حقوق الطباعة محفوظة لدى مجلة كلية القانون والعلوم السياسية في الجامعة العراقية

حقوق الملكية الفكرية محفوظة للمؤلف

حقوق النشر محفوظة للناشر (كلية القانون والعلوم السياسية - الجامعة العراقية)

CC BY-NC-ND 4.0 DEED

Printing rights are reserved to the Journal of the College of Law and Political Science at Aliraqia University

Intellectual property rights are reserved to the author

Copyright reserved to the publisher (College of Law and Political Science - Aliraqia University)

Attribution – Non-Commercial – No Derives 4.0 International

For more information, please review the rights and license

DOI:10.61279/zjkdzy82

التعويض عن الحرمان من منافع الاعيان بأجر المثل

(العودة الى الاصول)

د. درع حماد

جامعة الفلوجة / كلية القانون

مقدمة:

قضت المادة (197)من القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951 بأن المغصوب اذا كان عقارا يلزم الغاصب رده الى صاحبه مع أجر مثله، فأجر المثل يكون عن المنافع التي يحرم الغاصب مالك العقار أو المنقول منها ، فاذا استطالت مدة الغصب استطال الحرمان من المنافع، ولهذا يستطيع المالك أن يطالب بأجر المثل عن حرمانه من ملكه ويكرر هذه المطالبة عن الفترات الزمنية اللاحقة الى أن يعيد الغاصب العقار المغصوب الى صاحبه ، ويستوي في ذلك أن يكون الغاصب فردا من افراد المجتمع أو أحدى مؤسسات الدولة أو وزاراتها، وقد استقر قضاء محكمة التمييز على الحكم بأجر المثل لعقود ومنذ تشريع قانوننا المدني ووضعه موضع التطبيق. وتحفل المجموعات القضائية التي كانت تتضمن أحكام محكمة التمييز كثيرا من هذه الاحكام ، سواء كان ذلك من خلال النشرة القضائية التي صارت لاحقا مجموعة الاحكام العدلية التي يصدرها المكتب الفني بمحكمة التمييز أو التي يتفضل بعض السادة المحامين أو القضاة بجمعها ونشرها.

الا أنه ظهر اتجاه غريب لمحكمة التمييز ممثلة في هيئتها الموسعة يخالف النصوص القانونية ويخالف ما استقر عليه قضاؤها ردحا طويلا من الزمن وهو وجوب التعويض عن وضع دوائر الدولة ومؤسساتها يدها على عقارات الغير لمرة واحدة وليس في صورة أجر مثل، وكانت الذرائع التي تسبب فيها المحكمة أحكامها هي : أولا، عدم إمكان إزالة المنشات المشيدة على أرض الغير والثاني: أن المنشات المشيدة تهدف الى تحقيق المصلحة العامة ، وهو تسبيب غريب لا تسنده أحكام القانون  في شيء، فالمشرع هو من يقرر اعتبارات المصلحة العامة وفي نفس الوقت يحمي حق الملكية المقرر للافراد دستوريا وقانونيا ، لكن محكمة التمييز في أحكامها المشار اليها أخذت الموضوع بعيدا وتواترت أحكامها، بما يوحي ان ذلك أصبح اتجاها مستقرا لديها ، فالمغصوب منه عليه أن يطالب بالتعويض لمرة واحدة ، وهنا نقف أمام مشكلة كيفية مثل هذا التقدير وما الأسس التي يتم الاستناد اليها في تقدير التعويض لمرة واحدة، أما اذا أصر المالك (المدعي) على المطالبة بأجر المثل فترد دعواه، وهنا مشكلة أخرى، فالمالك يحرم من منافع ملكه وهو محروم من ملكه ذاته بدون أي معالجة لحرمانه من هذا الملك ومنافعه، فأصبح وضع اليد غير المشروع نوعا من نزع الملكية  ، من الناحية الفعلية، لكنه بغير مقابل أو مقابل يسير لا يغني ولا يسمن.

لكن يبدو أن الأمر لم يستمر على المنوال الجديد الذي سارت عليه محكمة التمييز بضع سنين، فقد وقع بين يدينا القرار الذي سنشير اليه بعد قليل عالج بعضا من مشكلات التوجه السابق لكنه لم يحل المشكلة كاملة وعلى النحو الاتي

أولا: الوقائع.

تتحصل وقائع الدعوى كما اظهرها الحكم محل التعليق في قيام جهة حكومية بوضع اليد على عقار يعود للافراد وقامت بتشييد مستشفى عليه، فطالب المالك بأجر المثل عن الحرمان من منافع الملك، فقررت محكمة الاستئناف رد الدعوى على أساس أن ما يحكم به في مثل هذه الحالات هو التعويض لمرة واحدة ولما رفض المدعون التحول الى المطالبة بالتعويض لمرة واحدة وتمسكوا بأجر المثل فكان حكمها رد الدعوى، فطعن المدعون بحكم محكمة الاستئناف تمييزاً، فصدر القرار التمييزي كما في الفقرة الاتية.

ثانيا: الحكم التمييزي.

الحكم الصادر من محكمة التمييز بالعدد :3/الهيئة الموسعة المدنية/ 2024 في 17/1/2024 والذي جاء فيه «....إن دعوى المدعين قد انصبت على الزام المدعى عليه اضافة لوظيفته بأجر مثل القطعة  العائدة لهم والمرقمة ( ؟ ) والبالغ مساحتها (5 دونم و 8 أولك و 40 م) للفترة من 7/6/2018 ولغاية إقامة الدعوى ولان الثابت أن المدعيين  تمسكوا  بالمطالبة بأجر المثل وقد رفضوا التحول للمطالبة بالتعويض لمرة واحدة وإزاء ذلك قررت محكمة الاستئناف بصفتها الاصلية رد دعوى المدعيين لعدم استحقاقهم لأجر المثل، لأن العقار العائد لهم تم استغلاله ببناء مستشفى من قبل المدعى عليه اضافة لوظيفته وهي من المرافق العامة والذي يتسبب إزالتها بالضرر العام ولأن الأضطراد بدفع أجر المثل يؤدي الى ضرر عام أيضا وقد خلصت الى أن المدعين يستحقون التعويض لمرة واحدة أسوة بالعقارات الاخرى المتجاوز عليها من قبل وزارة الكهرباء والدوائر التابعة لها والدوائر المتعلقة بمشاريع مد أنابيب المياه والمجاري . ووجهة النظر المتقدمة جدل في غير محله وقياس مع الفارق لأن مفهوم التعويض لمرة واحدة  هو تعويض لملك العقار وصاحب حق التصرف  مقابل وضع اليد من قبل دوائر الدولة يدها على العقار أو جزء منه  دون إتباع الالية القانونية المرسومة في قانون الاستملاك  وهذا التعويض نص عليه قانون الكهرباء فقط وتم الأخذ به من قبل القضاء العراقي في حالات مشابهة وبنطاق محدود ومنها مشاريع الماء والمجاري وهذا المبدأ استثناء من أصل عام  بوجوب دفع أجر المثل  لصاحب العقار عند قيام دوائر الدولة بوضع يدها دون مسوغ قانوني على ملكه والاستثناء  لا يجوز التوسع به والقياس عليه اذ أن الاخذ به فيما يتعلق بمشاريع الكهرباء والماء والمجاري  يرتبط بطبيعة الوجود المادي لمعدات وأدوات عمل هذه المشاريع إذ أنها لا تقتصر على بقعة جغرافية محددة يمكن استملاك مساحتها وفقا للقانون بل تمتد هذه المواد والمعدات بسلسلة مترابطة وتخترق مئات الكيلومترات في أنحاء البلاد شمالا وجنوبا، شرقا وغربا وبمساحات صغيرة في غالب الاحيان مما يتعذر استملاكها من الناحية المادية وجعلها وحدة عقارية مستقلة وعلى سبيل المثال فإن أعمدة الكهرباء وأبراجها لا يتجاوز مساحة نصب العمود  أو البرج أكثر من 2م2 ان لم تكن أقل من ذلك فلا يقبل منطقا استملاك مساحة قدرها 1م2 أو 2م2 أو أقل من ذلك على طول مسار الاعمدة الكهربائية أو أنابيب المياه والمجاري   والتي تمتد الى ما لانهاية ، فلهذه الاسباب تم تبني مبدأ التعويض لمرة واحدة لصاحب العقار الذي تم التجاوز عليه وإشغاله بمشاريع تتعلق بمد أنابيب الماء والمجاري والكهرباء أما غير ذلك وامكانية استملاك الجزء المتجاوز عليه فان مالك العقار يستحق أجر المثل ولأن القطعة موضوعة الدعوى محددة المساحة ويمكن لدائرة المدعى عليه اضافة لوظيفته بطلب استملاكها فيكون ملزما بدفع أجر المثل  للفترة التي وضع يده عليها تجازوا ولما كان الحكم المميز قد صدر خلاف ذلك  قررت المجكمة نقض الحكم المميز واعادة اضبارة الدعوى الى محكمتها للسير فيها على المنوال المتقدم شرحه....».

ثالثا: التعليق

يمثل الحكم الصادر من محكمة التمييز بحيثياته المشار اليها في متنه تحولا عن إتجاه قضائي استمر بضع سنوات ولكنها عدلت عنه، وهو عدول محمود يمثل، في تقديرنا، التطبيق الصحيح للقانون، فقد سبق لنا وأن انتقدنا مثل هذا التوجه لانه يهدر حق المالك في التمتع بحق ملكيته وحرمانه من منافع ملكه بما يخالف النصوص الدستورية والقوانين النافذه التي تؤكد على حماية حق الملكية، ورغم سلامة التوجه الجديد الا انه توجه ناقص لا يكمل للمالك متطلبات حماية حقه وهو رد العقار الى صاحبه كجزاء يترتب على وضع اليد على عقارات الافراد بغير حق وعلى النحو الاتي:

استقر قضاء محكمة التمييز، منذ تطبيق قانوننا المدني ،على تطبيق الجزاء المقرر قانونا على غصب الملكية العقارية وهو الزام الغاصب برد المال المغصوب والتعويض عن الحرمان من منافعه  فضلا عن التعويض عن الاضرار الاخرى إن وحدت، وهذا الحرمان يتم تعويضه من خلال أجر المثل عن كل مدة يتأخر فيها الغاصب عن رد العقار الى مالكه، لأن كل تأخير يعتبر حرمانا من المنافع. ذلك أن وضع الغاصب يده على الشيء يترتب عليه عدم قدرة المالك على الوصول الى الشيء للتمتع بمنافعه فيحرم من هذه المنافع. ويستوي في ذلك أن يكون الغاصب فردا من الافراد أو مؤسسة من مؤسسات الدولة، فلم نلحظ تمييزا في المعاملة بين الدولة وبين الافراد تجاه واقعة الغصب، وعدم التمييز هذا من سمات القانون الخاص، فهذا القانون يعامل الدولة بحسبانها شخصا عاديا لا تتمتع بأي مزايا يجعلها تتفوق على الافراد، فعقود الدولة وأعمالها المادية التي تلحق ضررا بالافراد لا تعامل فيها الدولة الا منزوعة السيادة والقوة والسلطان، وليس ثمة ذريعة تتيح للدولة ان تفتأت على حقوق الافراد وممتلكاتهم، بل يتعين أن تكون هي المنارة التي يستهدي بها الافراد في كيفية احترام القانون وتطبيقه بعدم الاعتداء على أموال الافراد، وهي ، في كل الاحوال، إن كانت بحاجة الى أملاك الافراد، فان القانون رسم لها طريقا واضحا لذلك من خلال قانون خاص هو قانون الاستملاك رقم (12) لسنة 1981.

أصدرت محكمة التمييز في السنوات القليلة الماضية أحكاما غريبةً عن مدلول النصوص القانونية المنظمة لغصب العقار والتي أوجبت رد العقار المغصوب الى صاحبه مع أجر مثله، ويلحظ رجال القانون أن المشرع أعطى اهتماما لغصب العقار أكثر من المنقول، ليس بسبب عدم أهمية المنقول وانما لأن بعض مذاهب الفقه الاسلامي وتحديدا المذهب الحنفي ترفض امكانية تصور غصب العقار، ولما كان الفقه الاسلامي مصدرا تاريخيا ومصدرا احتياطيا للقانون المدني العراقي، فقد خشي أن يتضارب الرأي في مدى وقوع الغصب على العقار ومدى التعويض عن الحرمان من منافعه فجاء النص صريحا بوقوع الغصب على العقار ووجوب رده مع أجر مثله، وإعراض المشرع عن ذكر غصب المنقول ووجوب التعويض عن الحرمان من منافعه، لأنه اعتقد أن الامر تحكمه القواعد العامة فكل ضرر يجب التعويض عنه والحرمان من منافع الاعيان يجب التعويض عنه، والاختلاف الذي أراد المشرع تفاديه بشأن أجر المثل عن الحرمان من منافع العقار ظهر بالنسبة للمنقول، فذهب البعض أنه لما كان المشرع قد أشار بشكل صريح الى وجوب الحكم بأجر المثل عن الحرمان من منافع العقار وعدم أشارته الى مصير منافع المنقول يشير بمفهوم المخالفة أنه لا تعويض عن الحرمان منافع المنقول، وهذا الرأي الاخير يخالف قواعد استباط الاحكام ، فليس كل حكم يقرره المشرع يؤخذ منه مفهوم مخالفة، فمفهوم المخالفة لا يستعمل في الاحكام التي تقرر حكما عاما، والتعويض عن منافع العقار يعد حكما عاما وليس حكما خاصا أو استثنائيا، ولهذا لا يمكن القول بوجود حكم نقيض يخص المنقولات المغصوبة بعدم التعويض عن الحرمان من منافعها، فيستوي في الغصب أن يكون المغصوب عقارا أو منقولا ، فيلزم الغاصب برده مع أجر مثله، وما سكوت المشرع عن هذه الجزئية الا انها تخضع للحكم العام، وأما ذكره للعقارات على وجه الخصوص فهو لتلافي التفسيرات المتضاربة. ويبدو أن محكمة التمييز الموقرة تتبنى هذا الفهم الضيق للنصوص المتعلقة بالغصب ، فقد أصدرت الهيئة المدنية الحكم:2778/الهيئة المدنية/2018 في 9/4/2018 قضت فيه «..  أن أجر المثل يحكم به عند غصب العقار لصراحة النصوص....». وقد يكون مثل هذا الحكم موضوعا لتعليق مستقل.

تهافت أسباب الحكم بالتعويض لمرة واحدة. كانت محكمة التمييز تبرر التعويض لمرة واحدة، بأن المشروعات المشيدة على أرض الافراد هي مشروعات عامة ومن ثم لا يمكن إزالتها ، كما أن هذه المشروعات هي مرافق تستهدف تحقيق المصلحة العامة، وسبق لنا أن اشرنا الى عدم وجاهة هذه الاسباب مفصلا في تعليق لنا نشر في العدد (8) تشرين الاول 2020 مجلة كلية القانون والعلوم السياسية كما صدر مع كتابنا تعليقات على الاحكام ، الجزء الاول الصادر عن مكتبة الصباح القانونية، فنحيل اليه منعا للتكرار.

 فمفهوم التخصيص للمنفعة العامة يرتبط بأملاك الدولة وليس أملاك الافراد، كما أن الحاجة الى عقارات الافراد من أجل تنفيذ المشروعات العامة قد رسم له القانون طريقا محددا للحصول عليها وهو الاستملاك، بل بلغت عناية المشرع أن خصص قانونا لتنظيم الاستملاك وإجراءاته ، وأناط مهمة تطبيق القانون بالقضاء لضمان عدم انحراف المكنة التي اعطاها المشرع للمؤسسات الحكومية لاستملاك عقارات الافراد عن المصلحة العامة، فاعطى للقضاء رقابة على هذه الغاية ، فالاستملاك يرتبط بتحقيق المصلحة العامة لكي تؤدي المرافق العامة غاياتها بإشباع حاجات الجمهور، لا أن يكون القانون وسيلة للكيد أو الاضرار بالافراد، كما اعطى للقضاء تقدير التعويض المستحق عن حرمان المالك من ملكه، ولهذا فان المؤسسة التي تجد أن تنفيذ نشاطها يتطلب استملاك عقارات الافراد عليها أن تتقدم بطلب استملاكه أمام محكمة البداءة التي يقع العقار في دائرة اختصاصها. ولهذا فان المصلحة العامة ليست ذريعة للتملص من رد العقار الى صاحبه ولا سببا لرد دعواه بأجر المثل عن حرمانه من منافع ملكه.

إن وجود طريق الاستملاك المنظم قانونا ينزع عن أعمال وضع اليد على عقارات الافراد كل مشروعية ويبقى عملا من أعمال الغصب يتعين أن يواجه بأحكام قانونية صارمة، نظمها القانون بشكل دقيق سواء كان وضع اليد من قبل الافراد أو من قبل الدولة ، ووجود مثل هذه الاعمال يؤشر جهلا من قبل ادارات هذه المؤسسات أو ضعفا من المستشارين أو الموظفين القانونيين أو استهتارا بحق الملكية المحمي دستوريا ومدنيا وجنائيا، ونحن لا نعدم في مجتمعنا وجود مثل هذه الفئات من الموظفين.

إن التعويض لمرة واحدة ينطوي على عدم مشروعية ذاتية ، فالحكم بالتعويض يقتضي تقديره أولا، لكن على أي أساس يتم تقدير هذا التعويض؟

الاصل أن مثل هذا التعويض يتم تقديره على أساس الحرمان من منافع الملك، لكن كان القضاء يرفض مثل هذا التعويض ويقضي برد الدعوى اذا أصر المدعي على الحكم له بأجر المثل، لكن تحديد نطاق هذا التعويض ومداه يثير مشكلة، فهل هو تعويض عن الحرمان من حق الملكية ، الجواب على ذلك هو كلا ، لان الجهة الغاصبة لم تتملك العقار وهي لم تطلب تملكه ، ولو كانت قد طلبت تملك العقار لانتهى الموضوع بغير مشكلة، اذن كيف يتم التعويض لمرة واحدة؟

أن التصور المعقول هو أن يتم التعويض على الفترة السابقة على وضع اليد على العقار لحين إقامة الدعوى ، لكن ذلك التعويض لا يشمل ذلك أي مدة لاحقة.

 لكن مثل هذا الافتراض يعوزه الاساس المنطقي المعقول، فما دامت المدة السابقة على رفع الدعوى تمت تغطيتها بالتعويض ، فان المنطق يقتضي الاستمرار بمنح المدعي حق المطالبة بالتعويض عن المدد اللاحقة، وهذا هو أجر المثل، واذا لم يكن التعويض في صورة أجر المثل وانما تقديرا لمرة واحدة فعلى ماذا يقوم تقدير هذا التعويض؟ وما هي العناصر التي تؤخذ بنظر الاعتبار في تقديره؟

الواقع اننا لا نجد منهجا أو طريقا يتحدد بموجبه التعويض لمرة واحدة ، وماذا يقول الخبراء في بيان الأسس التي قام عليها تقديرهم؟ هذه اسئلة لا تحتاج الى إجابة ذلك أن تقدير التعويض لمرة واحدة لا يقوم على أساس، فهو أما تقدير رقبة الأرض وهي لم يمسها أحد أو تعويض عن الحرمان من المنافع وهو ما كانت ترفضه محكمة التمييز، يبدو أنه نوع أخر من التعويض لا يعرفه القانون الى الان.

إن التعويض الذي يجبر الضرر هو التعويض الكامل، ولا يكون التعوبض كاملا الا إذا كان متكافئا مع الضرر، وتعبر محكمة النقض المصرية عن ذلك بعبارة بليغة هي «.... أن يكون هذا التقدير قائما على أسباب سائغة حتى يتوازن التعويض مع العلة من فرضه، بحيث يكون متكافئا مع الضرر ليس دونه وغير زائد عليه مستهديا في ذلك بكافة الظروف والملابسات في الدعوى»[1]. فهل حرمان المالك من منافع ملكه يمثل تعويضا كاملا غير منقوص اذا حرم من المطالبة بالتعويض عن الفترات اللاحقة على وضع اليد بعد الدعوى التي اقامها؟

لقد عرف نظامنا القانوني مفهوم التعويض لمرة واحدة  في  المادة (12) من قانون وزارة الكهرباء رقم (52) لسنة 2017، لكن القضاء توسع في مد الحكم بالتعويض لمرة واحدة الذي قرره قانون القانون المذكور الى حالات أخرى على الرغم من ان ما ورد بقانون الكهرباء يمثل استثناء على الأصل العام بوجوب التعويض الكامل، لكن القضاء جرى الى الحكم في حالات عديدة لمرة واحدة وبتوجيه صارم من محكمة التمييز بعدم قبول المطالبة بأجر المثل وانما يجب أن ترد المطالبة حصرا بالتعويض لمرة واحدة، كأن أجر المثل ليس تعويضا، وقد وردت هذه الاحكام بخصوص وضع اليد على أرض الغير وتشييد مدرسة عليها أو فتح شارع فيها أو بناء محطة تصفية مياه أو محطة تصريف مجاري ومد الانابيب الخاصة بها، وهذا التوسع في تطبيق نص خاص أمر غير محمود يتعين تجنبه لآن مآله تعطيل النصوص القانونية الخاصة بالتعويض عن الفعل الضار.

وتلك الأحكام تضع تفرقة في الاحكام بين ما اذا كان واضع اليد من الافراد وما اذا كان إحدى مؤسسات الدولة ، ففي الحالة الاولى يحكم بالتعويض الكامل بالزام الغاصب برد المغصوب مع أجر مثله وفي الحالة الثانية لا يلزم الغاصب برد المغصوب ولا يحكم عليه بأجر المثل، وانما يحكم عليه بالتعويض لمرة واحدة. وهي تفرقة تحكمية لا أساس لها في القانون، بل هي تشجع الادارات الحكومية على التعدي على حقوق الافراد في أملاكهم العقارية وهي مطمئنة لعدم وجود جزاء فاعل يردع هذه المؤسسات ويضعها تحت طائلة المسؤولية.

ورغم خصوصية قانون الكهرباء، فان مد نطاقه الى حالات أخرى يخالف الاصول القانونية المرعية في عدم التوسع في تفسير نصوصه وعدم تطبيقه على غير الحالات التي وردت فيه ، وهو أي قانون الكهرباء يعد قانونا غير دستوري في مسألة التعويض هذه- من وجهة نظرنا، لكونه يخالف النصوص الدستورية التي تقرر صيانة الملكية الخاصة وعدم التجاوز عليها الا من خلال القانون ولقاء تعويض عادل، ولا ندري لماذا لم يطعن أحد بعدم دستورية المادة (12) المشار اليها من المحامين، رغم أن الناس يجأرون بالشكوى من ظلم هذا القانون.

وتبرر محكمة التمييز هذا المسلك التشريعي في قانون الكهرباء بأن شبكة الكهرباء تتم بأستغلال المساحة اللازمة لتشييد الابراج الكهربائية وهي لا تتجاوز مساحة مترين مربعين، وتمتد خطوط الكهرباء الى مسافات طويلة ، وهذا التبرير لا يسقيم مع قدرة النظام القانوني على توفير حلول لمثل هذه الحالات ،فيمكن تقنين الوضع القانوني لوزارة الكهرباء في التعامل مع أملاك الاخرين بأمرار اسلاك الطاقة الكهربائية من خلال تملك حصة شائعة في العقار الذي شيدت عليه أبراج الطاقة الكهربائية التي مرت بها أسلاك الطاقة الكهربائية وبما يعادل المساحة التي تم اشغالها، فتصبح الوزارة شريكا على الشيوع مع صاحب العقار بما يعادل ما تحتاجه من مساحة لتجهيزات الطاقة الكهربائية وبذلك تتفادي مطالبتها بالتعويض سواء كان لمرة واحدة أو في صورة اجر المثل ما دامت الوزارة لم تشغل مساحة في الارض تزيد على مقدار حصتها الشائعة ، بدلا من أن تضع يدها على عقارات الافراد.

وعلى الرغم من أن مثل هذا التبرير خاص بقانون الكهرباء، الا أن القضاء طبق نفس الحكم في الحالات المماثلة ، فقد جرت أحكام القضاء بالتعويض لمرة واحدة وليس أجر المثل عن وضع اليد على عقارات الافراد لأغراض مشاريع الماء والمجاري اذ تمتد أنابيب الماء والمجاري مسافات طويلة، لكن فات على القضاء أن التعويض المشار اليه في قانون الكهرباء مقرر بنص خاص يخرج عن حكم القواعد العامة، ولهذا لا يمكن القياس عليه، وعليه فان التعويض لمرة واحدة عن وضع اليد من أجل اقامة مشاريع الماء والمجاري يخالف صحيح القانون وقياسا غير جائز على حالات مشاريع الكهرباء.

يقرر الحكم التمييزي أنه في غير حالات وضع اليد لانشاء مشاريع الكهرباء أو الماء والمجاري، فان وضع اليد حتى لو كان يستهدف تحقيق المصلحة العامة يوجب الحكم بأجر المثل، وهو تعويض مالك العقار عن الحرمان من منافع ملكه طيلة وضع اليد، وهذا الحكم يمثل العودة الى الاصول الصحيحة في التعويض عن الحرمان من منافع الملك ، فبقدر ما يحرم المالك من ملكه يستحق التعويض ، وكلما استطال وضع اليد زاد مقدار التعويض. ويمثل الحكم محل التعليق عودة الى ما كنت تقضي به محكمة التمييز في الحالات المماثلة ، بعد أن انحرفت عن هذا المسار بضعا من السنين عددا، مما استوجب الوقوف على تلك الاحكام وتحليلها للوقوف على أوجه مخالفة القانون ، لكن بعد أن عاد القضاء الى المسار الصحيح في تقدير التعويض، فلابد من الاشادة والتنوية بهذه الخطوة التي طبقت القانون تطبيقا سليما وحافظت على حقوق الافراد في أملاكهم.

ورغم سلامة المعطيات التي يقوم عليها التوجه القضائي الجديد (التصحيحي) باقرار التعويض عن أجر المثل، فان الأصل في أحكام وضع اليد أو الغصب أن يلزم الغاصب برد المغصوب، وهي مسالة لم تشر اليها محكمة التمييز، اذ يلزم الغاصب برد المال الى صاحبه واذا هلك أو تلف ولو كان هلاكه بفعل قوة قاهرة، فانه مسؤول عن هذا الهلاك أو التلف ، بل أن ما يستفاد من أحكامها السابقة، تعذر الحكم بأعادة المال المغصوب لأن هذا المال قد شيدت عليه منشات تهدف الى تحقيق المصلحة العامة كمدرسة أو طريق أو مستشفى .....الخ.

ولا يمكن التذرع بالمصلحة العامة لحرمان الأفراد من أملاكهم، فالحاجة الى عقارات الافراد لتحقيق المصلحة العامة قد رسم القانون إجراءاته الاصولية في القانون رقم (12) لسنة 1981 وهو قانون الاستملاك وحدد الطريقة التي تشبع بها حاجات المؤسسات الحكومية لعقارات الافراد اذا كانت هذه الحاجة دائمية أو اذا كانت الحاجة مؤقتة ، ولهذا فان طرح هذا القانون وعدم توظيف المكنات التي يوفرها هذا القانون في تلبية احتياجات الجهات الحكومية يعد تقصيرا من هذه الجهات، فالتذرع بالمصلحة العامة لا يكفي للامتناع عن توقيع الجزاءات المقررة قانونا على حالة الغصب، وتطبيق القانون على الوجه الصحيح هو المصلحة العامة الحقيقية، لأن هذا التطبيق هو الذي يكفل استقرار المعاملات ويشعر الناس بالرضا والقبول، ولهذا فان الزعم بأن المشروع الذي أقيم على أرض تم وضع اليد عليها يحقق المصلحة العامة قول غير دقيق، فلا مصلحة عامة تتحقق بمخالفة القانون.

ويتعين على القضاء أن يخطو خطوته الاخيرة في فرض الجزاءات الكاملة على غصب عقارات الافراد وهي رد العقار الى صاحبه مع التعويض عن حرمانه من منافع ملكه، فتعود الأمور الى نصابها الصحيح، بل إن على الجهات المعنية أن تشكل اللجان التحقيقية بحق مدراء الوحدات الادارية الذين يضعون يدهم على أملاك الأفراد بغير طريق الاستملاك أو الاستيلاء المؤقت ويشترك معهم في المسؤولية الموظفون الحقوقيون في تلك المؤسسات أذا لم يرسموا الطريق القانوني السليم لكيفية الحصول على عقارات الاخرين مما هو ضروري لتنفيذ المؤسسة الحكومية نشاطاتها التي عهد اليها بها. فالخلل اذن، هو في طريقة تفكير رؤساء الوحدات الادارية من أصحاب القرار وموظفيهم المختصين في القانون ، اذا مثل هذه الممارسات تعبر عن جهل بالقانون أو استهتارا به.

ولاستكمال المسار الصحيح للعودة ينبغي أن تخرج محكمة التمييز مشاريع الماء والمجاري من الحكم بالتعويض لمرة واحدة، بل يجب أن يكون الجزاء كاملا برد المال المغصوب مع التعويض عن أجر المثل، والمبررات التي سيقت في تسويغ هذا الموقف لا تصمد أمام قواعد التفسير وكيفية تطبيق القانون، فما ورد في قانون الكهرباء حالة خاصة ، وإن شئت استثناء من أصل عام وهو التعويض الكامل، ومن ثم يبقى هذا الاستثناء مقيدا بالنطاق الذي ورد فيه، فلا يمتد الى غيره من الحالات لا عن طريق التوسع في التفسير وعلى عن طريق القياس، وهذا الطريق الاخير هو الذي يبدو أن محكمة التمييز اخذت به في تطبيق الحكم على مشاريع الماء والمجاري كونها مشاريع ممتدة كمشاريع الكهرباء ، لكنه قياس غير صحيح، رغم انها تقرر في حيثيات حكمها أن ما ورد بقانون الكهرباء استثناء على الاصل العام.

إن جودة ونجاعة النظام القانوني تقتضي وجود التناسق بين عناصر هذا النظام القانوني، فكل قانون تصدره السلطات المختصة يجب أن يكون منسجما مع القوانين الاخرى سواء كانت تلك القوانين تنظم أوضاعاً عامة كالقانون المدني أو أوضاعا خاصة كالقوانين البلدية وقوانين الطرق وقوانين السكك الحديدية ...الخ بحيث ينظر الى تلك القوانين على انها جزءا من نظام قانوني واحد أو أجزاء في نظام قانوني واحد وليس قوانين مستقلة تعمل في مجالها الخاص في تضارب مع حركة القوانين الاخرى في مجالها الخاص أيضا ، فالمباديء التي تحكم التشريع والأسس التي يقوم عليها هذا التشريع يجب أن تكون واحدة سواء في القوانين الرئيسية أو القوانين الفرعية، واذا تطلبت الحاجة إصدار قوانين خاصة تنظم وضعا معينا، فان هذا التنظيم يحب أن يراعي الأصول الدستورية والقانونية في تشريعه، ولعل أهم المسائل التي ينبغي على المشرع مراعاتها بهذا الصدد، هو الحفاظ على الملكية الخاصة للافراد، والمشرع عندما قيد ملكية الافراد لغايات تحقيق المصلحة العامة ايفاءً بالدور الاجتماعي لحق الملكية، فانه قد نظمه على أنه استثناء من أصل عام وهو إحترام حق الملكية، ومع ذلك اذا اقتضت موجبات المصلحة العامة العمل بهذا الاستثناء، فان ذلك لا يكون إلا لقاء تعويض عادل سواء تعلق الأمر بنزع ملكية الافراد أو الاستيلاء الموقت لمعالجة ظروف وأحوال طارئة، وكان المعول أن يقف القضاء أمام الانتهاك غير المشروع للنظام القانوني من بعض المؤسسات الحكومية لحقوق الافراد بحسبان أن القضاء هو القلعة التي يتحصن بها الافراد في مواجهة أي انتهاكات سواء كانت هذه الانتهاكات قد صدرت من أفراد أخرين أو من الدولة ، وهذا فيه معنى الدولة القانونية، فالدولة القانونية هي الدولة التي يوجد بها قضاء حر ومستقل يقف بالمرصاد لانتهاكات السلطتين التشريعية والتنفيذية، أما السلطة التشريعية فيقف لها القضاء الدستوري بالمرصاد يقرر فيها عدم دستورية بعض النصوص من قانون معين أو عدم دستورية القانون كاملا، اذا خالف الاسس التي يقوم عليها الدستور، ورغم أن السلطة التشريعية تمثل ارادة الشعب، لكن هذه الارادة تبقى محكومة بمباديء لا يجوز لها العدول عنها، فالدستور بما يتضمنه من أسس يقيد حتى الارادة الشعبية.

أما القضاء العادي فيقف بالمرصاد لانتهاكات الادارة لحقوق الافراد وأموالهم طبقا للمدى والمضمون الذي تقرره النصوص القانونية المنظمة لهذه الحقوق، ويقرر الجزاءات المقررة قانونا حتى ترعوي الادارة وتسلك السبل المنظمة قانونا لتحقيق غايتها، فليس يجوز، تحت ذريعة المصلحة العامة، سلب أملاك الافراد ، واذا وقع مثل هذا الفعل يتعين أن يقف القضاء بوجهه بصرامة ، وهذه الصرامة التي ننشدها ليست أكثر من تطبيق أحكام القانون بايقاع الجزاءات القانونية ،وهذه الجزاءات في مثل الحالة المعروضة هي رد العقار والتعويض عن الحرمان من منافع الملك والتعويض عن الاضرار الاخرى أن وقعت، كما لو تم وضع اليد على عقار بغير وجه حق وحرم مالكه منه مدة من الزمن ولحق العقار اضرار اخرى كتهدم البناء المشيد على الارض أو إتلاف المزروعات ....الخ.

لقد شهدنا مبررات كثيرة من قيل القضاء يضعها أسبابا لعدم الحكم برد العقار لصاحبه لانه قد شيد عليه مرفق عام يقدم خدمة عامة ، وأن هذه الحكم برد العقار يتطلب هدم العقار وتسليمه الى صاحبه خاليا من الشواغل، خصوصا وأن هذه المنشات قد شيدت بأموال عامة واذا تقرر هدمها، فان ذلك يعني اضرارا جسيما بالمصلحة العامة، ونتفق أن تلك المنشات شيدت بأموال عامة وان رد العقار خاليا من الشواغل ينطوي على إضرار بالمصلحة العامة ، لكن هناك مصلحة خاصة ينبغي رعايتها ترتبط بها مصلحة عامة أكثر مضاء وأقوى اثرا وهي الشعور بالامن القانوني وعدالة التطبيق القضائي ، فاذا ما فقد الافراد الثقة بالقضاء لجأوا الى أساليب اخرى قد تكون غير مشروعة للتعويض عما يحسبون أنه قد انتزع منهم ظلما، وهذه افة خطيرة  لا يتمناها انسان في مجتمعه، ولعل ازالة مشيدات حكومية على عقارات الافراد ولو لمرة واحدة كفيل بجعل كل الجهات الحكومية الاخرى تبحث عن السبل القانونية السليمة للحصول على عقارات الافراد بصورة دائمية أو مؤقتة. فاذا قفز القضاء قفزته الاخيرة في الزام المؤسسات الحكومية برد عقارات الافراد تحقق الهدف في كفالة احترام القانون من قبل الادارة ومن قبل الافراد وحمينا الملكية الخاصة حماية كافية جديرة بالتقدير.

وفي المجال التشريعي نعتقد أن على المشرع أن يقوم بالغاء كل النصوص القانونية الخاصة التي تقضي بالتعويض لمرة واحدة ومنها ما ورد في المادة (12) من قانون وزارة الكهرباء وفي قوانين اخرى تنحو نفس المنحى التشريعي الذي جاء به قانون الكهرباء.

 

[1] الطعن رقم 8979 لسنة 89 ق- جلسة 17/12/2019 مكتب فني سنة 70ق 163 ص1129.