبعدةِ وسائلَ ؛ تطبيقِ مفهومِ الإكراهِ الاقتصاديِ في معالجةِ اختلالِ التوازنِ العقديِ ما بينَ أطرافِ التعاقدِ .
في حينِ ذهبَ جانبُ منْ الفقهِ إلى أنَ التفوقَ الاقتصاديَ الذي يتمتعُ بهِ المشترطُ في عقدِ الإذعانِ لا يعدْ تهديدا يعيبُ إرادةَ المذعنِ ، على الرغمِ منْ أنَ الطرفَ الضعيفَ اقتصاديٌ في عقدِ الإذعانِ يكونُ في حالةِ ضرورةٍ اقتصاديةٍ[2]، ويستندونَ في ذلكَ إلى أنَ المذعنَ في عقدِ الإذعانِ على الرغمِ منْ حاجتهِ إلى التعاقدِ ، لمْ تدفعهُ الرهبةُ والخوفُ إلى التعاقدِ وإنما قدرُ مصلحتهِ واختارَ ، ويرى جانبُ منْ الفقهِ الفرنسيِ في العقودِ التي يتمتعُ فيها أحدُ الطرفينِ بتفوقٍ اقتصاديٍ ، بحيثُ لا يمكنُ للطرفِ الآخرِ مواجهتها سوى الخضوعِ لها ، فإنَ الاعتداءَ المنصبَ على حريةِ الطرفِ الضعيفِ يمكنُ إذا كانَ جسيما ، أنْ يؤثرَ على سلامةِ العقدِ ، ويستدلَ على ذلكَ فيما نصتْ عليهِ المادةُ ( 1141 ) منْ القانونِ المدنيِ الفرنسيِ التي تنصُ على أنهُ « التهديدُ بسلوكِ الطريقِ القانونيِ لا يشكلُ إكراها ، والأمرُ غيرُ ذلكَ عندما ينحرفُ هذا الطريقِ القانونيِ عنْ هدفهِ ، أوْ عندما يتمسكُ بهِ أوْ يمارسهُ للحصولِ على ميزةِ مبالغٍ فيها«[3].
ثانيا: أهمية البحث.
منْ أهمِ الأفكارِ التي أدخلها المشرعُ الفرنسيُ في تعديلِ القانونِ المدنيِ بموجبَ القانونُ 131 لسنةِ 2016 ، هيَ فكرةُ الإكراهِ الاقتصاديِ ويمثلُ هذا التوجهِ استجابةً لمناداةِ الفقهِ والكثيرِ منْ السوابقِ القضائيةِ في هذا الخصوصِ ، لذلكَ لا بدَ منْ وجودِ جزاءِ قانونيٍ لاستغلالِ الطرفِ الأقوى اقتصاديا لنفوذهِ سواءٌ كانَ عندَ إبرامِ العقدِ أوْ في مرحلةِ التنفيذِ ، وتهديدَ الطرفِ الأضعفِ اقتصاديا مما تنشأُ الرهبةُ في نفسهِ لإجبارهِ على التعاقدِ أوْ تعديلِ شروطِ العقدِ ، وتمثلَ انتباهةُ المشرعِ الفرنسيِ لهذا النوعِ منْ الإكراهِ في مجالِ الأعمالِ التجاريةِ تطورا قانونيا مهما .
ثالثا: إشكالية البحث.
بعدُ اقرأْ المشرعَ الفرنسيَ للإكراهِ الاقتصاديِ كنوعٍ منْ أنواعِ الإكراهِ الذي يجعلُ إرادةَ التعاقدِ معيبةً ، بلْ أكثرُ منْ ذلكَ جعلَ العقدُ باطلاً في حالةِ وجودِ استغلالٍ للطرفِ الضعيفِ في العقدِ منْ قبلِ الطرفِ الذي يتمتعُ بنفوذٍ اقتصاديٍ أكبرَ ، والتساؤلُ الذي يثارُ هلْ يمكنُ تكييفَ الموادِ القانونيةِ في القانونِ المدنيِ العراقيِ لاستيعابِ الإكراهِ الاقتصاديِ كصورةٍ منْ صورِ الإكراهِ المعنويِ .
رابعا: منهجية البحث.
اتخذتْ الدراسةُ المنهجَ التحليليَ كمنهجِ أساسٍ في تحليلِ النصوصِ القانونيةِ في القوانينِ المدنيةِ التي نظمتْ الإكراهَ الاقتصاديَ ، وعدهُ كصورةٍ منْ صورِ الإكراهِ المعنويِ ، فضلاً عنْ المنهجِ المقارنِ لمقارنةِ التشريعاتِ في كل من القانون المدني العراقي والقانون المدني المصري والقانون المدني الفرنسي ، ولما هذا المنهجِ منْ أهميةٍ كبيرةٍ في التعرفِ على النظمِ القانونيةِ في تشريعاتِ الدولِ المقارنةِ.
خطة البحث:
لذلكَ ندرسُ مفهومُ الإكراهِ الاقتصاديِ والشروطِ الواجبِ توفرها لتحقيقِ الإكراهِ الاقتصاديِ بواسطةِ مبحثينِ، نخصصُ المبحث الأولُ إلى مفهومِ الإكراهِ الاقتصاديِ بواسطة مطلبين نخصص المطلب الأول إلى تعريف الإكراه الاقتصادي، ونخصص المطلب الثاني إلى الأساس القانوني للإكراه الاقتصادي، ونخصصُ المبَحث الثانيَ إلى شروطِ تحقيقِ الإكراهِ الاقتصاديِ بواسطة مطلبين نخصص المطلب الأول إلى الإكراه الاقتصادي عند إبرام العقد، ونخصص المطلب الثاني للإكراه الاقتصادي في مرحلة تنفيذ العقد، وعلى النحوِ الآتي :
المبحث الأولِ
مفهومَ الإكراهِ الاقتصاديِ
يعدْ الإكراهُ الاقتصاديُ إحدى صورِ الإكراهِ المعنويِ[4]، ولا يكفي لوجودهِ أنْ يهددَ أحدُ الأطرافِ الطرفَ الآخرَ في العقدِ بأذى يلحقُ بهِ أوْ بغيرهِ بلْ يترتبُ على ذلكَ نشوءُ رهبةٍ وخوفٍ في نفسِ الطرفِ المهددِ وأنْ تكونَ قائمةٌ على أساسٍ ، ويخضعَ تحديدُ جسامةِ الخطرِ للسلطةِ التقديريةِ للقاضي ، والجديرَ بالإشارةِ أنَ معيارَ الرهبةِ هوَ معيارٌ شخصيٌ يراعى فيهِ الظروفُ الخاصةُ بمنْ وجهَ إليهِ فإنَ أخافَ التهديدُ اعتبرَ إكراها ، وقدْ عبرتْ عنْ هذا المعنى المادةِ ( 1140 ) منْ القانونِ المدنيِ الفرنسيِ التي عرفتْ الإكراهَ بأنهُ « نوعٌ منْ الضغطِ على المتعاقدِ يوحي لهُ بالرهبةِ يعترضهُ في شخصهِ أوْ مالهِ أوْ المقربينَ لهُ بأذى شديدٍ «[5]، وفي نفسِ المعنى نصَ عليهِ المشرعُ العراقيُ والمشرعُ المصريُ ، لذا ندرسُ في هذا المطلبِ وبواسطةِ فرعيّ مفهومِ الإكراهِ الاقتصاديِ ، نخصصُ الفرعُ الأولُ لتعريفِ الإكراهِ الاقتصاديِ ، ونخصصُ الفرعَ الثانيَ للأساسِ القانونيِ للإكراهِ الاقتصاديِ وعلى النحوِ الآتي :
المطلب الأولُ: تعريفَ الإكراهِ الاقتصاديِ
إنَ عدمَ احتواءِ القانونِ المدنيِ العراقيِ على نصوصٍ تعالجُ الإكراهَ الاقتصاديَ ، يتطلبَ في بدايةِ الأمرِ تعريفَ الإكراهِ بصورةٍ عامةٍ منْ الناحيةِ التشريعيةِ والفقهيةِ ، فقدْ عرفهُ المشرعُ في المادةِ ( 112 ) التي تنصُ على أنهُ « هوَ إجبارُ شخصٍ بغيرِ حقٍ على أنْ يعملَ عملاً دونَ رضاهُ « ، كما عرفهُ بعضُ الفقهِ على أنهُ « ضغطٌ غيرُ مشروعٍ على إرادةِ شخصٍ يدفعهُ إلى التعاقدِ أوْ هوَ إجبارُ شخصٍ على أنْ يبرمَ عقدٌ دونَ رضاهُ «[6]، وفي تعريفٍ آخرَ عرفَ بأنهُ « ضغطٌ غيرُ مشروعٍ على إرادةِ شخصِ تحملهِ على التعاقدِ «[7].
يلاحظ في التعاريفِ المشارِ إليها يمكنَ أنْ يتضمنَ الإكراهُ الاقتصاديُ لأنَ كليهما يقوم على فكرةِ الضغطِ غيرِ المشروعِ على إرادةِ أحدِ أطرافِ التعاقدِ منْ قبلِ الطرفِ الآخرِ وحملهُ على التعاقدِ ، إلا أنَ الإكراهَ الاقتصاديَ يكونُ عندَ إبرامِ العقدِ، وكذلكَ في مرحلةِ تنفيذِ العقدِ في حالةِ إعادةِ التفاوضِ أوْ إجبارِ الطرفِ الضعيفِ اقتصاديا على إعادةِ التفاوضِ منْ خلالِ التهديدِ بإيقافِ التنفيذِ أوْ اللجوءِ إلى فسخِ العقدِ فهذهِ وسائلُ ضغطٍ غيرِ مشروعةٍ ما كانَ ليقومَ بهِ لوْ كانَ مختارْ ، وتمثلَ العنصرَ الأساسيَ الذي يقومُ عليهِ الإكراهُ الاقتصاديُ .
أما المشرعُ المصريُ فلمْ يعرفْ الإكراهُ ، وإنما عالجَ الإكراهُ كعيبِ منْ عيوبِ الإرادةِ في الموادِ ( 127 - 128 ) ، إلا أنَ محكمةَ النقضِ قدْ عرفتهُ في حكمٍ صادرٍ لها على أنهُ « الإكراهُ المبطلُ للرضا يتحققُ بتهديدِ المتعاقدِ بخطرٍ جسيمٍ يحدقُ بنفسهِ أوْ بمالهِ أوْ باستعمالِ وسائلِ ضغطٍ أخرى لا قبلَ لهُ باحتمالها أوْ التخلصِ منها ، ويكون منْ نتيجةِ ذلكَ حصولُ رهبةِ تحملهِ على الإقرارِ بقبولِ ما لمْ يكنْ لقبلةِ اختيارِ «[8]، كما عرفهُ بعضُ الفقهِ على أنهُ « تهديدٌ غيرُ مشروعِ بإيقاعِ أذى بالمتعاقدِ أوْ بغيرهِ يولد رهبةً في نفسِ المتعاقدِ تحملهُ على التعاقدِ[9]، كذلكَ تمَ تعريفهُ على أنهُ « ضغطٌ غيرُ مشروعٍ تتأثرُ بهِ إرادةَ الشخصِ فيولدُ في نفسهِ الرهبةِ تدفعهُ إلى التعاقدِ «[10].
وبالعودةِ إلى ما نصتْ عليهِ المادةُ ( 112 ) مدنيٍ عراقيٍ ، والمادةُ ( 127 ) مدنيٍ مصريٍ ، يجبَ أنْ يكونَ التهديدُ المولدُ للرهبةِ غيرُ مشروعٍ ( بغيرِ حقٍ ) ( دونُ حقٌ ) ، وتكونَ إما لعدمِ مشروعيةِ وسيلةِ التهديدِ ، وإما لعدمِ مشروعيةِ الغرضِ منهُ ، أما إذا كانتْ الوسيلةُ مشروعةً والغرضُ مشروعٌ ، فليسَ هناكَ إكراهُ مثالِ ذلكَ ، أنَ تهديدَ الدائنِ لمدينهِ المماطلِ باتخاذِ إجراءاتٍ قانونيةٍ للتنفيذِ الجبريِ على أموالهِ منْ أجلِ استيفاءِ حقهِ منْ ثمنها ، في هذهِ الحالةِ الوسيلةِ مشروعةً والغرضُ مشروعٌ فليسَ هناكَ وجودٌ للإكراه، كذلك في حالة وجود نفوذ أدبي أو شوكة لا يعتبر إكراهًاِ[11]، وهذا ما عبرتْ عنهُ المادةُ ( 1141 ) مدنيٍ فرنسيٍ ، حيثُ نصتْ على أنهُ « التهديدُ بسلوكِ الطريقِ القانونيِ لا يشكلُ إكراها ، والأمرُ غيرُ ذلكَ ، عندما ينحرفُ هذا الطريقِ القانونيِ عنْ هدفهِ ، أوْ عندما يتمسكُ بهِ أوْ يمارسُ للحصولِ على ميزةِ مبالغٍ فيها بوضوحِ «[12].
أما المشرعُ الفرنسيُ فقدْ عرفَ الإكراهُ في نصِ المادةِ ( 1140 ) على أنهُ « يتحققُ الإكراهُ عندما يتعهدُ أحدُ الأطرافِ تحتَ تأثيرِ ضغطا يولدُ لديهِ الخوفُ منْ تعرضِ شخصهِ أوْ ثروتهِ أوْ أقاربهِ لضررٍ جسيمٍ «[13]، أما فقهيا فقدْ عرفهُ بعضُ الفقهِ الفرنسيِ بأنهُ « إكراهٌ يمارسُ على إرادةِ أحدِ الأشخاصِ لحملهِ على إعطاءِ رضاهُ «[14]، كما عبرت عنه أحد المحاكم الإنكليزية على أنه «يكون الإكراه الاقتصادي عندما لا تترك ممارسة الضغط على الطرف المُكره أي بديل عملي سوى الخضوع[15]
لذلكَ فإنَ الإكراهَ الاقتصاديَ إكراه معنويٍ ، وقدْ عبرَ عنهُ المشرعُ العراقيُ في نصِ المادةِ ( 112 / 2 ) عندما قسمَ الإكراهُ إلى إكراهِ ملجأٍ وإكراهٍ غيرِ ملجأٍ، مثالُ ذلكَ الإكراهِ الذي يتعرضُ لهُ المتعاقدُ معَ شخصٍ يحتكرُ مادةً معينةً أوْ خدمةِ ما[16] ، وقدْ عرفهُ بعضُ الفقهِ على أنهُ « ضغطٌ اقتصاديٌ غيرُ مشروعٍ يمارسهُ أحدُ أطرافِ التعاقدِ على الطرفِ الآخرِ لإجبارهِ على إبرامِ عقدٍ جديدٍ أوْ قبولِ طلبهِ في تعديلِ بعضِ شروطِ العقدِ أوْ إضافةِ شروطٍ جديدةٍ «[17]، وفي تعريفٍ آخرَ أنهُ « ضغطٌ غيرُ مشروعٍ يهددُ المصالحَ الماليةَ والتجاريةَ لأحدِ المتعاقدينَ بسببَ عدمِ المساواةِ بالقوةِ التفاوضيةِ عندَ التعاقدِ أوْ عندَ إعادةِ التفاوضِ في مرحلةِ تنفيذِ العقدِ بواسطةِ استغلالِ تفوقهِ الاقتصاديِ بطريقةٍ غيرِ مشروعةٍ تحملُ المتعاقدَ الآخرَ على الموافقةِ «[18]، ويستدلَ على وجودِ الإكراهِ الاقتصاديِ في العقودِ التي يتمتعُ فيها أحدُ أطرافِ التعاقدِ بقوةٍ اقتصاديةٍ ، بحيثُ لا يكونُ للطرفِ الآخرِ قبل لمواجهتها سوى الخضوعِ لها ، فإنَ الاعتداءَ المنصبَ على حريةِ الطرفِ الضعيفِ إذا كانَ جسيما يؤثرُ على سلامةِ العقدِ.
لذلكَ يمكنُ تعريفَ الإكراهِ الاقتصاديِ بأنهُ صورةٌ منْ صورِ الإكراهِ المعنويِ يعرفها الوسطُ التجاريُ ، ويكونَ بممارسةِ الضغطِ منْ أحدِ أطرافِ التعاقدِ باستغلالِ مركزهِ الاقتصاديِ المهيمنِ باستغلالِ الحاجةِ الملحةِ للطرفِ المقابلِ منْ أجلِ تضمينِ العقدِ شروطا تغلبَ مصلحتهُ على مصلحةِ الطرفِ الأضعفِ منهُ اقتصاديا.
أما المظهرُ الأكثرُ شيوعا في الإكراهِ الاقتصاديِ الذي يكونُ خلالَ مرحلةِ تنفيذِ العقدِ ويتجسدُ منْ خلالِ التهديدِ بوقفِ تنفيذِ العقدِ أوْ فسخهِ وخاصةً في عقودِ الامتيازِ التجاريِ وعقودِ نقلِ التكنولوجيا ، أيْ تكون هناكَ تبعيةٌ اقتصاديةٌ في العقدِ ، حيثُ يكونُ الطرفُ المانحُ للامتيازِ في وضعٍ اقتصاديٍ أفضلَ منْ الطرفِ الآخرِ في العقدِ .
المطلب الثاني: الاساس القانونيِ للإكراهِ الاقتصاديِ
عدُ المشرعِ العراقيِ الإكراهِ عيبا منْ عيوبِ الإرادةِ ، حيثُ تناولَ الإكراهُ بصورةٍ عامةٍ ولمْ يتطرقْ إلى الإكراهِ الاقتصاديِ ، وذلكَ لعدمِ ظهورِ هذهِ النظريةِ عندَ كتابةِ القانونِ المدنيِ ، ولمْ تكنْ المعطياتُ الاقتصاديةُ في الوقتِ الحاضرِ قدْ فرضتْ على العلاقاتِ الاقتصاديةِ سلوكياتٍ يتميزْ بها الطرفُ الأقوى اقتصاديا، إلا أنهُ يعدْ حالةً متطورةً قياسا بالقوانينِ المدنيةِ العربيةِ وخاصةً القانونَ المدنيَ المصريَ ، حيثُ جعلَ الإكراهُ ثالثا في ترتيبِ عيوبِ الإرادةِ على خلافِ المشرعِ العراقيِ ، الذي جعلهُ أولَ عيبِ منْ عيوبِ الإرادةِ وخصصَ لهُ الموادُ منْ ( 112 إلى 116 ) وقدْ عرفهُ في المادةِ ( 112 / 1 ) على أنهُ « إجبارُ شخصٍ دونَ حقٍ على أنْ يعملَ عملاً دونَ رضاهُ « وهوَ أقلُ تفصيلاً عنْ تعريفِ الإكراهِ الفرنسيِ الذي أوردهُ المشرعُ الفرنسيُ في نصِ المادةِ ( 1140 ) ، فضلاً عنْ ذلكَ ميزَ المشرعُ العراقيُ في الفقرةِ ( 2 ) منْ نفسِ المادةِ بينَ الإكراهِ الملجأِ والإكراهِ غيرِ الملجأِ ؛ إلا أنهُ لمْ يحددْ الأثرُ المترتبُ على كونِ الإكراهِ ملجأَ أوْ غيرِ ملجأٍ .
إما في المادةِ ( 114 )[19] ، التي فيها أشعارهُ إلى أنَ الإكراهَ يمكنُ أنْ يكونَ بصورِ مختلفةٍ، يمكنَ أنْ يكونَ أساسا قانونيا للإكراهِ الاقتصاديِ ، الذي يمثلُ نوعا منْ أنواعِ الإكراهِ المعنويِ؛ إلى حينِ تشريعِ قانونٍ جديدٍ ينصُ صراحةً على الإكراهِ الاقتصاديِ على أنْ يتضمنَ أثرا يختلفُ عنْ أثرِ الإكراهِ الذي وردَ في نصِ المادةِ ( 115 ) منْ القانونِ المدنيِ والتي ساوى فيها بينَ صورِ الإكراهِ منْ حيثُ الأثرُ وجعلُ العقدِ موقوفا تأثرَ بالفقهِ الإسلاميِ حيثُ نصتْ المادةُ على أنهُ « منْ أكرهُ إكراهٌ بأحدٍ نوعيٍ الإكراهِ على إبرامِ عقدٍ لا ينفذُ عقدهُ « ، وهذا الإكراهُ عندَ تكوينِ العقدِ إلا أنَ التطورَ الاقتصاديَ وخاصةَ عقودَ التجارةِ الدوليةِ التي يحتاجُ تنفيذها إلى فتراتٍ زمنيةٍ طويلةٍ يكونُ هناكَ إكراهٌ في مرحلةِ تنفيذِ العقدِ التي عالجتها القوانينُ المدنيةُ الحديثةُ ، وكذلكَ قوانينُ التجارةِ العالميةِ منها التوجيهُ الأوروبيُ الموحدُ وقانونُ الاونسترالْ للتجارةِ الدوليةِ .
منْ خلالِ تحليلِ النصوصِ القانونيةِ في الموادِ المشارِ إليها وخاصةً المادةَ (112) نجد المشرعُ العراقيُ قسمُ الإكراهِ إلى نوعينِ وهما الإكراهُ الماديُ ويقصدُ بهِ الإكراهُ الملجأُ، والإكراهُ المعنويُ الذي يقصدُ بهِ الإكراهُ غيرُ الملجأِ ، ويكون الإكراهُ الاقتصاديُ منْ ضمنِ صورةٍ ، لذا فالمشرعُ العراقيُ لمْ ينصْ صراحةً على الإكراهِ الاقتصاديِ بخلافِ المشرعِ الفرنسيِ الذي نصَ عليهِ صراحةٌ وقدْ ضمنهُ في تعديلِ القانونِ المدنيِ الفرنسيِ بقانونِ 131 لسنةِ 2016 في المادةِ (1143)[20]، والتي تنصُ على أنهُ « يتوافرُ الإكراهُ أيضا عندما يحصلُ أحدُ الأطرافِ ، نتيجةُ استغلالِ حالةِ التبعيةِ التي يوجدُ فيها المتعاقدُ معهُ ، على تعهدِ منْ الأخيرِ ما كانَ ليرضى بهِ في حالِ غيابِ مثلٍ هذا الضغطِ ، ويحصلَ منْ ذلكَ على منفعةٍ زائدةٍ بشكلٍ واضحٍ «[21]، وذلكَ بعد اجتهاداتٍ كثيرةٍ منْ قبلِ القضاءِ ، واقتراحاتٌ منْ قبلِ الفقه، فضلاً عنْ إصدارِ أحكامٍ قضائيةٍ بهذا الخصوصِ ومنها الحكمُ القضائيُ الصادرُ منْ محكمةِ باريس في ينايرَ 2000 ، بخصوصَ دعوى رفعتها موظفةٌ بحقِ مديرها السابقِ ، وتتلخصَ حيثياتها منحتْ موظفةً في شركةٍ ( Larousse - Rordas ) لربِ عملها نقلاً ثابتا لحقوقِ الطبعِ والنشرِ الخاصةِ بها في العامِ 1984 ، وتمَ فصلها في العامِ 1996 ، ثمَ قامتْ بإبطالِ نقلِ الحقوقِ ، وقدْ قبلٌ قضاةِ الدرجةِ الثانيةِ طلبها بالقولِ إنَ الموظفةَ كانتْ في حالةِ تبعيةٍ اقتصاديةٍ[22]، وكانتْ موافقتها على نقلِ الحقوقِ بسببِ خوفها منْ الفصلِ منْ العملِ ، وقدْ أيدتْ الغرفةُ الأولى لمحكمةِ النقضِ التي ترى أنَ استغلالَ حالةِ التبعيةِ الاقتصاديةِ قدْ يبطلُ العقدُ بالإكراهِ[23].
كما نجدُ أساسُ قانونٍ للإكراهِ الاقتصاديِ في القوانينِ التجاريِ للدولِ المقارنةِ ، فضلاً عما نصتْ عليهِ قوانينُ المنافسةِ ومنعِ الاحتكارِ فقدَ نصُ المشرعِ العراقيِ في القانونِ رقمٍ ( 14 ) لسنةِ 2010 في المادةِ ( 10 الفقراتِ 7,8,9 ) على وسائلِ إكراهِ وهيَ في حقيقتها تمثلُ إكراه اقتصاديٍ ، يمنَ أنْ يمارسها الطرفُ المتفوقُ اقتصاديا على الطرفِ الآخرِ[24]، كذلكَ نصَ المشرعِ المصريِ في قانونِ حمايةِ المنافسةِ ومنعِ الاحتكارِ رقمِ 3 لسنةِ 2004 المعدلَ بقانونِ 56 لسنةِ 2014 في الفقراتِ ( ب ، ه ) منْ المادةِ 8 [25].
أما المشرعُ الفرنسيُ فقدْ تحدثَ عنْ الاستغلالِ التعسفيِ للطرفِ الآخرِ في السوقِ أوْ الشركةِ المسيطرةِ التي تحتكرُ السلعةُ وترفضُ البيعَ دونَ مبررٍ قانونيٍ في نصِ L . 2 / 420 [26]، منْ قانونِ التجارةِ الفرنسيِ ، وهذا يمثلُ إكراه اقتصاديٍ مقنعٍ ، فضلاً عما نصتْ عليهِ المادةُ L . 9 / 430 على أنْ « يجوزَ لمجلسِ المنافسةِ في حالةِ الاستغلالِ التعسفيِ في حالةِ وضعٍ مهيمنٍ أوْ تبعيةٍ اقتصاديةٍ أنْ يطلبَ منْ وزيرِ الاقتصادِ بأنْ ينذرَ بقرارٍ مسببٍ لشركةِ أوْ مجموعةِ شركاتِ المعينةِ لتعديلٍ أوْ إكمالٍ أوْ إنهاءٍ في مدةٍ محددةٍ كلُ الاتفاقاتِ والتصرفاتِ التي نشأَ عنها تركيزُ القدرةِ الاقتصاديةِ التي تسمحُ بالاستغلالِ «[27]، كما تضمنت المبادئ المتعلقة بعقود التجارة الدولية تعريف الإكراه في المادة (3-2-6) التي تنص على أنه « بجوز لأحد الأطراف التمسك ببطلان العقد إذا كان ما دفعه إلى إتمام العقد هو تهديدات غير مبررة من الطرف الآخر، وكانت هذه التهديدات –بالنظر إلى الظروف المحيطة – حالة وخطيرة بحيث لا تجعل للطرف الأول بديلًا معقولًا، ويعتبر التهديد غير مبرر- بوجه خاص-إذا كان العمل، أو الامتناع الذي هدد به الطرف الآخر، غير مشروع في حد ذاته أو كان عدم المشروعية يلحق باستخدام هذا التهديد بهدف التوصل إلى إبرام العقد»[28]
نظرا للأهميةِ التي يتمتعُ بها الإكراهُ الاقتصاديُ وخاصةً في النشاطِ التجاريِ وتطورهِ بصورةٍ مطردةٍ وخاصةً في مجالِ التجارةِ الإلكترونيةِ ، نجد ضرورة أنْ يسعى الفقهاءُ إلى التقريبِ بينَ النصوصِ القانونيةِ الواردةِ في القانونِ المدنيِ العراقيِ وبينَ مفهومِ الإكراهِ الاقتصاديِ ، بحيثُ تؤدي الممارساتُ التي يمارسها المتعاقدُ ذو القوةِ الاقتصاديةِ على المتعاقدِ الآخرِ الذي يمثلُ الطرفُ الضعيفُ في التعاقدِ بطريقةٍ تعسفيةٍ في إجبارهِ على التعاقدِ أوْ القبولِ بشروطِ تعسفيةٍ ما كانَ يقبلها لولا تلكَ الظروفِ ؛ إلى أنْ تكونَ سببا لأبطالِ العقدِ .
وكذلكَ إذا كانَ العقدُ مستمرٌ التنفيذِ واستعملَ أحدُ أطرافِ التعاقدِ نفوذهُ الاقتصاديَ في إعادةِ التفاوضِ أوْ أدتْ ممارساتهِ إلى اختلالِ التوازنِ الاقتصادي؛ يمكنُ للطرفِ الضعيفِ اقتصاديًا، المطالبةِ أما بأبطال العقدِ أوْ طلبِ إعادةِ التوازنِ للعقدِ .
المبُحث الثاني
شروطٌ تحققَ الإكراهُ الاقتصاديُ
على الرغمِ منْ اعتبارِ الإكراهِ الاقتصاديِ صورةً منْ صورِ الإكراهِ المعنويِ ، فإنَ هذا لا ينفي خصوصيتهُ ، حيثُ يمكنُ أنْ يكونَ الإكراهُ الاقتصاديُ عندَ إبرامِ العقدِ ، أيْ عندَ نشأةِ العقدِ ، وكذلكَ يمكنُ أنْ يكونَ هناكَ إكراهٌ اقتصاديٌ في مرحلةِ تنفيذِ العقدِ ، لذلكَ تقضي خصوصيتهُ إلى أنْ يتمتعَ بجزاءٍ يختلفُ في كلِ حالةٍ منْ حالاتهِ ، كذلكَ اختلافَ شروطٍ تحققهُ إذا كانَ وقعَ الإكراهُ الاقتصاديُ عندَ إبرامِ العقدِ عما إذا وقعَ الإكراهُ أثناءَ تنفيذِ العقدِ ، لذا ندرسُ في هذا المطلبِ شوط تحققَ الإكراهُ الاقتصاديُ بواسطةِ فرعينِ نخصصُ الفرعُ الأولُ إلى شروطِ الإكراهِ عندَ إبرامِ العقدِ ، ونخصصُ الفرعَ الثانيَ إلى شروطٍ تحققَ الإكراهُ في مرحلةِ تنفيذِ العقدِ وعلى النحوِ الآتي :
المطلب الأولُ: شروط تحققَ الإكراهُ الاقتصاديُ عندَ إبرامِ العقد
لغرضِ أنْ يتحققَ الإكراهُ الاقتصاديُ لا بدَ منْ توافرِ شروطٍ تحققهُ عندَ إبرامِ العقدِ ، أيْ أنْ يكونَ هناكَ تهديدُ منشأٍ للرهبةِ ( الخوفُ ) تقعُ في نفسِ المتعاقدِ ، وأنْ يكونَ التهديدُ غيرُ مشروعٍ ، وأنْ يكونَ دافعا للتعاقدِ ، ولهُ صلةٌ مباشرةٌ بالمتعاقدِ الأخرِ ، لذا ندرسُ شروطٌ تحققَ الإكراهُ الاقتصاديُ وعلى النحوِ الآتي :
الفرع الأولُ: إنْ يكونَ التهديدُ غيرُ مشروعٍ
يجبَ أنْ يكونَ التهديدُ المنشأُ للرهبةِ ( الخوفُ ) غيرُ مشروعٍ وهذا ما عبرتْ عنهُ الموادُ القانونيةُ الخاصةُ بالإكراهِ في التشريعاتِ المقارنةِ ، رهبةٌ بعثها المتعاقدُ الآخرُ في نفسهِ دونَ حقٍ ، ويكون التهديدُ غيرُ مشروعٍ إما لعدمِ مشروعيةِ وسيلةِ التهديدِ ، وإما لعدمِ مشروعيةِ الغرضِ ، ويتحققَ ذلكَ عندما تكونُ الوسيلةُ غيرُ مشروعةٍ والغرضِ غيرِ مشروعٍ ، وهنا لا يثورُ أدنى شكٍ في تحققَ عدمَ مشروعيةِ التهديدِ ، على سبيلِ مثالِ أنْ يهددَ شخصٌ آخرُ بالقتلِ ، أوْ بإتلافِ المالِ ، أيْ الوسيلةِ غيرِ مشروعةٍ ، إذا لمْ يهبهُ مالاً لا يرغبُ صاحبَ المالِ بهبتهِ إليهِ أيَ الغرضَ غيرُ مشروعٍ .
ويمكنَ أنْ يكونَ التهديدُ غيرُ مشروعٍ إذا كانتْ الوسيلةُ مشروعةً والغرضُ غيرُ مشروعٍ ، وهذا لا يكفي لتكونِ الرهبةِ الناشئةِ عنْ التهديدِ دونَ حقِ مثالِ ذلكَ ، أنْ يهددَ شخصُ آخرَ بالتهديدِ بالأخبارِ عنْ جريمةٍ ارتكبها الأخر ، وهنا تكونُ الوسيلةُ مشروعةً إلا إذا دفعَ لهُ مبلغا منْ المالِ أوْ تنازلٍ عنْ دينٍ أوْ إجبارهِ على إبرامِ عقدِ فيهِ مصلحةُ مبالغٍ فيها لهُ على حسابِ مصلحةِ الطرفِ الآخرِ ، فالوسيلةُ هنا وهيَ تبليغُ السلطاتِ بالجريمةِ مشروعةً ، إلا أنَ الغرضَ غيرُ مشروعٍ ، ويكونَ بالحصولِ على شيءٍ ليسَ بحقٍ فتكون الرهبةُ ( الخوفُ ) لها أثرٌ في نفسِ المتعاقدِ ، وقدْ تكونُ الوسيلةُ غيرُ مشروعةٍ والغرضِ مشروعَ مثالها أنْ يهددَ الدائنُ مدينةً بالقتلِ ، هنا الوسيلةَ غيرُ مشروعةٍ ، إذا لمْ يفيِ بما عليهِ منْ دينٍ ، أيْ الغرضِ مشروعٍ فالوسيلةُ هنا غيرُ مشروعةٍ لكنَ الغرضَ مشروعَ هذا التهديدِ يكونُ منشأٌ للرهبةِ ويبعثُ الخوفُ في نفسِ المتعاقدِ دونَ حقٍ[29]
لا يكفي لتحقيقِ الإكراهِ وجودَ التهديدِ فحسبَ بلْ إنَ ينشأُ هذا التهديدِ الرهبةِ (الخوفُ)، وأنْ يكونَ قائما على أساسٍ ، أيُ اعتقادِ المهددِ أنَ خطرا جسيما محدقا بهِ أوْ بغيرهِ في النفسِ أوْ الجسمِ أوْ المالِ أوْ الشرفِ ، وهذا ما عبرتْ عنهُ المادةُ ( 113 ) مدنيٍ عراقيٍ بقولها « يجبُ لاعتبارِ الإكراهِ أنْ يكونَ المكرهُ قادرا على إيقاعِ تهديدهِ وأنْ يخافَ المكرهُ وقوعَ ما صارَ تهديدهُ بهِ بأنَ بغلب على ضنهُ وقوعَ المكرهِ بهِ إنَ لمْ يفعلْ الأمرُ المكرهُ عليهِ « ، وفي نفسِ الاتجاهِ ما جاءتْ بهِ المادةُ ( 127 / 2 ) مدنيٌ مصريٌ، أما[30]، درجةُ التهديدِ والإكراهِ الناشئِ عنهُ التي عبرتْ عنهُ المادةُ ( 114 ) مدنيٍ عراقيٍ[31]، تقديرها متروكٌ لسلطةِ القاضي التقديريةِ بالنظرِ إلى مدى تأثيرِ التهديدِ على المتعاقدِ نفسهُ وبظروفهِ الخاصةِ، ويكون هنا تحديدَ التهديدِ يخضعُ للمعيارِ الشخصيِ ، أيْ يكونُ التهديدُ منشأ للرهبةِ ( الخوفُ ) في نظرِ المهددِ لأفي نظرُ غيرهِ وتكونُ العبرةِ في الرهبةِ الناشئةِ عنْ الخطرِ وليسَ بالخطرِ ذاتهِ ، فلربما خطر مستقبلٍ تنشأُ عنهُ رهبةُ حالةٍ ، ويكون الإكراهُ دافعا للتعاقدِ ، لذا فإنَ معيارَ الرهبةِ الدافعةِ للتعاقدِ معيار شخصيٍ تراعى فيهِ الظروفُ الخاصةُ بمنْ وجهَ إليهِ التهديدُ وهوَ ما عبرتْ عنهُ الفقرةُ 3 منْ المادةِ ( 127 ) مدنيٍ مصريٍ[32].
ولا يشترطُ أنْ يكونَ الخطرُ حقيقيا ، وإنما قيامُ الرهبةِ حتى وإنْ كانَ الخطرُ وهميا وهذا يتفقُ معَ المعيارِ الشخصيِ الذي يقومُ عليهِ الإكراهُ بصورةٍ عامةٍ .
الفرع الثاني: إنْ يكونَ الإكراهُ دافعا للتعاقدِ
لغرضَ أنْ يكونَ الإكراهُ الاقتصاديُ معيبٌ للإرادةِ ، إنَ تكونَ الرهبةِ والخوفِ التي نشأتْ عنْ التهديدِ هيَ التي حملتْ الطرفَ الآخرَ على التعاقدِ ، أيْ إذا كانَ مختارا لا يقبلُ التعاقدُ ، لذا يكونُ الخوفُ منْ الأذى هوَ الدافعُ لإبرامِ العقدِ ، ويكون هناكَ علاقةٌ سببيةٌ بينَ التهديدِ ( الخوفُ ) والتعبيرُ عنْ الإرادةِ ، فإذا كانَ الشخصُ مخيرٌ بينَ التعاقدِ أوْ عدمِ التعاقدِ ، واختارَ أقلُ الضررينِ في هذهِ الحالةِ لمْ تكنْ الرهبةُ هيَ الدافعُ على التعاقدِ وبالتالي لمْ يتأثرْ رضاه، وهذا يتطابقُ معَ ما نصَ القانونُ؛ الأخذُ بالمعيارِ الشخصيِ في تقديرِ الرهبةِ ومراعاةِ تقديرِ الإكراهْ لجنسٍ منْ وقعَ عليهِ الإكراهْ ذكرَ أمَ أنثى وسنهِ وحالتهِ الاجتماعيةِ والصحيةِ .
الفرع الثالثُ: أنْ يكونَ الإكراهُ صادرٌ منْ المتعاقدِ الآخرِ
أنَ الرهبةَ الصادرةَ منْ المتعاقدِ الآخرِ هيَ التي تعيبُ الإرادةُ ، وتكون متحققةً دونَ شكٍ ، كما أنَ التهديدَ الصادرَ منْ نائبهِ أوْ صادرٍ منْ الغيرِ بناءً على تحريضِ منْ المتعاقدِ الآخرِ أوْ نائبهِ يعيبُ الإرادةَ ، أما إذا صدرَ منْ الغيرِ دونَ تحريضِ منْ المتعاقدِ أوْ نائبهِ فلا يعيبُ الإرادةَ ، إلا إذا كانَ المتعاقدُ الآخرُ يعلمُ بهِ أوْ يفترضُ أنْ يعلمَ بهِ ، ولمْ يتطرقْ المشرعُ العراقيُ إلى التهديدِ الصادرِ منْ الغيرِ في الموادِ القانونيةِ التي عالجَ بها الإكراهُ ، على خلافِ المشرعِ المصريِ الذي عالجَ الإكراهُ الصادرُ منْ الغيرِ في نصِ المادةِ ( 128 ) منْ القانونِ المدنيِ ، حيثُ نصتْ على أنهُ « إذا صدرَ الإكراهُ منْ غيرِ المتعاقدينَ ، فليسَ للمتعاقدِ المكرهِ أنْ يطلبَ إبطالُ العقدِ ، ما لمْ يثبتْ أنَ المتعاقدَ الآخرَ كانَ يعلمُ أوْ كانَ منْ المفروضِ حتما إنَ يعلمُ بهذا الإكراهِ « . أما المشرعُ الفرنسيُ فقدَ عدُ الإكراهِ سببا للبطلانِ أنْ صدرَ منْ الطرفِ الآخرِ أوْ الغيرِ وعبرَ عنْ ذلكَ في المادةِ ( 1142 ) التي تنصُ على أنهُ « الإكراهُ يكونُ سببا للبطلانِ ، سواءً مارسهُ الطرفُ الآخرُ أوْ الغيرِ«[33].
والجديرَ بالإشارةِ يخضعُ تقديرَ أثرِ التهديدِ المنشأِ للإكراهِ سواءُ صادرَ منْ المتعاقدِ الآخرِ أوْ الغيرِ إلى سلطةِ القاضي التقديريةِ ، وفي حالةِ عدمِ التفرقةِ بينَ الإكراهِ الصادرِ منْ المتعاقدِ والغيرِ ، ما دامَ هذا الإكراهِ جعلَ الإرادةَ غيرُ حرةٍ لا يهمُ أنْ نعرفَ منْ أينَ جاءَ .
المطلب الثاني: شروطٌ تحققَ الإكراهُ الاقتصاديُ في مرحلةِ تنفيذِ العقدِ
على الرغمِ منْ عدمِ إقرارِ الإكراهِ الاقتصاديِ كعيبِ منْ عيوبِ الإرادةِ ، إلا أنهُ يمكنُ تكيفهُ على أنهُ إكراهٌ معنويٌ وتطبق عليهِ أحكامُ الإكراهِ عندَ إبرامِ العقدِ ، إلا أنَ الصعوبةَ تكونَ عندما يكونُ هناكَ إكراهٌ في مرحلةِ تنفيذِ العقدِ في الرابطةِ العقديةِ التي يكونُ أحدُ طرفيها ذاتَ قوةٍ اقتصاديةٍ مقارنةً بالطرفِ الآخرِ في العقدِ ، لذلكَ لا بدَ منْ توفرِ شروطٍ تحققهُ إضافةٌ إلى شروطِ الأساسيةِ لوجودِ الإكراهِ بصورةٍ عامةٍ ، وقدْ وضعَ بعضُ الفقهِ شروطا لتحققْ الإكراهَ الاقتصاديَ في مرحلةِ تنفيذِ العقدِ ، وهيَ وجودُ رابطةٍ عقديةٍ بينَ الطرفينِ ، والحاجةُ الملحةُ للطرفِ المكرهِ في استمرارِ الرابطةِ العقديةِ ، أيْ يمثلُ استمرارَ الرابطةِ العقديةِ وانتظامها أهميةً كبيرةً للطرفِ المكرهِ[34]، لذا ندرسُ شروطٌ تحققَ الإكراهُ الاقتصاديُ في مرحلةِ تنفيذِ العقدِ على النحوِ الآتي :
الفرع الأولِ: وجودُ رابطةٍ عقديةٍ بينَ الطرفينِ
ويقصدَ بوجودِ علاقةٍ عقديةٍ بينَ الطرفينِ أيْ وجودِ عقدٍ صحيحٍ في مرحلةِ التنفيذِ ، يطلبَ أحدُ أطرافِ العقدِ تعديلَ الالتزاماتِ المتبادلةِ بينهما أوْ إعادةِ التفاوضِ ، مستغلا تفوقهُ الاقتصاديُ وحاجةُ الطرفِ الآخرِ في استمراريةِ العقدِ ويكونُ هناكَ إكراهٌ اقتصاديٌ منْ خلالِ تهديدِ الطرفِ الآخرِ بالفسخِ أوْ إيقافِ التنفيذِ ، ونجدُ ذلكَ في عقودِ الامتيازِ التي يكونُ فيها الطرفُ المانحُ للامتيازِ ذاتَ قوةٍ اقتصاديةٍ أكبرَ منْ الطرفِ الآخرِ الممنوحِ لهُ الامتيازُ ، ويكون هناكَ إكراهُ حتى لوْ كانَ التهديدُ بفعلٍ قانونيٍ ، كما في قضيةٍ CTN Cas and Carry Ltd v Gallaher ، التي جاءَ في حيثياتها أنَ شركةً CTN تعاقدتْ معَ Gallaher ، في العامِ 1994 لتزويدها بسكائرْ بموجبَ صفقاتٍ منتظمةً وكانتْ هذهِ الشركةِ المزودِ الوحيدِ لهذهِ العلامةِ التجاريةِ ، أيْ حقِ امتيازٍ وكانتْ كلُ صفقةٍ بعقدٍ مستقلٍ بموجبَ تسهيلاتٍ ائتمانيةً قدمها المزودُ ، فقامَ المزودَ بتسليمِ السكائرْ محلِ العقدِ الأولِ إلى عنوانٍ خاطئٍ وقدْ سرقتْ منهُ البضاعةُ قبلَ أنْ يكتشفَ خطئهِ في التسليمِ .
ثارَ نزاعُ بينَ الطرفينِ حولَ الجهةِ التي تتحملُ الخسائرُ الناتجةُ عنْ التسليمِ الخاطئِ للبضاعةِ ، إذْ ادعى المزودُ أنَ المسؤوليةَ انتقلتْ إلى المشتري لحظةَ التسليمِ ، وإنْ كانَ التسليمُ في المخازنِ الخاطئةِ ، وهددَ بعدمِ الاستمرارِ بتزويدِ المشتري في الصفقاتِ اللاحقةِ على وفقِ نفسِ التسهيلاتِ الائتمانيةِ السابقةِ ما لمْ يسلمْ ثمنُ البضاعةِ المسروقةِ ، ولغرضَ أنَ يتجنبُ المشتري الانقطاعُ بالتزويدِ ، قامَ المشتري بدفعِ ثمنِ البضاعةِ على الرغمِ منْ عدمِ تسلمها ، لاحقا قامَ المشتري برفعِ دعوى قضائيةٍ لاستردادِ المبلغِ المدفوعِ على أساسِ وجودِ إكراهٍ اقتصاديٍ لأنَ دفعَ المبلغِ كانَ لغرضِ المحافظةِ على استمرارِ الصفقاتِ الأخرى بنفسِ التسهيلاتِ الائتمانيةِ ، وجدتْ المحكمةُ أنَ الإكراهَ الاقتصاديَ قائمٌ على تهديدٍ غيرِ قانونيٍ[35].
نجدُ هنا أنَ الإكراهَ الاقتصاديَ حدثَ نتيجةَ وجودِ علاقةٍ عقديةٍ بينَ الطرفينِ ، نشأتْ بصورةٍ صحيحةٍ بدونِ إكراهٍ ، أيْ لا يوجدُ إكراهٌ عندَ إبرامِ العقدِ ، وإنما وجودُ الإكراهِ في مرحلةِ تنفيذِ العقدِ ، واستغلَ الطرفُ المتفوقُ اقتصاديا وهوَ الطرفُ المانحُ للامتيازِ تفوقهُ الاقتصاديَ وحاجةَ الطرفِ الآخرِ لاستمرار الرابطةُ العقديةُ ، وقدْ فرضَ على الطرفِ الآخرِ تحملَ خسائرِ التسليمِ الخاطئِ الذي تمَ منْ قبلهِ ، وهذا هوَ الإكراهُ الاقتصاديُ .
الفرع الثاني: الحاجةُ الملحةُ للطرفِ الثاني في استمرارِ العلاقةِ العقديةِ
إنَ ظهورَ الإكراهِ الاقتصاديِ نتيجةَ لسعيِ الفقهِ والقضاءِ الفرنسيِ لتوفيرِ أكبرِ قدرِ منْ الحمايةِ لإرادةِ المتعاقدينَ وتحقيقِ توازنٍ ماديٍ بواسطةِ التوسعِ في مفهومِ الإكراهِ المعنويِ ، إذْ يعدْ منْ قبيلِ الإكراهِ الاقتصاديِ أنْ يستغلَ أحدُ أطرافِ التعاقدِ تفوقهُ الاقتصاديَ بشكلٍ تعسفيٍ مستغلٍ الحالةِ الاقتصاديةِ للطرفِ الآخرِ وحاجتهُ الملحةَ لإبرامِ التعاقدِ أوْ لاستمرارِ العلاقةِ العقديةِ ؛ لعدمِ توفرِ البديلِ المناسبِ لهُ ، حيثُ لا يمكنُ اعتبارَ التفوقِ الاقتصاديِ لأحدِ أطرافِ العلاقةِ العقديةِ سببا إلى إبطالِ العقدِ ، كونَ عدمَ التكافؤِ الاقتصاديِ أمرا طبيعيا في مجالِ الأعمالِ التجاريةِ ، لذا فإنَ اختلالَ التوازنِ الذاتيِ الاقتصاديِ كونَ أحدُ أطرافِ التعاقدِ متفوقا اقتصاديا لا يمثلُ إكراها ، إلا إذا استغلَ هذا الطرفِ نفوذهُ الاقتصاديَ مستغلا خوفَ الطرفِ الآخرِ منْ الضررِ الذي يهددُ مصالحهُ المشروعةَ[36].
لذلكَ على المدعي بالإكراهِ الاقتصاديِ أنَ لا يستندُ في دعواهُ على وجودِ ضغطٍ غيرِ مشروعِ منْ قبلِ الطرفِ الآخرِ في العقدِ فحسبَ ؛ وإنما أنْ يثبتَ أنهُ لمْ يكنْ يملكُ البديلُ المناسبُ قبلَ الموافقةِ على الاتفاقِ الجديدِ ، أوْ حتى الموافقةِ على إعادةِ التفاوضِ ، وفي الكثيرِ منْ المحاكمِ الإنكليزيةِ عندما تطبقُ الإكراهَ الاقتصاديَ تستندُ إلى عدمِ توفرِ البديلِ المعقولِ لدى المكرهِ على التعاقدِ ومنْ القضايا التي أثيرتْ في هذا الجانبِ قضيةً North Ocean Shipping Co . Ltd . ضد Hyundai Construction Co . Ltd . تعاقدُ « أتلانتيكْ بارونَ « المدعي لبناءِ ناقلةِ نفطٍ معَ شركةٍ ( Hyundai ) وكانتْ عملةُ العقدِ الدولارِ الأمريكيِ ، وبسببَ انخفاضِ قيمةِ الدولارِ الأمريكيِ ، طالبَ المدعى عليهِ بزيادةِ عشرةٍ بالمائةِ في سعرِ العقدِ أثناءَ عمليةِ بناءِ الناقلةِ ، وافقَ المدعي الذي يطلبُ إكمالَ العقدِ في الوقتِ المناسبِ للوفاءِ بالتزاماتهِ بموجبَ عقدَ تأجيرٍ مفيدٍ معَ طرفِ ثالثٍ ، على دفعِ المبلغِ الزائدِ ، ولكنَ القاضيَ ( Mocatta ) ، استشهدَ مرةً أخرى بالحالاتِ السابقةِ واعترفَ بأنَ الإكراهَ قدْ يأخذُ شكلَ « الإكراهِ الاقتصاديِ « ، ورأى أنَ تعديلَ العقدِ هنا تمَ عنْ طريقِ الإكراهِ الاقتصاديِ[37].
نجدُ في هذهِ الدعوى استغلالَ الطرفِ المتفوقِ اقتصاديا وهيَ شركةٌ ( Hyundai ) ، استغلالُ التفوقِ الاقتصاديِ والحاجةِ الملحةِ للطرفِ الآخرِ في العقدِ وفرضِ شروطٍ إضافيةٍ وتحميلِ الطرفِ الآخرِ الآثارَ المترتبةَ على انخفاضِ قيمةِ الدولارِ التي تمثلُ عملةَ العقدِ التي لمْ ينصْ عليها عندَ إبرامِ العقدِ[38].
نجد في هذه الدعوى استغلال الطرف المتفوق اقتصادياً وهي شركة (Hyundai)، استغلال التفوق الاقتصادي والحاجة الملحة للطرف الأخر في العقد وفرض شروط اضافية وتحميل الطرف الأخر الأثار المترتبة على انخفاض قيمة الدولار التي تمثل عملة العقد التي لم ينص عليها عند إبرام العقد.
الخاتمة
النتائج:
يعد الإكراه الاقتصادي صورة من صور الإكراه المعنوي، واصبح له وجود تشريعي في القانون المدني الفرنسي بعد تعديله بموجب قانون 131 لسنة 2016، الذي جاء نتيجة مطالب فقهية وسوابق قضائية، وتوافقاً مع قوانين التجارة الدولية ( الاونسترال)، والتوجيه الأوربي الخاص بالتجارة الدولية.
يمكن أن يمارس الإكراه الاقتصادي من قبل الطرف المتفوق اقتصاديًا بوسائل غير مشروعة، أو بوسائل مشروعة لتحقيق غايات غير مشروع، وهنا يتحقق الإكراه للاقتصادي لوجود استغلال الحاجة الملحة للطرف الضعيف اقتصادياً.
يتحقق الإكراه الاقتصادي إذا مارس الطرف المتفوق اقتصادياً تهديده لإرادة الطرف الاخر في نفسه أو ماله، ويتحقق نفس الغرض إذا كان التهديد صادر منه أو من الغير بعلمه.
التوصيات:
نوصي المشرع العراقي أن ينص صراحة على الإكراه الاقتصادي في القانون المدني العراقي كعيب من عيوب الإرادة، ويكون لع أثر اشد من الأثر المترتب على الإكراه في القانون المدني الذي يجعل العقد موقوفا.
نوصي المشرع العراقي إلى تعديل قانون المنافسة ومنع الاحتكار العراقي رقم 14 لسنة 2010، وتضمينه نصوص صريحة على الإكراه الاقتصادي والأثر المترتب على تحققه.
المصادر:
جاك غستان، المطول في تكوين العقد، المؤسسة الجامعية للراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 2008.
حسن علي ذنون، النظرية العامة للالتزامات، بغداد،1976.
جوناثان ادواردز، الإكراه الاقتصادي، رادكليف تشامبرز، لندن، 2021.
عبد الرزاق السنهوري، الوسيط الجزء الأول، 1981.
عبد المجيد الحكيم، الموجز في شرح القانون المدني، الجزء الأول، مصادر الالتزام، ط4، 1974.
علاء أحمد صبح، أثر الإكراه الاقتصادي على التوازن العقدي، مجلة حقوق دمياط للدراسات القانونية والاقتصادية، كلية الحقوق، جامعة دمياط، العدد الثالث، 2021.
كريم كاظم علي، الإكراه الاقتصادي وأثره على العقد في القانونين العراقي والإنكليزي، مجلة العلوم القانونية، كلية القانون، جامعة بغداد، العدد الثاني 2019.
محسن عبد الحميد البيه، مصادر الالتزامات الارادية، الجزء الأول، دار النهضة العربية، القاهرة، 2017.
محمد حسن قاسم، قانون العقود الفرنسي الجديد، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2018.
منصور مصطفى منصور، محاضرات لطلبة كلية الحقوق، جامعة الكويت، 1989.
وليد بسيم عبود، تجديد العقد، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، ط1، 2018.
References
Ripert (G) La réglé morale dans les obligations civiles L G D I n46
Virassamy, (G), les contrats de dépendance Essai sur les activités professionnelles exercées dans une dépendance économique perf. J. Ghestin, LGDJ, Bibldr, punt, t 190. 1986.
Gordon (D.) Economic Duress by Threatened Breach of Contract, 1974.
Cass civ Ière, 3 avril 2002, Bull civ I
Sources:
Jacques Gustan, The Complete Book on Contract Formation, University Institution for Studies, Publishing and Distribution, Beirut, 2008.
Hassan Ali Dhanoun, The General Theory of Obligations, Baghdad, 1976.
Jonathan Edwards, Economic Coercion, Radcliffe Chambers, London, 2021.
Abdel Razzaq Al-Sanhouri, The Mediator, Part One, 1981.
Abdel Majeed Al-Hakim, A Brief Explanation of Civil Law, Part One, Sources of Obligation, 4th ed., 1974.
Alaa Ahmed Sobh, The Impact of Economic Coercion on Contractual Balance, Damietta Law Journal for Legal and Economic Studies, Faculty of Law, Damietta University, Issue Three, 2021.
Karim Kazem Ali, Economic Coercion and Its Impact on the Contract in Iraqi and English Law, Journal of Legal Sciences, Faculty of Law, University of Baghdad, Issue Two 2019.
Mohsen Abdel Hamid Al-Bayeh, Sources of Voluntary Obligations, Part One, Dar Al-Nahda Al-Arabiya, Cairo, 2017.
Muhammad Hassan Qasim, The New French Contract Law, Al-Halabi Legal Publications, Beirut, 2018.
Mansour Mustafa Mansour, Lectures For Law Students, Kuwait University, 1989.
Walid Bassem Abboud, Contract Renewal, Al-Halabi Legal Publications, Beirut, 1st ed., 2018.
Foreign Sources:
Ripert (G) The moral rule in civil obligations L G D I n46
Virassamy, (G), Contracts of Dependence Essay on professional activities performed in an economic dependence perf. J. Ghestin, LGDJ, Bible, punt, t 190. 1986.
Gordon (D.) Economic Duress by Threatened Breach of Contract, 1974.
Cass civ Ière, April 3, 2002, Bull civ I
[1] Tout homme se trouve plus ou moins done is société de nécessité de contracter car il ne peut vivre sans contracter. Ripert (G) La réglé morale dans les obligations civiles L G D I n46
[2] محسن عبد الحميد البيه، مصادر الالتزامات الارادية، الجزء الأول، دار النهضة العربية، القاهرة، 2017، بند 214، ص333.
[3] Art 1141 ‘’La menace d’une voie de droit ne constitue pas une violence. Il en va autrement lorsque la voie de droit est détournée de son but ou lorsqu’elle est invoquée ou exercée pour obtenir un avantage manifestement excessif.’’
[4]الاكراه المعنوي: هو الإكراه الذي لا يعدم الإرادة إذ يبقي لمن وقع عليه أن يختار بين أمرين إما أم يتحمل الأذى المهدد بهن وإما يرضى بالعقد وخوفاً من الأذى يختار التعاقد، فتكون الإرادة موجودة ولكنها معيبة من حيث مدى الحرية في الاختيار فيوجد العقد لكنه قابل للأبطال. محسن عبد الحميد البيه، النظرية العامة للالتزامات، مصادر الالتزام، الالتزامات الارادية، دار النهضة العربية، القاهرة، 2017، ص329.
[5] Art 1140 ‘’ Il y a violence lorsqu’une partie s’engage sous la pression d’une contrainte qui lui inspire la crainte d’exposer sa personne, sa fortune ou celles de ses proches à un mal considérable’’
[6] حيث عد الدكتور حسن علي ذنون إن تعريف المشرع تعريف لغوي والاجدر أن يؤخذ بتعريفه للإكراه. حسن علي ذنون، النظرية العامة للالتزامات، بغداد، 1976، ص88.
[7] عبد المجيد الحكيم، الموجز في شرح القانون المدني، الجزء الأول، مصادر الالتزام، ط4، 1974، ص123.
[8] نقض مدني، مجموعة المكتب الفني، السنة 34، ق382، جلسة 25/11/1981، ص2101.
[9] عبد الرزاق السنهوري، الوسيط الجزء الأول، 1981، بند 187، ص442.
[10] محسن عبد الحميد البيه، النظرية العامة للالتزامات الإرادية، المرجع السابق، بند 209، ص327.
[11] النفوذ الأدبي يتمثل في الخشية والاحترام المفرط الذي يشعر به شخص اتجاه شخص أخر بحكم القرابة أو العمل، مثال ذلك كنفوذ الأب على أبنه والزوج على زوجته، وهذا لا يكفي لوجود الإكراه إلا إذا كان هناك تهديد. المرجع نفسه، بند 215، ص335.
[12] Art 1141 ‘La menace d’une voie de droit ne constitue pas une violence. Il en va autrement lorsque la voie de droit est détournée de son but ou lorsqu’elle est invoquée ou exercée pour obtenir un avantage manifestement excessif’’
[13] Art 1140 ‘Il y a violence lorsqu’une partie s’engage sous la pression d’une contrainte qui lui inspire la crainte d’exposer sa personne, sa fortune ou celles de ses proches à un mal considérable.
[14] جاك غستان، المطول في تكوين العقد، المؤسسة الجامعية للراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 2008، ص633.
[15] “ That economic duress only be found where the exercise of pressure leaves the coerced party with no practical alternative but to submit
[16] علاء أحمد صبح، أثر الإكراه الاقتصادي على التوازن العقدي، مجلة حقوق دمياط للدراسات القانونية والاقتصادية، كلية الحقوق، جامعة دمياط، العدد الثالث، 2021، ص635.
[17] Gordon (D.) Economic Duress by Threatened Breach of Contract, 1974, p554.
[18] كريم كاظم علي، الإكراه الاقتصادي وأثره على العقد في القانونين العراقي والإنكليزي، مجلة العلوم القانونية، كلية القانون، جامعة بغداد، العدد الثاني 2019، ص295.
[19] المادة 114 من القانون المدني العراقي نصت على أنه «يختلف الإكراه باختلاف أحوال الأشخاص وسنهم وضعفهم ومناصبهم ومراكزهم الاجتماعية ودرجة تأثرهم وتألمهم من الحبس والضرب كثرةً وقلةً وشدة وضعفًا»
[20] Art 1143 ‘Il y a également violence lorsqu’une partie, abusant de l’état de dépendance dans lequel se trouve son cocontractant à son égard, obtient de lui un engagement qu’il n’aurait pas souscrit en l’absence d’une telle contrainte et en tire un avantage manifestement excessif.’’
[21] د. محمد حسن قاسم، قانون العقود الفرنسي الجديد، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2018، ص56.
[22]العقد التبعي: العقد الذي يتكون نتيجة وجود علاقة قانونية سابقة على إنشائه، كعقد الكفالة الشخصية والعينية، وعقد الرهن، وعقد التجديد، وعقد الصلح، كونها عقودًا تبعيةً لا توجد بحد ذاتها، ولكنها تكون نتيجة لعقود سابقة وعلاقة قانونية سابقة على تكوينها. وليد بسيم عبود، تجديد العقد، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، ط1، 2018، ص141.
[23]Cass civ Ière, 3 avril 2002, Bull civ I, n° 108.
[24] المادة (10) قانون المنافسة ومنع الاحتكار العراقي الفقرة سادساً «التمييز بين العملاء في العقود المتشابهة بالنسبة لأسعار السلع والخدمات أو شروط بيعها وشرائها» الفقرة سابعاً «ارغام عميل لها على الامتناع على التعامل مع جهة منافسة لها» الفقرة ثامناً « رفض التعامل دون مسوغ قانوني مع عميل معين بالشروط التجارية المعتادة»
[25] المادة (8) قانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار المصري، الفقرة (ه) نصت على أن «الامتناع عن الاتفاق أو التعاقد على المنتجات مع أي شخص أو وقف التعامل معه على نحو يؤدي إلى الحد من حريته في دخول السوق أو البقاء فيه أو الخروج منه في أي وقت»
[26]Art L.420 /2 ‘’Est prohibée, dans les conditions prévues à l’article L. 420-1, l’exploitation abusive par une entreprise ou un groupe d’entreprises d’une position dominante sur le marché intérieur ou une partie substantielle de celui-ci. Ces abus peuvent notamment consister en refus de vente, en ventes liées ou en conditions de vente discriminatoires ainsi que dans la rupture de relations commerciales établies, au seul motif que le partenaire refuse de se soumettre à des conditions commerciales injustifiées’’.
[27] Art L.430/9 ‘’L’Autorité de la concurrence peut, en cas d’exploitation abusive d’une position dominante ou d’un état de dépendance économique, enjoindre, par décision motivée, à l’entreprise ou au groupe d’entreprises en cause de modifier, de compléter ou de résilier, dans un délai déterminé, tous accords et tous actes par lesquels s’est réalisée la concentration de la puissance économique qui a permis les abus même si ces actes ont fait l’objet de la procédure prévue au présent titre’’.
[28] قواعد الاونسترال لسنة 1996.
[29] منصور مصطفى منصور، محاضرات لطلبة كلية الحقوق، جامعة الكويت، 1989، ص97.
[30] المادة 127 الفقرة الثانية تنص على أن “ وتكون الرهبة قائمة على أساس إذا كانت ظروف الحال تصور للطرف الذي يدعيها أن خطرا جسيما محدقا يهدده هو أو غيره في النفس أو الجسم أو الشرف أو المال”
[31] المادة 114 مدني عراقي نصت على أنه «يختلف الإكراه باختلاف الأشخاص وسنهم وضعفهم ومناصبهم ومراكزهم الاجتماعية ودرجة تأثرهم وتألمهم من الحبس والضرب كثرةً وقلةً وشدةً وضعفاً»
[32] المادة 127 الفقرة 3 مدني مصري نصت على أنه “ ويراعى في تقدير الإكراه جنس من وقع عليه هذا الإكراه وسنه وحالته الاجتماعية والصحية وكل ظرف آخر من شأنه أن يؤثر في جسامة الإكراه”
[33] Art 1142 ‘La violence est une cause de nullité qu’elle ait été exercée par une partie ou par un tiers’’
[34] intuitive que conceptuelle, la dépendance économique est pourtant difficile à saisir. Le Professeur Virassamy, le premier, s’est attelé à la délicate tâche d’en proposer une définition. Il en a dégagé trois critères : l’existence d’un lien Contractuel entre les parties, l’importance des liens contractuels pour l’existence ou la survie de l’assujetti, la permanence ou la régularité des liens contractuel . Virassamy, (G), les contrats de dépendance Essai sur les activités professionnelles exercées dans une dépendance économique perf. J. Ghestin, LGDJ, Bibldr, punt, t 190. 1986. N185. P133.
[35] مشار إليه، د كريم كاظم علي، المرجع السابق ص298.
[36] جوناثان ادواردز، الإكراه الاقتصادي، رادكليف تشامبرز، لندن، 2021، ص5.
[37] جوناثان ادواردز، الإكراه الاقتصادي، رادكليف تشامبرز، لندن، 2021، ص5.
[38] In North Ocean Shipping Co. Ltd. v. Hyundai Construction Co.Ltd. “Atlantic Baron” the plaintiff contracted for the construction of a tanker. During construction, because of a devaluation in the American dollar, the defendant demanded a ten percent increase in the contract price. The plaintiff, requiring timely completion to fulfill its obligations under an advantageous charter contract with a third party, agreed to pay the increased amount “without prejudice.” Mocatta J., again citing the other cases and recognizing that compulsion may take the form of “economic duress,” held that the contract modification here had been procured by economic duress