
________________________________
(*) الجامعة المستنصرية / كلية العلوم السياسية
.SaadHameedHameed@uomustansiriyah.edu.iq
المستخلص
يهدف هذا البحث إلى تحليل البعد الأخلاقي في فلسفة العدالة لدى جون رولز واستكشاف أثره على السياسات الليبرالية المعاصرة، من خلال تتبع الجذور الفلسفية لنظريته في إطار الفلسفة التعاقدية، خاصة عند لوك وروسو وكانط، وإبراز محاولته لتجاوز قصور هذه التصورات ببناء تصور جديد للعدالة قائم على الإنصاف. تنطلق فلسفة رولز من مفهومين مركزيين: «الوضع الأصلي» و»حجاب الجهل»، واللذين يعكسان بعدًا أخلاقيًّا عميقًا يهدف إلى ضمان الحياد والعدالة في اختيار المبادئ الحاكمة للمجتمع. وتستند نظرية رولز إلى مبدأين أساسيين: مبدأ الحرية المتساوية، ومبدأ الاختلاف، حيث يُعطى الأولوية للحرية قبل أي توزيع اجتماعي، بينما يتيح الثاني تفاوتًا اجتماعيًّا عادلًا يعود بالنفع على الأقل حظًّا. ويُظهر البحث كيف تؤسس هذه المبادئ لتصور مثالي للمجتمع العادل، قائم على التعاون الطوعي والاحترام المتبادل، مما يمنح النظرية عمقًا أخلاقيًّا يتجاوز الأطر الإجرائية البحتة. ثم يتناول البحث أثر نظرية رولز في السياسات الليبرالية المعاصرة، مثل سياسات إعادة التوزيع، والرعاية الاجتماعية، والتعليم والصحة، موضحًا كيف تمثل فلسفة رولز مرجعًا أخلاقيًّا ونظريًّا في محاولات التوفيق بين الحرية والمساواة. كما يستعرض البحث أبرز الانتقادات التي وُجهت لهذه الفلسفة، خاصة من التيارات الجماعاتية والنسوية والليبرالية ذاتها، مع التركيز على التحديات الأخلاقية التي تعترض تطبيقها في سياقات اجتماعية وثقافية متغيرة. ويخلص البحث إلى أن فلسفة رولز، رغم ما يعتريها من تحديات، ما تزال تقدم إطارًا أخلاقيًّا مرنًا لفهم العدالة وتفعيلها في الواقع السياسي والاجتماعي المعاصر.
إبراهيم، سعد حميد. "البعد الأخلاقي في فلسفة
العدالة لدى جون رولز وأثره على السياسات الليبرالية". مجلة كلية القانون
والعلوم السياسية،عدد 30، أكتوبر، 2025، https://doi.org/10.61279/ssx77p74.
تاريخ الاستلام: 1/4/2025
تاريخ القبول: 20/6/2025
تاريخ النشر ورقيا: ٢٥ تشرين الاول ٢٠٢٥
متوفر على الموقع الالكتروني: ٢٥ تشرين الاول ٢٠٢٥
ترميز DOI:
https://doi.org/10.61279/ssx77p74
متوفر على:
المجلة تعمل بنظام التحكيم المجهول لكل من الباحث والمحكمين
هذا البحث مفتوح الوصول ويعمل وفق ضوابط (نسب المشاع الإبداعي)(نَسب المُصنَّف - غير تجاري - منع الاشتقاق ٤.٠ دولي)
حقوق الطباعة محفوظة لدى مجلة كلية القانون والعلوم السياسية في الجامعة العراقية
حقوق الملكية الفكرية محفوظة للمؤلف
حقوق النشر محفوظة للناشر (كلية القانون والعلوم السياسية - الجامعة العراقية)
المجلة مؤرشفة في مستوعب المجلات العراقية المفتوحة
للمزيد من المعلومات مراجعة الموقع الالكتروني
__________________________________________________
Issue 30
Year 2025
The Ethical Dimension in the Philosophy of justice of John Rawls and its impact on contemporary liberal policies
Asst. Prof. Dr. Saad Hamid Ibrahim*(*)Al-Mustansiriya University / College of Political Science
dr.SaadHameedHameed@uomustansiriyah.edu.iq
This research aims to analyze the moral dimension in John Rawls’s philosophy of justice and examine its influence on contemporary liberal policies. It traces the philosophical roots of his theory within the framework of social contract thought—particularly Locke, Rousseau, and Kant—and highlights Rawls’s attempt to overcome their limitations by constructing a new ethical conception of justice as fairness. The theory is built upon two central concepts: the “original position” and the “veil of ignorance,” both embodying a profound moral commitment to neutrality and fairness in the selection of justice principles. Rawls articulates two key principles: the equal liberty principle and the difference principle. The first guarantees basic equal freedoms, while the second allows socio-economic inequalities only if they benefit the least advantaged. The research explores how these principles contribute to Rawls’s ideal vision of a just society—based on voluntary cooperation and mutual respect—offering more than a procedural account of justice by embedding strong ethical commitments. It further investigates the influence of Rawlsian principles on liberal social and economic policies, including redistribution, welfare, education, and healthcare, noting how liberal states attempt to balance freedom and equality in light of Rawls’s framework. Additionally, the study engages with major critiques of Rawls’s theory, especially from communitarian, feminist, and internal liberal perspectives, and assesses the ethical challenges in applying his ideas within dynamic social, economic, and cultural contexts. The research concludes that despite these challenges, Rawls’s theory remains a morally rich and flexible framework for understanding and promoting justice in modern liberal democracies.
Keywords
moral dimension - principle of freedom - principle of difference - political liberalism - social welfare - political philosophy - multiculturalism - freedom and equality - moral philosophy - social justice
recommended citation
إبراهيم، سعد حميد. "البعد الأخلاقي في فلسفة العدالة لدى جون رولز وأثره على السياسات الليبرالية". مجلة كلية القانون والعلوم السياسية،عدد 30، أكتوبر، 2025، ٣٣٥-٣٦٣، https://doi.org/10.61279/ssx77p74.
Received : 1/4/2025 ; accepted : 20/6/2025; published 25/10/2025
published online: 25/10/2025
DOI:
https://doi.org/10.61279/ssx77p74
Available online at:
https://jlps.edu.iq/index.php/jlps/ar/article/view/541
Online archived copy can be found at: https://iasj.rdd.edu.iq/journals/journal/issue/18193
Indexed by:
DOIJ: https://doaj.org/toc/2664-4088
CROSSREF doi: prefix 10.61279
This article has been reviewed under the journal’s double-blind peer review policy.
This article is open access and licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivatives 4.0 International License (CC BY-NC-ND 4.0).
Printing rights are reserved to the (Journal of the College of Law and Political Sci-ence) - Aliraqia University
Intellectual property rights are reserved to the author Copyright reserved to the publisher (College of Law and Political Science - Aliraqia University)
For more information, visit jlps.edu.iq
__________________________________________________
يمثّل البعد الأخلاقي في فلسفة العدالة لدى جون رولز حجر
الأساس في نظريته «العدالة كإنصاف»، حيث سعى رولز إلى تجاوز التصورات النفعية التي
تبرّر التفاوتات استنادًا إلى المصلحة العامة، مقترحًا نموذجًا تعاقديًّا يرتكز على
الاحترام المتبادل والمساواة الأخلاقية بين الأفراد، في قلب هذا النموذج نجد فكرتين
محوريتين: «الوضع الأصلي» و»حجاب الجهل»، وهما أداتان افتراضيتان تهدفان إلى ضمان حيادية
الأفراد في اختيار مبادئ العدالة دون تحيّز لموقعهم الطبقي أو الاجتماعي أو الثقافي،
ومن هذا المنطلق، فإن المبادئ الناتجة – كالحرية المتساوية ومبدأ الفروق – لا تُشتق
من الواقع القائم بل من تصور أخلاقي لما ينبغي أن يكون عليه المجتمع العادل.
ينعكس هذا البعد الأخلاقي في السياسات الليبرالية المعاصرة
من خلال توجهين رئيسيين، الأول، محاولة تحقيق تكافؤ الفرص عبر نظم تعليمية وصحية عادلة
تضمن الحد الأدنى من المساواة، باعتبار أن التفاوتات مقبولة فقط إذا كانت تصب في مصلحة
الأقل حظًّا، وفقًا لمبدأ الفروق، والثاني، فرض الضرائب التصاعدية وإعادة توزيع الثروات،
بوصفها أدوات أخلاقية لتحقيق العدالة الاجتماعية دون المساس بالحريات الأساسية.
غير أن هذا التأثير لا يخلو من التحديات، إذ تتعارض بعض
السياسات النيوليبرالية المعاصرة، التي تُعلي من شأن السوق والربح، مع روح العدالة
الرولزية القائمة على الإنصاف والتضامن، كما أن تجاهل البُعد الثقافي والهوياتي في
بعض تطبيقات نظرية رولز أدى إلى انتقادات جماعاتية ونسوية، اعتبرت أن النظرية، رغم
عمقها الأخلاقي، لا تفي بمطالب العدالة الفعلية في عالم متنوع ومعقّد.
مع ذلك، فإن إسهام رولز يبقى مرجعًا أخلاقيًّا وفلسفيًّا
حيًّا، حيث شكّل نقطة انطلاق لإعادة التفكير في وظيفة الدولة، وحدود السوق، وأسس العدالة
في السياسات العامة، مما جعل فلسفته تتجاوز الإطار النظري لتُسهم في إعادة صياغة السياسات
الليبرالية على أسس أكثر إنصافًا وإنسانية.
أهمية البحث:
تكمن أهمية هذا البحث
في عدة جوانب:
تحليل فلسفي عميق لأحد أهم النظريات السياسية في القرن العشرين، مع التركيز
على الأبعاد الأخلاقية التي كثيرًا ما تُهمل لصالح التحليل السياسي أو الاقتصادي.
تسليط الضوء على الترابط بين النظرية والممارسة، أي كيف أثّرت رؤية رولز الأخلاقية
في بناء السياسات الليبرالية الحديثة، لا سيّما في مجالات كالتعليم، والصحة، والرعاية
الاجتماعية.
تقديم قراءة نقدية للتحديات التي تواجه تطبيق هذه النظرية في واقع متغيّر ومعقد،
يتسم بتعدد الهويات وتنوع المرجعيات الأخلاقية والثقافية.
فرضية البحث:
(ان فلسفة العدالة
في فكر جون رولز تهدف الى تأسيس مجتمع قائم على التعاون الطوعي والاحترام المتبادل)
إشكالية البحث:
تتمثل الإشكالية
المركزية لهذا البحث في السؤال الآتي:
إلى أي مدى شكّل
البعد الأخلاقي في فلسفة العدالة لدى جون رولز إطارًا مرجعيًا مؤثرًا في السياسات الليبرالية
المعاصرة، وما هي حدود هذا التأثير بالنظر إلى النقد الفلسفي والواقع المتغيّر؟
ويتفرع عن هذه الإشكالية
عدد من الأسئلة الفرعية، منها:
كيف تبلورت رؤية رولز الأخلاقية في سياق الفلسفة التعاقدية الحديثة؟
ما هي الأسس الأخلاقية التي بُنيت عليها مبادئ العدالة الرولزية؟
كيف تُرجمت هذه المبادئ إلى سياسات ليبرالية معاصرة؟
ما هي أبرز التحديات الأخلاقية التي تعيق تطبيق هذه النظرية في الواقع الحالي؟
أهداف البحث:
يسعى البحث إلى تحقيق
الأهداف التالية:
تحليل السياق الفلسفي والأخلاقي الذي بُنيت عليه نظرية العدالة عند جون رولز.
إبراز البعد الأخلاقي الكامن في مفاهيمه الأساسية كـ»الوضع الأصلي» و»حجاب
الجهل» و»العدالة كإنصاف”.
دراسة أثر نظرية رولز في السياسات الليبرالية المعاصرة من منظور أخلاقي.
رصد وتحليل الانتقادات والتحديات الأخلاقية التي تواجه النظرية عند التطبيق
في السياقات السياسية والاجتماعية الراهنة.
فتح أفق نقدي يساعد على إعادة التفكير في العلاقة بين النظرية الأخلاقية والسياسات
العامة.
منهجية البحث:
منهجية هذا البحث
تعتمد على المنهج التحليلي النقدي، إذ يقوم الباحث بتحليل نصوص جون رولز الأساسية،
لا سيما كتابيه «نظرية في العدالة” (A Theory of Justice)
و»الليبرالية السياسية” (Political
Liberalism)، ثم إجراء
مقارنة بين فلسفته وتيارات فلسفية أخرى سبقت أو عاصرته مثل النفعية والجماعاتية والنسوية،
مع تتبع تطبيقات معاصرة لمبادئ العدالة الرولزية في السياسات الليبرالية من خلال نماذج
واقعية، واستحضار النقد الفلسفي والسياسي الموجَّه إلى فلسفة رولز وتحليله في ضوء البعد
الأخلاقي للنظرية، كما يستند البحث إلى مراجع فلسفية وسياسية معاصرة، عربية وأجنبية،
بهدف تدعيم التحليل النظري وربطه بأبعاده التطبيقية في الواقع الراهن.
تقسيم البحث:
المبحث الأول: الأصول الفلسفية والأبعاد الأخلاقية لنظرية
العدالة عند جون رولز
المبحث الثاني: البعد الأخلاقي في مفاهيم رولز المركزية
المبحث الثالث: أثر فلسفة العدالة الرولزية على السياسات
الليبرالية المعاصرة
المبحث الأول
الأصول الفلسفية والأبعاد الأخلاقية
لنظرية العدالة عند جون رولز
تمهيد وتقسيم:
تمثّل نظرية العدالة
لدى جون رولز نقطة تحول مركزية في الفكر السياسي والأخلاقي المعاصر، إذ سعت إلى بناء
تصور معياري للعدالة ينطلق من مبادئ عقلانية وأخلاقية قابلة للتوافق المجتمعي، ويستند
إلى مبدأي الحرية والمساواة بوصفهما حجر الأساس لأي نظام سياسي عادل، وقد تميّز رولز
في طروحاته بإحياء الروح التعاقدية في الفلسفة السياسية، مع تجاوز النفعية الكلاسيكية
التي غلبت على المشهد الفلسفي الأنجلوساكسوني في النصف الأول من القرن العشرين، مقترحًا
بديلًا أخلاقيًا يستند إلى الإنصاف والتشارك الطوعي في بناء النظام الاجتماعي.
ولفهم الأبعاد الأخلاقية
التي ترتكز عليها نظرية رولز، من الضروري العودة إلى السياق الفكري الذي نشأت فيه،
وتتبع الجذور الفلسفية التي أثّرت في بنائها، ثم تحليل المبادئ التي قامت عليها النظرية
باعتبارها تعبيرًا عن تصور مثالي لمجتمع عادل يقوم على أسس أخلاقية، ومن ثمّ، ينقسم
هذا المبحث إلى مطلبين أساسيين:
المطلب الأول: السياق
الفكري لنظرية رولز وموقعه من الفلسفة الأخلاقية.
المطلب الثاني: مبادئ
العدالة: أسسها الأخلاقية وتطبيقاتها المثالية.
المطلب الأول: السياق الفكري لنظرية رولز وموقعه
من الفلسفة الأخلاقية
يُعدّ الفيلسوف الأمريكي
جون رولز (John Rawls) من أبرز فلاسفة القرن العشرين، لا سيما في مجالات
الفلسفة السياسية والأخلاقية، وقد شكّلت نظريته في العدالة كمُنصفة (Justice as Fairness) إعادة صياغة للفكر الليبرالي الحديث على أسس عقلانية وأخلاقية متينة،
لفهم الأطر المرجعية لنظرية رولز، لا بدّ من التوغّل في جذورها الفكرية، ولا سيّما
ارتباطها بالفلسفة التعاقدية، ومحاولتها تجاوز بعض مكامن القصور في الفلسفات السابقة،
وتحديد موقعها ضمن مشهد الفلسفة الأخلاقية المعاصرة.
أولًا:
الجذور الفكرية لنظرية رولز – الفلسفة التعاقدية:
تعود الأصول الفكرية
لنظرية رولز إلى تقاليد الفلسفة التعاقدية التي تبلورت منذ القرن السابع عشر مع أعمال
توماس هوبز، وجون لوك، ثم جان جاك روسو، وتطوّرت لاحقًا مع إيمانويل كانط، وقد كانت
هذه الفلسفات تُركّز على مفهوم العقد الاجتماعي كأساس لتأسيس السلطة السياسية والشرعية
الأخلاقية للدولة.
فقد مثّل جون لوك
(John Locke) الصوت الليبرالي الأول الذي شدّد على الحرية
الفردية، وحقوق الملكية، وضرورة تقييد السلطة السياسية عبر التعاقد بين الأفراد والدولة،
وهي أفكار أثّرت بعمق على نظرية رولز التي تنطلق من فكرة أن الناس يمكن أن يتّفقوا
عقلانيًا على مبادئ للعدالة في «وضع أصلي» يتّسم بالتجرد من الامتيازات الاجتماعية
والطبيعية[1].
أما جان جاك روسو
(Jean-Jacques Rousseau)، فقد قدّم تصورًا مختلفًا عن الإرادة العامة
(General Will)، ورأى أن العقد الاجتماعي ينبغي أن يعبّر عن
المصلحة المشتركة للمجتمع ككل، وليس فقط عن مصالح الأفراد المتفرّقة، وهي فكرة نجد
صداها في سعي رولز لتحقيق مبدأ الإنصاف، بحيث تُختار المبادئ الأخلاقية والسياسية كما
لو كانت إرادة جمعية متحررة من التحيّز[2].
أما إيمانويل
كانط (Immanuel Kant)، فقد مثّل التأثير الأكثر عمقًا على رولز، سواء في ميدان الأخلاق
أو نظرية المعرفة، وقد تأثر رولز بمفهوم كانط عن «الواجب الكلي” (Categorical Imperative)، وأساس الأخلاق في احترام كرامة الإنسان واعتباره غاية في ذاته،
لا وسيلة لتحقيق أغراض خارجية، ان تصور كانط هو ما تبناه رولز في خلفيته المعيارية
حين عدّ مبادئ العدالة ينبغي أن تُختار من قبل أفراد أحرار ومتساوين، يفكرون من
منظور محايد خلف «حجاب الجهل”[3].
ثانيًا:
تأثير الفلسفات التعاقدية على بناء نظرية رولز:
استلهم رولز من هذه
الفلسفات أسسًا بنى عليها نموذجه الفلسفي، لكنه أعاد صياغتها بما يتلاءم مع حاجات المجتمعات
الليبرالية المعاصرة، فعلى سبيل المثال، أخذ من لوك مبدأ الحرية الفردية، ومن روسو
الإرادة الجمعية، ومن كانط التأسيس العقلي للأخلاق، لكنه سعى إلى إدماجها في إطار تعاقدي
حديث يُقنن مبادئ العدالة التي يمكن الاتفاق عليها عقلانيًّا بين أفراد متساوين في
ظروف عادلة.
ابتكر رولز مفهوم
“الوضع الأصلي” (Original
Position) كمعادل فلسفي
معاصر لفكرة العقد الاجتماعي، حيث يُفترض أن يجتمع أفراد عقلانيون خلف «حجاب الجهل”
(Veil of Ignorance)، فلا يعلم أيّ منهم موقعه الاجتماعي أو طبقته
أو قدراته الطبيعية، هذه الوضعية الافتراضية تجعلهم يختارون مبادئ للعدالة تضمن حماية
مصالح الجميع بشكل منصف، وهو ما يمثل تطويرًا نقديًّا للفكر التعاقدي الكلاسيكي[4].
وقد جعل رولز من
مبدأي العدالة )الحرية المتساوية، وتكافؤ الفرص والاهتمام بالأقل حظًّا) حجر الزاوية
لنظريته، مؤكّدًا على أن العقلانية المجردة يمكن أن تُنتج مبادئ أخلاقية عادلة دون
اللجوء إلى التحيّزات الثقافية أو الطبقية، وهذا يتماشى مع النموذج الكانطي، لكنه يتفوّق
عليه من خلال إطار تعاقدي قابل للتطبيق السياسي والاجتماعي[5].
ثالثًا:
محاولة رولز تجاوز أوجه القصور في الفلسفات السابقة:
إن إحدى الخصائص
البارزة في مشروع رولز هي سعيه النقدي لتجاوز أوجه القصور التي شابت الفلسفات السابقة،
خاصة فيما يتعلق بالفردانية المفرطة، أو تجاهل عدم المساواة الواقعية في المجتمعات
الحديثة، فبينما تجاهلت الليبرالية التقليدية مشكلة الفروقات الطبقية البنيوية، قدّم
رولز تصوّرًا يُلزم المؤسسات بتبنّي سياسات تُعطي الأولوية لمن هم في قاعدة الهرم الاجتماعي،
وهو ما يتجلّى في مبدأ الفروق (Difference
Principle) الذي يُفضّل
السياسات التي تُحسّن من وضع الأقل حظًّا[6].
وعلاوة على ذلك،
سعى رولز إلى تلافي ما اعتبره قصورًا في النفعية (Utilitarianism)، التي تُبرّر التضحية بحقوق بعض الأفراد من أجل منفعة أكبر للجماعة،
وقد انتقد هذا النموذج الأخلاقي لأنه يُعامل الأفراد كوسائل لتحقيق غايات كلية، مخالفًا
بذلك مبدأ كانط المركزي في احترام الكرامة الفردية[7].
رابعًا:
موقع نظرية رولز ضمن الفلسفة الأخلاقية المعاصرة:
تُعدّ فلسفة رولز
الأخلاقية محاولة جادّة لتجديد الفكر الليبرالي وتطوير الفلسفة الأخلاقية على أساس
معياري صارم، وقد جاءت نظريته في سياق رد فعل على أزمة الأسس في الأخلاق بعد الحرب
العالمية الثانية، وسادت في وقت كانت فيه الفلسفة التحليلية تهيمن على الخطاب الأكاديمي
الغربي، وقد رفضت هذه الأخيرة الانخراط في مسائل القيمة والعدالة.
ومع ذلك، أعاد رولز
إحياء الفلسفة المعيارية من خلال استخدام أدوات التحليل المنطقي لتأسيس مبادئ للعدالة
قابلة للنقاش العقلاني، وهكذا، فإن مشروعه يُعدّ جزءًا من التيار الليبرالي الكانطي
في الأخلاق، الذي يرى أن المبادئ الأخلاقية يجب أن تُشتقّ من العقل العملي، لا من النتائج
أو التجارب[8].
وفي هذا السياق،
يُعدّ رولز من مؤسسي الليبرالية السياسية الحديثة، والتي تحاول أن تؤسس نظامًا أخلاقيًّا
تعدديًّا يقبل بالتنوّع الثقافي والديني، دون أن يتخلى عن مبادئ العدالة الأساسية،
وقد كان لكتابه الليبرالية السياسية (Political Liberalism)
أثر كبير في الحوار بين الفلسفة والديمقراطية الدستورية المعاصرة[9].
خامسًا:
المساهمات الفريدة لرولز في الفلسفة الأخلاقية:
إن إسهام رولز لا
يقتصر على إعادة إحياء الفلسفة الأخلاقية والسياسية، بل يمتد إلى تطوير إطار نظري يُوفّر
بديلًا واقعيًّا للنماذج النفعية والاختزالية، وقد ساهم في:
تقديم بديل للنفعية عبر تأسيس مفهوم تعاقدي عقلاني للعدالة؛
دمج الأخلاق الكانطية مع النظرية السياسية؛
وضع نموذج معياري لتقييم السياسات العامة؛
الدفاع عن إمكانية التوافق الأخلاقي في مجتمعات تعددية؛
إحياء الفلسفة السياسية المعيارية ضمن التقليد التحليلي[10].
لقد ساهم رولز في
تشكيل الجدل الفلسفي الحديث حول العدالة والشرعية والديمقراطية، وتحوّل فكره إلى مرجع
مركزي في الفلسفات السياسية المعاصرة، سواء من حيث النقد أو البناء، بل إن كثيرًا من
الاتجاهات، مثل الواقعية السياسية، والنسوية الليبرالية، والنظرية النقدية، قد تفاعلت
مع طرحه سلبًا أو إيجابًا.
المطلب الثاني: مبادئ العدالة – الأسس الأخلاقية
والتطبيقات المثالية
تُعدّ نظرية العدالة
التي قدّمها الفيلسوف الأمريكي جون رولز واحدة من أبرز المحاولات المعاصرة لإعادة بناء
مفهوم العدالة على أسس عقلانية وأخلاقية، وقد طوّر رولز هذه النظرية في كتابه نظرية
في العدالة (A Theory of Justice) الصادر
سنة 1971، ثم أعاد تنقيحه في الطبعة الثانية عام 1999، مستندًا إلى الفلسفة التعاقدية
الكلاسيكية (لوْك، روسو، كانط)، ولكن من خلال أدوات نظرية جديدة مثل «الوضع الأصلي»
و»حجاب الجهل»، اللذين مهّدا لبلورة مبدأين أساسيين للعدالة، هما: مبدأ الحرية المتساوية
ومبدأ الفروق أو الاختلاف، وهما محور هذا المطلب التحليلي.
أولًا:
مبدأ الحرية المتساوية
ينص المبدأ الأول
على أن لكل فرد في المجتمع «الحق في منظومة متكافئة من الحريات الأساسية، والتي تتسق
مع تمتع الآخرين بذات الحريات»[11].
ويتضمن ذلك حريات
الضمير، وحرية الفكر، وحرية التعبير، وحرية الانتخاب والترشح، وحرية الاجتماع، والحماية
من الاعتقال التعسفي، وحرية اختيار الوظيفة، وسائر ما يتعلق بالحقوق المدنية والسياسية
الأساسية.
هذا المبدأ لا ينبع
من براغماتية نفعية أو من اعتبارات اقتصادية، بل من أساس أخلاقي جوهري يتمثل في كرامة
الإنسان واحترامه ككائن حر وعاقل، وهو ما يتقاطع مع الفلسفة الكانطية، التي ترى أن
الإنسان ليس وسيلة بل غاية في ذاته[12].
وقد عبّر رولز عن
ذلك بقوله إن الحريات الأساسية لا يجوز التضحية بها من أجل تحسين مستوى الرفاه العام
أو لأغراض النفع الجماعي، لأن «العدالة هي الفضيلة الأولى للمؤسسات الاجتماعية، كما
أن الحقيقة هي الفضيلة الأولى للنظم الفكرية»[13].
إن هذا المبدأ يُرسّخ
لفكرة الدولة الليبرالية التي تضمن الحد الأدنى من الحقوق غير القابلة للتنازل، وتفصل
بين الأخلاق الفردية والعدالة السياسية، ويؤكد رولز أن أي عقد اجتماعي عقلاني يجب أن
يبدأ أولًا بضمان هذه الحريات، لأنها تُعبر عن الاعتراف المتبادل بكون كل فرد شخصًا
أخلاقيًّا له القدرة على تصور الخير، واتخاذ القرارات بحرية[14].
ثانيًا:
مبدأ الفروق (الاختلاف)
أما المبدأ الثاني
فيُعنى بتنظيم التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية، وهو ينص على أن:
“يجب ترتيب التفاوتات بطريقة تجعلها تعود بأكبر منفعة ممكنة
على الأفراد الأقل حظًا في المجتمع، وفي الوقت ذاته، تكون مرتبطة بوظائف ومناصب مفتوحة
للجميع في ظل تكافؤ الفرص العادل»[15].
وهذا ما يُعرف بـ
“مبدأ الفروق” أو “مبدأ الاختلاف” (The
Difference Principle)، ويُقرّ رولز بأن التفاوت أمر طبيعي في أي مجتمع
بشري، لكن العدالة تقتضي أن يكون هذا التفاوت مبرَّرًا أخلاقيًّا فقط إذا كان يحقق
مصلحة للفئة الأضعف، وبالتالي، فإن الغاية ليست إلغاء الفروق بل تسخيرها لصالح العدالة
الاجتماعية.
ويمثل هذا المبدأ
انعطافه في الفكر الليبرالي الكلاسيكي، حيث يجمع بين مبدأ تكافؤ الفرص ومبدأ الإنصاف، بحيث يتم الحفاظ على الحوافز الاقتصادية
في إطار يضمن حماية الفئات الدنيا من التهميش أو الإقصاء.
وقد أشار سامي زيدان
إلى أن «مبدأ الفروق يعكس التزامًا عميقًا بالعدالة كإنصاف، لأنه لا يرفض الفروق لذاتها،
وإنما يتطلب أن تكون محكومة بقيد أخلاقي لصالح الضعفاء»[16].
ثالثًا:
الأسس الأخلاقية للمبدأين:
كلا المبدأين ينبعان
من فكرة احترام الشخص البشري بوصفه كائنًا يمتلك قدرات عقلية وأخلاقية تؤهله لاختيار
مبادئ الخير، ولهذا السبب، فإن العدالة لا تقتصر على توزيع الموارد، بل تشمل احترام
الذات الأخلاقية لكل فرد.
إن الحرية المتساوية
تُعبر عن الاعتراف بالكرامة الفردية، ومبدأ الفروق يُعبر عن الالتزام بالتضامن الاجتماعي،
وبهذا المعنى، فإن نظرية رولز ليست تقنية قانونية، بل رؤية أخلاقية متكاملة تقوم على
«الإنصاف المتبادل»[17].
وقد أشار توماس بوغي
إلى أن «الأساس الأخلاقي لنظرية رولز لا يكمن في النتائج بل في الإجراءات العادلة التي
تُفضي إلى اتفاق طوعي بين أفراد متساوين في الوضع الأصلي»[18].
رابعًا:
اشتقاق المبادئ من الوضع الأصلي وحجاب الجهل
لعلّ الإضافة المنهجية
الأهم عند رولز هي فكرة «الوضع الأصلي” (Original Position)،
وهي تجربة عقلية يتخيّل فيها الأفراد أنهم بصدد اختيار مبادئ العدالة التي ستنظم المجتمع،
دون أن يعرفوا مواقعهم الحقيقية داخل هذا المجتمع – أي تحت “حجاب الجهل” (Veil of Ignorance)،
وهذا الحجاب يمنعهم
من معرفة مكانتهم الطبقية أو جنسهم أو معتقدهم أو مواهبهم، مما يجعل قراراتهم أكثر
حيادية وإنصافًا، فالناس في الوضع الأصلي لا يعرفون هل سيكونون من الأغنياء أم الفقراء،
الأقوياء أم الضعفاء، ولذلك فإنهم يختارون مبادئ تحقق العدالة للجميع، وخاصة للفئات
الضعيفة[19].
وقد شبّه الباحث
سامي العثماني هذا الوضع بأنه «تجريد عقلي يسعى إلى تحييد كل عناصر الامتياز الشخصي،
لكي تُبنى العدالة على العقل المجرد لا على المصالح الخاصة»[20].
خامسًا:
الترتيب الأولي للمبادئ وأولوية الحرية
يؤكد رولز أن المبدأين
لا يُطبقان بطريقة تعاقدية حرة، بل يُرتبان ترتيبا هرميًّا يُعرف بـ “الترتيب الأولي”، ويُمنح مبدأ الحرية المتساوية الأولوية المطلقة
على مبدأ الفروق، بمعنى أنه لا يجوز التضحية بأي من الحريات الأساسية من أجل تحسين
الأوضاع الاقتصادية أو الاجتماعية[21].
ويرى رولز أن «الحرية
لا تُقايض»، وأن العدالة لا تكتمل ما لم تُصن الحرية أولًا، وهذا الترتيب ليس اعتباطيًّا،
بل يُعبّر عن التزام أخلاقي بأن الحرية هي التعبير الأعلى عن كرامة الإنسان[22].
وقد أوضح عبد الرحمن
بدوي أن هذا الترتيب يُمثل «ضمانة لعدم تكرار مآسي التاريخ التي ضُحي فيها بالحريات
باسم التقدّم أو الاستقرار»[23].
سادسًا:
تأثير ذلك على تصور المجتمع العادل
إن مجتمع العدالة
عند رولز ليس utopia مثالية خيالية، بل نموذجًا
عقلانيًّا قابلًا للتطبيق في المجتمعات الديمقراطية الحديثة، ففي هذا المجتمع تُصان
الحريات الأساسية لجميع الأفراد دون تمييز، وتُوزّع الموارد الاقتصادية بطريقة تُراعي
مصلحة الأضعف، وتُفتح الفرص أمام الجميع في إطار تكافؤ حقيقي[24].
وهذا التصور يجعل
من العدالة معيارًا للحكم على شرعية المؤسسات والسياسات العامة، فإذا انحرفت المؤسسات
عن ضمان المبدأين، فإنها تكون غير عادلة، بل وغير شرعية من الناحية الأخلاقية، ولذلك،
فإن نظرية رولز تُقدّم أداة لتقويم الأنظمة لا مجرد تصور نظري.
سابعًا:
التبعات الأخلاقية للترتيب الأولي
إن الترتيب الأولي
للمبادئ ينتج عنه تبعات أخلاقية عميقة، أبرزها:
لا يجوز تقييد الحريات الأساسية حتى لو رأت الأغلبية ذلك مناسبًا.
يجب أن يُعاد توزيع الثروات بطريقة تضمن تحسين أوضاع الفقراء.
لا يُسمح بتبرير الفروق الاجتماعية إلا إذا كانت تخدم الأكثر حرمانًا.
وقد أشار أمارتيا
سن إلى أن «رولز قدّم تصورًا أخلاقيًّا للعدالة لا يقوم على النتائج المجردة بل على
التوافق العقلاني في إطار من الإنصاف»[25].
وبذلك يمكن القول
إن مبادئ العدالة كما صاغها رولز تمثل نموذجًا أخلاقيًّا عقلانيًّا لبناء مجتمع عادل،
يقوم على أساس الحرية المتساوية والتوزيع العادل للفرص، وقد أتاح «الوضع الأصلي» و»حجاب
الجهل» إطارًا منطقيًّا لتجريد الذات من الامتيازات، واختيار مبادئ يمكن قبولها من
الجميع، وترتيب المبادئ يُرسّخ أولوية الحريات ويمنع انزلاق المجتمع إلى تبرير الاستبداد
الاقتصادي أو السياسي، ومن ثم، تظل نظرية العدالة عند رولز مرجعًا لا غنى عنه في الفكر
السياسي والأخلاقي المعاصر.
المبحث الثاني
البعد الأخلاقي في مفاهيم رولز
المركزية
تمهيد وتقسيم:
لم تقتصر نظرية العدالة
لدى جون رولز على تقديم إطار معياري للمساواة وتوزيع الحقوق، بل تجاوزت ذلك لتؤسس لرؤية
أخلاقية متكاملة حول كيفية بناء مجتمع عادل يقوم على مبادئ يتفق عليها الجميع بوصفهم
فاعلين أخلاقيين مستقلين، وقد تجسّد هذا التأسيس الأخلاقي من خلال مفاهيم مركزية طوّرها
رولز بعناية، وعلى رأسها مفهوما “الوضع الأصلي” (Original Position) و**»حجاب الجهل”** (Veil of Ignorance)،
واللذان شكّلا الأساس المنهجي لاختيار مبادئ العدالة بطريقة تُراعي النزاهة الأخلاقية
والحياد الكامل تجاه المصالح الذاتية والانتماءات الاجتماعية.
وفي قلب هذه النظرية،
يبرز مفهوم “العدالة كإنصاف” الذي لا يُعنى فقط بالتوزيع العادل للموارد، بل يعبّر
عن التزام أخلاقي عميق بمبدأ التعاون المتبادل والتضامن الاجتماعي، بما يضمن احترام
كرامة الإنسان وحريته باعتباره عضوًا متساويًا في المجتمع السياسي.
ولإبراز الأبعاد
الأخلاقية لهذه المفاهيم، ينقسم هذا المبحث إلى مطلبين اثنين:
المطلب الأول: مفهوم
«الوضع الأصلي» و»حجاب الجهل» كأساس للعدالة الإجرائية الأخلاقية.
المطلب الثاني: العدالة
كإنصاف – الأبعاد الأخلاقية لمفهوم الإنصاف والتشارك الاجتماعي.
المطلب الأول: مفهوم «الوضع الأصلي» و» حجاب الجهل»
كأساس للعدالة الإجرائية الأخلاقية
تُعتبر نظرية «العدالة
كإنصاف» التي طوّرها الفيلسوف الأمريكي جون رولز
(John Rawls)
من أبرز النظريات المعاصرة في الفلسفة السياسية والأخلاقية، وتقوم هذه النظرية على
مجموعة من الأدوات المفاهيمية والمنهجية التي تهدف إلى إعادة بناء مفهوم العدالة بعيدًا
عن المعيارية الميتافيزيقية أو الحسابات النفعية، ويأتي في طليعة هذه الأدوات مفهوما
“الوضع الأصلي” (Original
Position) و**»حجاب
الجهل” (Veil of Ignorance)**، وهما يمثلان الإطار التصوري الذي يُشتق منه
مبدأا العدالة بطريقة عقلانية وأخلاقية محايدة، وقد أعاد رولز، من خلال هذين المفهومين،
الاعتبار للبعد الإجرائي للعدالة، بوصفها عملية عقلانية محكومة بشروط إنصاف صارمة.
أولًا:
«الوضع الأصلي» و»حجاب الجهل» كأدوات منهجية رئيسية
يتأسس مفهوم «الوضع
الأصلي» عند رولز على محاكاة عقلية افتراضية يقوم فيها عدد من الأفراد العقلانيين باختيار
المبادئ التي ستنظم أسس العدالة في مجتمعهم، ولكنهم لا يعرفون مواقعهم الحقيقية في
هذا المجتمع، من حيث الطبقة الاجتماعية، أو الجنس، أو الانتماء الديني، أو الوضع الاقتصادي،
أو القدرات الطبيعية، وهنا يأتي «حجاب الجهل» ليحجب عنهم هذه المعطيات الشخصية[26].
يقول رولز في هذا
السياق:
“إن الوضع الأصلي
هو وضع إنصاف، والمبادئ التي تُختار فيه هي مبادئ إنصاف، لأنها تُشتق من شروط عقلانية
محايدة»[27].
وبهذا المعنى، فإن
الوضع الأصلي ليس عقدًا اجتماعيًّا واقعيًّا كما هو عند هوبز أو روسو، بل هو تجربة
عقلية معيارية تُستخدم لاختبار مدى عدالة المبادئ المختارة، بناءً على افتراضات الحياد
والجهل بالمصالح الخاصة.
ثانيًا:
البعد الأخلاقي الكامن وراء هذه المفاهيم
تكمن الأهمية الأخلاقية
الكبرى للوضع الأصلي وحجاب الجهل في أنهما يُجبران الأفراد على التخلي عن امتيازاتهم
الموروثة أو مصالحهم الفئوية، والتفكير في مبادئ يمكن أن تكون عادلة بغض النظر عن موقع
الشخص في المجتمع، فكل شخص في الوضع الأصلي لا يعرف هل سيكون فقيرًا أم غنيًّا، رجلًا
أم امرأة، مسلمًا أم غير مسلم، مما يدفعه لاختيار مبادئ تحفظ العدالة للجميع.
وهذا يَحول دون اتخاذ
قرارات أخلاقية قائمة على المصلحة الذاتية أو الانحياز الطبقي، ولهذا اعتبر الفيلسوف
طه عبد الرحمن أن فكرة «حجاب الجهل» تقربنا من النية الخالصة في العمل الأخلاقي لأنها
تستبعد قصد المنفعة الشخصية[28].
ثالثًا:
كيفية ضمان حيادية ونزاهة اختيار مبادئ العدالة
تُعدّ حيادية الموقف
الأخلاقي في نظرية رولز من أبرز سماتها، وقد تحققت هذه الحيادية عبر حجاب الجهل، الذي
لا يسمح بمعرفة أي تفصيل عن الانتماء أو الامتيازات أو الظروف الاجتماعية، وفي هذا
السياق، يوضح رولز أن أي مبدأ لا يستطيع الصمود في الوضع الأصلي لا يمكن قبوله من الناحية
الأخلاقية[29].
ويُعلّق الباحث سامي
العثماني قائلًا:
“إن الأفراد في الوضع
الأصلي لا يعرفون ماذا سيكسبون أو يخسرون من وراء اختيار مبدأ معين، مما يجعل اختيارهم
غير ملوث بالمصلحة، وبالتالي أخلاقيًّا بالضرورة»[30].
وهنا تتجلى النزاهة
الإجرائية للمبادئ المختارة، لأن من يختارها لا يعلم إن كان سينتمي إلى الفئة المستفيدة
منها أم لا، مما يفرض عليه اختيار المبادئ التي تحمي الجميع، خاصة الأضعف.
رابعًا:
تحليل الأبعاد الأخلاقية لفرضية «حجاب الجهل”
من الناحية الأخلاقية،
يُمثل «حجاب الجهل» أداة لتجريد الأفراد من الأنانية والتحيّز، ففي الحياة الواقعية،
يتخذ الناس مواقفهم بناءً على مصالحهم الخاصة، أما في الوضع الأصلي، فإنهم يُجبرون
على النظر للأمور من منظور الآخرين.
وقد شبّه الفيلسوف
رونالد دوركين حجاب الجهل بأنه «آلية تحاكي المساواة الأخلاقية الفطرية بين البشر»[31]،
لأن الجميع فيها يصبح متساويًا في الجهل والمصير، وهو ما يُعيدنا إلى مبدأ المعاملة
بالمثل الذي طرحه كانط: «افعل للآخرين ما ترضاه لنفسك لو كنت مكانهم”.
ويضيف أمارتيا سن
بأن «حجاب الجهل يُنتج نوعًا من الإجماع الأخلاقي المعقول، لأنه يجعل الجميع يفكرون
كما لو أنهم معرضون لأن يكونوا في أسوأ الحالات»[32].
خامسًا:
دور «حجاب الجهل» في دفع الأفراد لتبني منظور أخلاقي محايد
إن فرضية حجاب الجهل
لا تُلزم الأفراد فقط بالتجرد من المعرفة الذاتية، بل تدفعهم إلى تبني منظور أخلاقي
محايد، وهو منظور لا يقوم على تقويم المبادئ من حيث نتائجها الفردية، بل من حيث صلاحيتها
العامة، ولذلك، فإن الأفراد في الوضع الأصلي يتجهون إلى تبني مبادئ تحفظ الحد الأدنى
من الكرامة الإنسانية، مثل: الحرية، وتكافؤ الفرص، وتقليص التفاوت الاجتماعي.
وقد كتب حسن محمد
أن «الفارق بين النظريات النفعية ونظرية رولز يكمن في أن الأولى تقيس العدالة بالنتائج،
بينما الثانية تربط العدالة بالإنصاف في إجراءات الاختيار، وهو ما يجعلها أكثر أخلاقية»[33].
وبهذا المعنى، فإن
حجاب الجهل يؤدي إلى مأسسة الإنصاف الأخلاقي في إجراءات العدالة، وهو ما يجعل نظرية
رولز متفوقة على النظريات التي تبرر اللامساواة بحسابات المنفعة أو الرضا العام.
وبذلك يمكن القول
إن «الوضع الأصلي» و»حجاب الجهل» في نظرية جون رولز ليسا مجرد أدوات تحليلية، بل يُجسّدان
رؤية أخلاقية عميقة للعدالة كإنصاف، فالوضع الأصلي يُعيد تأسيس المساواة بين الأفراد
على أساس العقل والإنصاف، بينما يحجب «حجاب الجهل» كل أشكال التحيز والمصلحة الذاتية،
ليضمن حيادية المبادئ المختارة، ومن خلال هذه الأداة، يصبح اختيار مبادئ العدالة ممارسة
عقلية وأخلاقية في آن، ما يجعل العدالة نابعة من اتفاق حرّ وعقلاني بين ذوات متساوية
في القيمة.
وتؤكد هذه الرؤية
على أن العدالة ليست فقط في النتائج أو التوزيع، بل في الطريقة التي نختار بها هذه
النتائج، أي في العدالة الإجرائية، ومن ثمّ، فإن رولز لم يقدّم فقط نظرية في العدالة،
بل قدّم نموذجًا لتفكير أخلاقي عقلاني يمكن أن يكون أساسًا لأي مشروع سياسي أو اجتماعي
عادل.
المطلب الثاني: العدالة كإنصاف – الأبعاد الأخلاقية
لمفهوم الإنصاف والتشارك الاجتماعي
تُعدّ نظرية «العدالة
كإنصاف” (Justice as Fairness) التي بلورها الفيلسوف السياسي جون رولز (John Rawls) من أعظم محاولات الفلسفة المعاصرة لإعادة تعريف العدالة على أساس
أخلاقي عقلاني، وقد جاءت هذه النظرية كردّ على النظريات النفعية التي ربطت العدالة
بالنتائج وحسابات السعادة الجماعية، وعلى نظريات العقد الاجتماعي التي أهملت البعد
الأخلاقي في بنيتها الإجرائية، فـ»العدالة كإنصاف» ليست فقط نظامًا لتوزيع الحقوق والموارد،
بل هي رؤية أخلاقية متكاملة للمجتمع السياسي.
أولًا:
مفهوم «العدالة كإنصاف» كجوهر نظرية رولز
يعني مفهوم العدالة
كإنصاف عند رولز أن المبادئ التي تُنظّم العدالة يجب أن تُشتقّ من وضع إجرائي عادل
ومحايد، وهو ما يمثله «الوضع الأصلي» و»حجاب الجهل»، فحين تُختار المبادئ بعد تجريد الأفراد من مواقعهم
الاجتماعية ومصالحهم الخاصة، تصبح هذه المبادئ عادلة لأنها صادرة عن إنصاف في الإجراءات،
لا عن سلطة أو تفوق[34].
يقول رولز:
“العدالة كإنصاف
تفترض أن النظام العادل هو ذلك الذي يوافق عليه جميع الأفراد الأحرار والمتساوين في
وضع أصلي منصف»[35].
وبذلك، يُؤسس رولز
لمفهوم العدالة على مبدأ الإنصاف (fairness)، أي العدالة التي تتأسس على توازن أخلاقي في
شروط التعاقد، لا على الامتيازات أو القوة.
وقد وصف فالح عبد
الجبار هذا التحول بقوله:
“رولز لا يكتفي بإعادة
بناء العقد الاجتماعي، بل يُؤسسه أخلاقيًّا على قاعدة الإنصاف لا المصلحة»[36].
ثانيًا:
الأبعاد الأخلاقية لمفهوم الإنصاف
لا يقوم مفهوم الإنصاف
في نظرية رولز على مجرد التوازن الإجرائي، بل يتضمن مضمونًا أخلاقيًّا عميقًا، يتمثل
في الاعتراف المتبادل بين أفراد أحرار ومتساوين في الكرامة، فالعدالة كإنصاف هي نظرية
في «الأخلاق السياسية»، لا في الاقتصاد أو الإدارة.
الإنصاف يعني أن
المجتمع العادل لا يُوزّع الخير على أساس الحظ أو القوة أو المصلحة، بل على أساس معايير
عقلانية يتفق عليها الجميع تحت شروط عادلة، وهذا ما يُبرّر أولوية الحريات الأساسية،
ومبدأ تكافؤ الفرص، ومبدأ الفروق لصالح الأضعف[37].
وقد أشار محمد عابد
الجابري إلى أن:
“الإنصاف هو جوهر
العدالة عند العقل الأخلاقي، لأنه يُعطي كل ذي حق حقه دون محاباة أو تحيز»[38].
ثالثًا:
ارتباط الإنصاف بالتشارك الاجتماعي والتضامن
يرى رولز أن العدالة
لا تتحقق في مجتمع فردي أو نفعي، بل في إطار تشارك اجتماعي تعاوني يقوم على احترام
الجميع كمواطنين متساوين، وهذا يضع العدالة في قلب الأخلاق الاجتماعية، ويحوّلها من
مبدأ قانوني إلى إطار للعلاقات الإنسانية.
يقول رولز:
“المجتمع هو نظام
من التعاون الاجتماعي بين أشخاص أحرار ومتساوين على مدى الزمن»[39].
وبالتالي، فإن الإنصاف
ليس فقط مبدأ إجرائيًّا بل هو الأساس الأخلاقي للتعاون الاجتماعي، إذ لا يمكن أن يستمر
التعاون الطوعي في ظل اللامساواة الصارخة، أو تهميش فئات بعينها، ولذلك جاءت مبادئ
العدالة عند رولز (وخاصة مبدأ الفروق) لضمان دوام التشارك الاجتماعي على أساس من الإنصاف.
وقد عبّر سامي زيدان
عن هذا المعنى بقوله:
“الإنصاف عند رولز
ليس وصفة دستورية بل هو معيار أخلاقي لشرعية التضامن الاجتماعي»[40].
رابعًا:
سعي رولز لبناء مجتمع قائم على التعاون الطوعي والاحترام المتبادل
سعى رولز في نظريته
إلى تجاوز الصيغ السلطوية أو النفعية لبناء المجتمع، من خلال تصور نظام اجتماعي يقوم
على التعاون الطوعي والاحترام المتبادل بين المواطنين، فلا يمكن لمجتمع عادل أن يُبنى
على الإكراه، أو على منطق الربح والخسارة، بل يجب أن يُبنى على الاعتراف المتبادل بكرامة
الآخر.
الاحترام المتبادل،
عند رولز، هو الذي يُضفي المشروعية الأخلاقية على النظام السياسي، فحين يشعر الجميع
أن النظام يعمل لمصلحتهم ويعترف بمواطنتهم، يكون الولاء له قائمًا على الرضا لا الخوف[41].
وقد أشار طه عبد
الرحمن إلى أن «العدل الحق لا يكون إلا حيث يكون التعاون مبنيًّا على الاعتراف بقيمة
الآخر، لا على تقاسم المصالح المجردة»[42].
خامسًا:
ترسيخ القيم الأخلاقية في مبادئ العدالة المقترحة
ترتكز مبادئ العدالة
الثلاثة في نظرية رولز (الحرية المتساوية، تكافؤ الفرص، مبدأ الفروق) على جذر أخلاقي
واضح، فكل مبدأ منها يعكس قيمة أخلاقية أساسية:
مبدأ الحرية يعكس احترام الكرامة الإنسانية.
مبدأ تكافؤ الفرص يعكس العدل في البنية الاجتماعية.
مبدأ الفروق يعكس الرحمة العقلانية تجاه الضعفاء.
وهذه المبادئ، وإن
صيغت في لغة سياسية وقانونية، فإنها تعكس قيمًا أخلاقية يمكن أن يُجمع عليها الأفراد
العقلاء في مجتمع ديمقراطي، وقد أشار رولز إلى أن «نظرية العدالة كإنصاف تسعى إلى ترسيخ
القيم الأخلاقية المشتركة التي تُعبّر عن توافق بين ذوات عقلانية حرة»[43].
إن مفهوم «العدالة
كإنصاف» عند جون رولز ليس مجرد رؤية قانونية أو سياسية، بل هو تعبير عن طموح أخلاقي
لبناء مجتمع عادل يقوم على التعاون الطوعي، والاحترام المتبادل، والاعتراف المتساوي
بكرامة كل فرد، وقد سعى رولز من خلال مفهوم الإنصاف إلى تجاوز العدالة الصورية أو النفعية،
ليضعنا أمام نموذج متكامل من العدالة الأخلاقية الإجرائية، التي تنبع من الإرادة الحرة
للأفراد وتُترجم في مؤسسات تضمن التوازن والتضامن الاجتماعي.
لقد كان رولز، من
خلال مشروعه، يؤسس لعدالة تتجاوز الصراع الطبقي أو التنافس السياسي، وتُعيد الاعتبار
للأخلاق كقاعدة ضرورية للاستقرار الاجتماعي والشرعية السياسية، ومن هنا، يمكن اعتبار
العدالة كإنصاف ليست فقط نظرية في العدالة، بل هي أخلاق لعالم اجتماعي جديد يقوم على
الاعتراف، والإنصاف، والكرامة.
المبحث الثالث
أثر فلسفة العدالة الرولزية على
السياسات الليبرالية المعاصرة
لم تظل نظرية العدالة عند جون رولز حبيسة الإطار الفلسفي
النظري، بل تجاوزته لتُحدث تأثيرًا واضحًا في صياغة السياسات الليبرالية المعاصرة،
لاسيما في مجالات العدالة الاجتماعية والتوزيع الاقتصادي، فقد وفّرت النظرية، من خلال
مفهومي «العدالة كإنصاف» و»مبدأ الاختلاف»، أساسًا فكريًا وأخلاقيًا للعديد من السياسات
التي تهدف إلى تقليص الفوارق الاجتماعية وتحقيق شكل من أشكال المساواة دون الإخلال
بالحريات الأساسية.
ويبرز هذا التأثير في محاولات الأنظمة الليبرالية الغربية،
خصوصًا في أوروبا وأمريكا الشمالية، التوفيق بين مبدأ الحرية المتساوية للجميع وبين
ضرورة إعادة توزيع الثروة بما يخدم الأفراد الأقل حظًا في المجتمع، مستلهمة في ذلك
النموذج الرولزي في العدالة التوزيعية، غير أن هذا التأثير لم يخلُ من التحديات والانتقادات،
إذ واجهت النظرية معارضة من اتجاهات فلسفية متعددة، شكّكت في قدرتها على التعبير عن
التعددية الثقافية والواقع المتغيّر، أو في انسجامها مع مبادئ الليبرالية ذاتها.
ومن أجل الإحاطة بجوانب هذا التأثير وتقييمه أخلاقيًا وعمليًا،
ينقسم هذا المبحث إلى مطلبين اثنين:
المطلب الأول: تطبيقات مبادئ العدالة الرولزية في السياسات
الاجتماعية والاقتصادية.
المطلب الثاني: النقد الموجّه لفلسفة رولز وتحديات تطبيقها
الأخلاقية في الواقع المعاصر.
المطلب الأول: تطبيقات مبادئ العدالة الرولزية
في السياسات الاجتماعية والاقتصادية
قدّمت نظرية «العدالة
كإنصاف» للفيلسوف جون رولز منظورًا أخلاقيًّا متميزًا في صياغة المبادئ التي ينبغي
أن تحكم توزيع الحقوق والفرص والثروات في المجتمعات الديمقراطية، وبينما وُلدت هذه
النظرية في فضاء الفلسفة السياسية، إلا أن تأثيرها العملي امتد إلى ميادين السياسات
العامة، وخصوصًا في الدول الليبرالية الغربية، حيث أصبحت مرجعية معيارية في تصميم برامج
الرعاية، وتنظيم الضرائب، وتوزيع الدخل، والتعليم والصحة.
أولًا:
التطبيق العملي لمبادئ العدالة الرولزية في الدول الليبرالية
لم تهدف نظرية رولز
إلى تقديم نموذج يوتوبي مثالي، بل كانت تسعى لتوفير معايير أخلاقية لتقييم السياسات
العامة القائمة، أو التي يُراد تبنيها في النظم الليبرالية، فمبادئ العدالة التي طرحها
– خاصة مبدأ الحرية المتساوية ومبدأ الفروق (الاختلاف) – وجدت صداها في الدول التي
حاولت التوفيق بين مبادئ السوق الحرة والحماية الاجتماعية[44].
وقد طبّقت دول مثل
السويد، الدنمارك، كندا، وألمانيا بشكل متفاوت، توجهات سياسية تتسق مع المبادئ الرولزية،
من خلال أنظمة ضريبية تصاعدية، ورعاية شاملة للفئات الضعيفة، وضمان فرص متكافئة في
التعليم والخدمات.
يقول رولز:
“إن مبدأ الفروق
لا يُجيز التفاوت إلا إذا كان في صالح الأقل حظًا، وبالتالي يُشكّل معيارًا لتقييم
شرعية النظم الاقتصادية والاجتماعية»[45].
ثانيًا:
تأثير مبدأ الاختلاف على سياسات إعادة توزيع الثروة والدخل
من أبرز تجليات مبدأ
الاختلاف في السياسات العامة هو دعم سياسات إعادة توزيع الدخل، عبر فرض ضرائب تصاعدية
على الثروات والدخول المرتفعة، وإعادة تخصيص هذه الموارد لدعم الفئات المحرومة، هذه
السياسات لا تهدف إلى تحقيق المساواة المطلقة – التي رفضها رولز – بل إلى تقليص الفجوات
الطبقية بما يُعزّز العدالة الاجتماعية[46].
وقد اعتمدت النرويج
وفنلندا مثلًا على نظم ضريبية تُسهم في تمويل برامج دعم البطالة والمعونات السكنية
والتعليم المجاني، بما ينسجم مع فكرة أن التفاوت المشروع هو فقط التفاوت الذي يُفيد
الأضعف[47].
يُعلّق الباحث فالح
عبد الجبار على هذا المعنى قائلًا:
“لم يكن رولز اشتراكيًّا،
لكنه أدرك أن استمرار الفجوة الطبقية في ظل اقتصاد السوق يهدد التشارك الاجتماعي، ولهذا
أسّس لمبدأ توزيع يُراعي الكفاءة دون أن يهمل الإنصاف»[48].
ثالثًا:
مبدأ الفروق وبرامج الرعاية الاجتماعية
يُعدّ مبدأ الفروق
مبررًا أخلاقيًّا رئيسًا لنظام الرعاية الاجتماعية، الذي يهدف إلى ضمان الحد الأدنى
من المعيشة والصحة والتعليم للجميع، وقد تبنت الكثير من الدول الغربية برامج دعم مباشر
للفقراء والعاطلين عن العمل، إضافة إلى معاشات التقاعد والدعم الأسري، بما يتماشى مع
قاعدة رولز القائلة إن أي تفاوت لا بد أن يُستخدم لتحسين وضع الأقل حظًّا[49].
وقد نجحت دولة مثل
كندا في تأسيس نظام تأمين شامل يربط بين حقوق المواطنة الأساسية والرعاية الاجتماعية،
وهو ما يُمكن قراءته باعتباره تطبيقًا عمليًّا لفلسفة رولز في تحقيق التوازن بين الحرية
الفردية والتضامن الاجتماعي[50].
يشير سامي زيدان
إلى أن:
“مبدأ الفروق لا
يُلغي التفاوت الطبيعي، بل يُعيد توجيه نتائجه لصالح العدالة الأخلاقية، وهو ما تُترجمه
أنظمة الضمان والرعاية التي تعترف بالحاجة كحق»[51].
رابعًا:
مبدأ العدالة والتعليم
يُعدّ الحق في التعليم
من الحقوق التي لا تُضمن بالحرية الشكلية وحدها، بل تتطلب دعمًا إيجابيًّا من الدولة
لضمان تكافؤ الفرص، وهو أحد المبادئ المشتقة من العدالة كإنصاف، وقد أكّد رولز أن فرص
الوصول إلى التعليم يجب أن تكون متكافئة، لا تُحدَّد بحسب الخلفية الطبقية أو العِرق
أو الجنس[52].
وقد ترجمت دول الشمال
الأوروبي هذا المبدأ من خلال مجانية التعليم في جميع المراحل، والدعم المالي للطلبة
المحتاجين، وتوفير البنية التحتية التعليمية في الأرياف والمناطق الفقيرة، بما يعكس
أن التعليم ليس خدمة بل حق.
يقول رولز:
“إن التعليم هو شرط
أساسي لتمكين الأفراد من ممارسة حرياتهم واستثمار قدراتهم، وأي تفاوت في الفرص يُقوّض
العدالة بوصفها إنصافًا»[53].
خامسًا:
العدالة والرعاية الصحية
على غرار التعليم،
تُعتبر الرعاية الصحية في فكر رولز حقًّا أساسيًّا، ينبغي أن يتاح على أساس المساواة
في الكرامة والاحتياج، وليس على أساس القدرة على الدفع، وقد أشار رولز إلى أن المرض
أو الإعاقة هي عوامل خارجة عن السيطرة، ويجب على المجتمع العادل أن يُعالج آثارها عبر
التوزيع العادل للموارد الصحية[54].
وقد تجسّد هذا المعنى
في سياسات التأمين الصحي الشامل التي اعتمدتها دول مثل بريطانيا (NHS) وفرنسا، والتي تقوم على مبدأ التضامن الصحي، حيث يُساهم الأغنياء
أكثر في التمويل، ويستفيد الجميع بحسب حاجتهم، وهو ما يعكس تطبيقًا دقيقًا لمبدأ الفروق.
ويُعلّق الباحث سامي
العثماني:
“العدالة في الصحة
ليست مسألة تقنية بل قضية أخلاقية تتصل بتكافؤ الحظوظ في الحياة نفسها»[55].
سادسًا:
توازن السياسات الليبرالية بين الحرية والمساواة
شكلت فلسفة رولز
مصدر إلهام للعديد من السياسات التي سعت إلى تحقيق توازن بين الحرية الفردية والمساواة
الاجتماعية، فالليبرالية الرولزية ليست ليبرالية متوحشة تُطلق العنان للسوق، ولا هي
اشتراكية تخنق المبادرة الفردية، بل هي رؤية تحاول التوفيق بين حرية الأفراد وإنصاف
التوزيع[56].
وقد ظهرت في العقود
الأخيرة نماذج من «الليبرالية الاجتماعية” (Social Liberalism) و»الاشتراكية الديمقراطية”(Democratic Socialism) التي تتبنى فلسفة رولز كأساس أخلاقي للسياسات، ومن أمثلتها سياسات
أوباما كير في الولايات المتحدة، ونماذج «دولة الرفاه» في أوروبا.
تؤكد الباحثة نورا
الكيلاني:
“رولز أعاد تعريف
الليبرالية على أساس أخلاقي، بحيث تُصبح الدولة ضامنًا للعدالة، لا مجرّد حَكم بين
المصالح»[57].
ويُبرهن تحليل التطبيقات
العملية لمبادئ العدالة الرولزية على أن هذه النظرية لم تظل أسيرة التنظير الفلسفي،
بل ألهمت العديد من النماذج الواقعية التي تسعى إلى تحقيق مجتمع عادل، وقد تجسدت مبادئ
الحرية المتساوية، وتكافؤ الفرص، ومبدأ الفروق، في سياسات إعادة التوزيع، والرعاية
الاجتماعية، والتعليم، والرعاية الصحية، كل هذه الممارسات كانت تعبيرًا عن محاولة بناء
نظام يقوم على الإنصاف والتضامن والاحترام المتبادل.
وإذ واجهت هذه السياسات
تحديات اقتصادية وسياسية، فإن مرجعيتها الأخلاقية – المستندة إلى فكر رولز – تظل حية
وملهمة في ظل تصاعد الفجوات الطبقية، وأزمات الصحة والتعليم، ما يجعل من العدالة كإنصاف،
إطارًا معاصرًا لحوكمة عادلة وإنسانية.
المطلب الثاني: النقد الموجَّه لفلسفة رولز وتحديات
تطبيقاتها الأخلاقية في الواقع المعاصر
منذ صدور كتاب نظرية
في العدالة لجون رولز عام 1971، تعرّضت فلسفته السياسية لموجة من الاهتمام الواسع والجدل
المتواصل، إذ جاءت رؤيته للعدالة كإنصاف بوصفها مشروعًا ليبراليًّا أخلاقيًّا يعيد
ترتيب القيم السياسية والاجتماعية على أسس عقلانية، ومع ذلك، فإن النظرية لم تسلم من
النقد، سواء من داخل الفلسفة الليبرالية نفسها، أو من خارجها، لا سيما من الفلسفات
الجماعاتية والنسوية، كما واجهت صعوبات وتحديات عملية وأخلاقية في تطبيقها داخل المجتمعات
المعاصرة المتغيرة.
أولًا:
النقد الجماعاتي لفلسفة رولز
يُعدّ النقد الجماعاتي (Communitarian Critique)
من أبرز وأقوى الانتقادات التي طالت مشروع رولز، خاصة في أعمال فلاسفة أمثال مايكل
ساندل (Michael Sandel)، وألسدير ماكنتاير (Alasdair MacIntyre)، وتشارلز تايلور (Charles
Taylor)، وقد انطلقت هذه الانتقادات من رفض الفرضية الرولزية
القائلة بأن الفرد في «الوضع الأصلي» هو كائن عقلاني مستقل عن أي انتماءات اجتماعية
أو ثقافية[58].
يرى الجماعاتيون
أن رولز افترض ذاتًا بشرية مُجردة من التاريخ والهوية، وهو ما يتنافى مع طبيعة الإنسان
الواقعية بوصفه كائنًا متجذرًا في شبكة من الانتماءات، يقول ساندل في هذا السياق:
“الذات التي يفترضها
رولز هي ذات منزوعة الهوية، خالية من أي التزام أو انتماء، وهذا يجعلها ذاتًا فارغة
أخلاقيًّا»[59].
وقد أكّد عادل مصطفى
هذا الطرح قائلًا:
“العدالة التي تقوم
على تصور مجرد للفرد، هي عدالة مفرغة من الحياة الاجتماعية التي تُكوِّن ذات الفرد
وقيمه»[60].
ثانيًا:
النقد النسوي
شكّلت الفلسفة النسوية
بدورها نقدًا جوهريًّا لفكر رولز، من خلال تفكيك الفرضيات الذكورية الكامنة خلف مفهومي
«الاستقلالية» و»العقلانية»، فقد رأت مفكرات
نسويات مثل سوزان أوكين (Susan
Moller Okin) أن نظرية
العدالة الرولزية تُغفل علاقات السلطة واللامساواة داخل الأسرة، وتفترض وجود مواطنين
متساوين في المجال العام دون التطرق للبنية الأسرية التي تُنتج اللامساواة أصلًا[61].
أشارت أوكين إلى
أن «حجاب الجهل» الرولزي لا يمنع الأفراد فقط من معرفة طبقتهم الاجتماعية، بل يمنعهم
أيضًا من إدراك جنسهم، وبالتالي يفشل في مواجهة النظام الأبوي الذي يرسّخ هيمنة الذكور
داخل المؤسسات الأسرية والاجتماعية[62].
وقد لاحظت الباحثة
أماني صالح أن:
“رولز لم يتعامل
مع الفروق الجندرية كقضية بنيوية بل عالجها من منظور قانوني محايد، وهو ما حجب جذور
الظلم المتجذرة في النسق الأبوي»[63].
ثالثًا:
النقد الليبرالي الداخلي
المفارقة أن فلسفة
رولز تعرضت أيضًا للنقد من داخل الفلسفة الليبرالية نفسها، لا سيما من الفلاسفة النفعويين
مثل روبرت نوزيك (Robert Nozick)، الذي اعترض على مبدأ الفروق معتبرًا إياه تعديًا
على حقوق الملكية الفردية، في كتابه الأناركية، الدولة، واليوتوبيا، اعتبر نوزيك أن
فرض الضرائب لإعادة التوزيع هو انتهاك لحرية الفرد في التملك، ويُشبه العمل القسري[64].
كتب نوزيك:
“للأفراد حقوق لا
يجوز انتهاكها، حتى من أجل تحقيق منافع اجتماعية شاملة»[65].
وقد أعاد هذا النقد
إشعال الجدل حول حدود الدولة الليبرالية، وشرعية تدخلها في السوق، وهو ما دفع رولز
في أعماله المتأخرة إلى التأكيد على الطابع «السياسي» لنظريته، وتجنب الخوض في الأسس
الميتافيزيقية[66].
رابعًا:
تحليل أثر هذه الانتقادات على الجدوى الأخلاقية للنظرية
تكشف هذه الانتقادات
عن فجوة بين البنية المثالية لفكر رولز والواقع الاجتماعي والسياسي، حيث يُطرح تساؤل
جوهري: هل يمكن لفلسفة تستند إلى فرضيات تجريدية عن الفرد أن تُنتج عدالة ملموسة؟ وهل
يمكن لحياد «حجاب الجهل» أن يُنصف فئات عانت تاريخيًّا من الظلم البنيوي كالنساء، والأقليات،
والمهمّشين؟
إن إقصاء البُعد
الهوياتي والثقافي يجعل من «العدالة كإنصاف» إطارًا عقلانيًّا عامًّا، لكنه لا يُقارب
جذور اللامساواة الفعلية، كما أن اكتفاءه بتوازن المبادئ داخل «الوضع الأصلي» لا يضمن
التفاعل الأخلاقي اليومي في المجتمعات الحقيقية، وهو ما يجعل بعض المفكرين يصفونها
بـ»العدالة المجردة» لا «العدالة المجسّدة»[67].
خامسًا:
التحديات التي تواجه تطبيق مبادئ العدالة الرولزية في الواقع
رغم أن نظرية رولز
طُرحت في سياق ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث ازدهرت الديمقراطيات الليبرالية،
إلا أن تحولات الواقع المعاصر طرحت تحديات جديدة:
1 - التغيرات الاقتصادية
شهد العالم منذ السبعينيات
صعود النيوليبرالية، وازدياد هيمنة السوق، وتراجع دور الدولة في الرعاية الاجتماعية،
مما جعل مبدأ الفروق الرولزي يبدو مثاليًّا وغير واقعي، فالتفاوتات في الدخل والثروة
اتسعت بشكل غير مسبوق، كما في الولايات المتحدة، ما زاد من صعوبة ربط الفروق بمصلحة
الأضعف كما اشترط رولز[68].
2 - التغيرات الاجتماعية
أدى تنامي الهويات
الفرعية (العرقية، الدينية، الجندرية) إلى بروز مطالب تتجاوز العدالة التوزيعية نحو
العدالة الاعترافية (Recognition
Justice)، وهذا ما لم تعالجه فلسفة رولز التي بقيت أسيرة مفهوم
«المواطن المجرد»، دون إدماج تجارب المعاناة التاريخية للمهمّشين[69].
وقد أشار شارلز تايلور
إلى أن:
“الاعتراف ليس مسألة
مجاملة، بل هو حاجة إنسانية أساسية»[70].
3 - التغيرات الثقافية
تحدّث رولز عن مبادئ
تصلح لـ»مجتمع متجانس عقلاني»، غير أن التعددية الثقافية العميقة أصبحت هي القاعدة
في العصر الراهن، وبالتالي، فإن فرض مبادئ عقلانية «كونية» على مجتمعات ذات هويات دينية
وثقافية متعددة، يُثير إشكاليات أخلاقية حول شرعية الفرض الأخلاقي الواحد.
وقد طرح طه عبد الرحمن
هذا النقد بقوة حين قال:
“لا يجوز فرض تصور
واحد للخير على الناس باسم العقل، لأن العقل ليس قيمة خالصة بل هو مُمَوقَع في ثقافة
وتاريخ»[71].
وتبرز من خلال هذه
الانتقادات والتحديات حدود فلسفة رولز بين الطموح الأخلاقي والتطبيق الواقعي، فقد نجح
رولز في تأصيل تصور عقلاني ومنصف للعدالة، لكنه لم ينجُ من مأزق التجريد، وتجاهل تعقيدات
الهوية والثقافة والتاريخ، كما أن التحولات النيوليبرالية وتنامي الحركات النسوية والجماعاتية
كشفت عن ضرورة إعادة النظر في مركزية الفرد المجرد والعقلانية المحايدة.
ومع ذلك، تظل نظرية
العدالة كإنصاف علامة فارقة في الفكر السياسي المعاصر، إذ فتحت المجال لتطوير نماذج
أكثر إدماجًا للهويات، وأكثر واقعية في مواجهة الظلم الاجتماعي، بل إن كثيرًا من الفلاسفة
بعد رولز انطلقوا من نقده، لا لتقويض مشروعه، بل لتوسيعه وتعميقه في ضوء تطورات الواقع.
الخاتمة
يتضح من خلال هذا
البحث أن فلسفة العدالة لدى جون رولز لم تكن مجرد بناء نظري مجرد، بل مشروعًا فكريًا
متكاملًا يستند إلى أسس أخلاقية عميقة تهدف إلى إرساء مبادئ الإنصاف والتشارك الاجتماعي
في المجتمع الليبرالي، فقد شكّل البعد الأخلاقي في نظرية رولز حجر الأساس في تحديد
طبيعة مبادئ العدالة، من خلال مفاهيم مركزية مثل «الوضع الأصلي» و»حجاب الجهل»، التي
أراد بها رولز تجاوز الانحيازات الطبقية والثقافية وتقديم تصور محايد لمجتمع عادل يتأسس
على التعاون الطوعي والاحترام المتبادل.
وقد تبيّن أن التأثير
الفعلي لنظرية رولز على السياسات الليبرالية المعاصرة لا يقتصر على المجال الفلسفي،
بل يمتد إلى ميادين التطبيق العملي، لا سيّما في مجالات الرعاية الاجتماعية والتعليم
والصحة وإعادة توزيع الثروة، ومع ذلك، فإن هذا التأثير ظلّ خاضعًا للنقد والتحدي، سواء
من داخل الفلسفة الليبرالية نفسها أو من تيارات جماعاتية ونسوية ترى أن النظرية تتجاهل
الخصوصيات الثقافية والاجتماعية، أو من واقع سياسي واقتصادي متغيّر يطرح إشكالات أخلاقية
جديدة تعيق الترجمة الكاملة لمبادئ رولز في السياسات العامة.
أهم النتائج:
إن البعد الأخلاقي في فلسفة العدالة لدى جون رولز يمثل جوهر مشروعه الفلسفي،
وهو ما يجعل نظريته ليست فقط معيارًا سياسيًا، بل رؤية أخلاقية تأسيسية لمجتمع عادل.
تُمثل مفاهيم «الوضع الأصلي» و»حجاب الجهل» أدوات منهجية فعالة لضمان الحياد
الأخلاقي في اختيار مبادئ العدالة، وتعكس بعدًا أخلاقيًا يتجاوز المصلحة الذاتية.
لمفهوم «العدالة كإنصاف» أبعاد اجتماعية وأخلاقية عميقة، تبرز من خلال الدعوة
إلى التشارك والتعاون بين أفراد المجتمع.
أثّرت نظرية رولز بشكل ملموس في السياسات الليبرالية المعاصرة، خاصة في مجالات
العدالة الاجتماعية، إلا أن هذا التأثير ظلّ نسبيًا ومتفاوتًا بين التجارب.
تواجه النظرية تحديات تطبيقية وأخلاقية كبيرة في ظل التعدد الثقافي، والتحولات
الاقتصادية والاجتماعية، مما يفرض إعادة التفكير في مدى صلاحية النموذج الرولزي بشكله
الأصلي.
النقد الموجه لرولز من قبل التيارات الجماعاتية والنسوية يسلط الضوء على جوانب
قصور النظرية في التعامل مع الهويات المتعددة وخصوصيات المجتمعات غير الغربية.
التوصيات:
ضرورة إعادة قراءة فلسفة رولز في ضوء التغيرات المعاصرة، بما يسمح بتطوير نموذج
أكثر مرونة يتفاعل مع التعدد الثقافي والديني والاجتماعي.
توسيع دائرة التفاعل بين النظرية الفلسفية والسياسات العامة، من خلال تعزيز
القيم الأخلاقية في صناعة القرار السياسي، خصوصًا في قضايا المساواة والعدالة التوزيعية.
تشجيع الدراسات المقارنة التي تدرس أثر فلسفة العدالة الرولزية في السياقات
غير الغربية، لبيان مدى قابليتها للتكيّف مع أنماط ثقافية وسياسية مختلفة.
ضرورة الانفتاح على النقد الجماعاتي والنسوي، والاستفادة منه في تطوير النظرية
الرولزية، لتصبح أكثر شمولًا وتفاعلًا مع قضايا الهوية والاختلاف.
دمج المبادئ الأخلاقية التي نادى بها رولز في مناهج التعليم الفلسفي والسياسي،
لترسيخ ثقافة العدالة بوصفها إنصافًا وتعاونًا وليس فقط كقانون أو توزيع للثروات.
دعم البحوث التي تربط بين النظرية والممارسة، وتُقيّم مدى التزام السياسات
العامة بمبادئ العدالة من منظور أخلاقي، لا سيّما في مجالات حقوق الإنسان والرعاية
الاجتماعية والتعليم.
اقرار تضارب المصالح
يُقر المؤلف بعدم وجود أي تضارب محتمل في المصالح فيما يتعلق بالبحث أو التأليف
أو نشر هذا المقال
التمويل
لم يتلقَ المؤلف أي دعم مالي لإجراء هذا البحث أو تأليفه أو نشره.
البيان الأخلاقي
هذا البحث يتوافق مع المعايير الأخلاقية لإجراء الدراسات العلمية. وقد تم الحصول
على موافقة خطية من جميع المشاركين الأفراد المشمولين في الدراسة.
بيان توفر البيانات
البيانات متاحة عند الطلب من المؤلف المراسل.
المواد التكميلية
لا توجد مواد تكميلية لهذا البحث
الشكر والتقدير
لا يوجد شكر وتقدير أفصح به الباحث
Declaration of
Conflicting Interests
The author declared that there aren’t any
potential conflicts of interest with respect to the research, authorship,
and/or publication of this article.
Funding
The author received no financial support for the
research, authorship, and/or publication of this article.
Ethical Statement
This research complies with ethical standards
for conducting scientific studies. Informed consent was obtained from all
individual participants included in the study.
Data availability statement
The data that support the findings of this study
are available from the corresponding author upon reasonable request.
Supplemental Material
Supplemental material for this article is
available online.
Acknowledgements
The authors did not declare any acknowledgements
المصادر
أبو العز، محمد، العدالة
والحرية في الفلسفة السياسية المعاصرة، القاهرة: دار الفكر المعاصر، 2016.
الجابري، محمد عابد، الخطاب
العربي المعاصر، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1990.
العثماني، سامي، العدالة
بوصفها إنصافًا عند جون رولز: دراسة في البنية الأخلاقية والسياسية، بيروت: منشورات
الاختلاف، 2014.
الكيلاني، نورا، «الفلسفة
السياسية عند رولز: محاولة لتأصيل الليبرالية الأخلاقية، مجلة الفكر السياسي المعاصر،
جامعة القاهرة، العدد 7، 2021.
بدوي، عبد الرحمن، الإنسان
والعدالة والحرية، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1992.
رولز، جون، نظرية في العدالة،
ترجمة: فالح عبد الجبار، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001.
زيدان، سامي، «العدالة
والكرامة في فلسفة رولز، مجلة العلوم الإنسانية، جامعة دمشق، العدد 19، 2019.
زيدان، سامي، «فلسفة التشارك
والعدالة عند رولز، مجلة العلوم الإنسانية، جامعة دمشق، العدد 17، 2018.
زيدان، سامي، «مبدأ الفروق
عند رولز: قراءة في البعد الأخلاقي، مجلة العلوم الإنسانية، جامعة دمشق، العدد 17،
2018.
سليمان، عادل، «العدالة
كإنصاف عند جون رولز، مجلة الفكر الفلسفي المعاصر، جامعة الجزائر 2، العدد 10،
2020.
صالح، أماني، «النسوية
ونقد النظرية الليبرالية للعدالة، مجلة الفكر السياسي المعاصر، جامعة القاهرة، العدد
5، 2020.
عبد الرحمن، طه، العمل
الديني وتجديد العقل، بيروت: المركز الثقافي العربي، 1997.
عبد الرحمن، طه، سؤال
الأخلاق، بيروت: المركز الثقافي العربي، 2000.
عبد الرحمن، طه، سؤال
الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، بيروت: المركز الثقافي العربي،
2000.
كانط، إيمانويل، أسس ميتافيزيقا
الأخلاق، ترجمة: د. إحسان عباس، بيروت: دار الطليعة، 1983.
محمد، حسن، نقد النظرية
النفعية ونظرية العدالة عند رولز، الإسكندرية: دار الوفاء، 2017.
مصطفى، عادل، مدخل إلى
الفلسفة السياسية، القاهرة: دار التنوير، 2011.
نادر، كمال، نقد العقل
الأخلاقي الليبرالي، بيروت: دار التنوير، 2015.
References
Banting, Keith, The Welfare State and Canadian Federalism, McGill-Queen’s University Press, 2005.
Dworkin, Ronald, Justice for Hedgehogs, Harvard University Press, 2011.
Esping-Andersen, Gøsta, The Three Worlds of Welfare Capitalism,
Princeton University Press, 1990.
Fraser, Nancy, Social Justice in the Age of Identity Politics, Verso,
2003.
Freeman, Samuel, Rawls, Routledge, 2007.
Kant, Immanuel, Groundwork for the Metaphysics of Morals, Translated by
Mary Gregor, Cambridge University Press, 1998.
Locke, John, Two Treatises of Government, Cambridge University Press,
1988.
Nagel, Thomas, “Rawls and Liberalism, In The Cambridge Companion to Rawls, edited by
Samuel Freeman, Cambridge University Press, 2003.
Nozick, Robert, Anarchy, State, and Utopia, Basic Books, 1974.
Okin, Susan Moller, Justice, Gender, and the Family, Basic Books, 1989.
Piketty, Thomas, Capital in the Twenty-First Century, Harvard
University Press, 2014.
Pogge, Thomas, Realizing Rawls, Cornell University Press, 1989.
Rawls, John, A Theory of Justice, Revised Edition, Harvard University Press,
1999.
Rawls, John, Justice as Fairness: A Restatement, Harvard University
Press, 2001.
Rawls, John, Political Liberalism, Columbia University Press, 1996.
Rousseau, Jean-Jacques, The Social Contract, Translated by MauriceCranston, Penguin Books, 1968.
Sandel, Michael, Liberalism and the Limits of Justice, Cambridge
University Press, 1982.
Sen, Amartya, The Idea of Justice, Harvard University Press, 2009.
Taylor, Charles, Multiculturalism and “The Politics of Recognition, Princeton University Press, 1992.
Taylor, Charles, Sources of the Self: The Making of the Modern
Identity, Harvard University Press, 1989.
Zidan, Sami, “Moral
Foundations of Welfare State: A Rawlsian Perspective, Social Justice Studies,
Vol, 12, No, 2, 2015.
[1] Locke, John, Two Treatises of
Government, Cambridge University Press, 1988, p. 287.
[2]Rousseau,
Jean-Jacques, The Social Contract, Translated by Maurice Cranston, Penguin
Books, 1968, pp. 50–55.
[3]Kant, Immanuel,
Groundwork for the Metaphysics of Morals, Translated by Mary Gregor, Cambridge
University Press, 1998, p. 36.
[4] Rawls, John, A Theory of Justice,
Revised Edition, Harvard University Press, 1999, pp. 10–19.
[5]Freeman, Samuel,
Rawls, Routledge, 2007, pp. 105–110.
[6]Rawls, John,
Justice as Fairness: A Restatement, Harvard University Press, 2001, pp. 60–65.
[7]Sandel, Michael,
Liberalism and the Limits of Justice, Cambridge University Press, 1998, pp. 19–24.
[8]Nagel, Thomas, “Rawls and Liberalism, In The Cambridge Companion to
Rawls, edited by Samuel Freeman, Cambridge University Press, 2003, pp. 62–85.
[9]Rawls, John,
Political Liberalism, Columbia University Press, 1996, pp. 15–20.
[10]Freeman, Samuel,
Rawls, Routledge, Op. Cit., pp. 145–150.
[11] رولز، جون،
نظرية في العدالة، ترجمة: فالح عبد الجبار، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،
2001، صـ 75.
[12] كانط، إيمانويل،
أسس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة: د. إحسان عباس، بيروت: دار الطليعة، 1983، صـ 48.
[13]Rawls, John, A
Theory of Justice, , Op. Cit., p. 3.
[14] سليمان، عادل، «العدالة كإنصاف
عند جون رولز، مجلة الفكر الفلسفي المعاصر، جامعة الجزائر 2، العدد 10، 2020، صـ
35.
[15] رولز، جون، نظرية في العدالة،
مصدر سابق، صـ 79.
[16] زيدان، سامي، «مبدأ الفروق عند رولز: قراءة في البعد
الأخلاقي، مجلة العلوم الإنسانية، جامعة دمشق، العدد 17، 2018، صـ 112.
[17] أبو العز، محمد، العدالة والحرية في الفلسفة السياسية
المعاصرة، القاهرة: دار الفكر المعاصر، 2016، صـ 97.
[18] Pogge, Thomas, Realizing Rawls,
Cornell University Press, 1989, pp. 53–56.
[19] رولز، جون، نظرية في العدالة،
مصدر سابق، صـ 137.
[20] العثماني، سامي، العدالة بوصفها
إنصافًا عند جون رولز: دراسة في البنية الأخلاقية والسياسية، بيروت: منشورات الاختلاف،
2014، صـ 119.
[21] Rawls, John, A Theory of Justice,op.
cit., p. 266.
[22] رولز، جون، نظرية في العدالة،
مصدر سابق، صـ 221.
[23] بدوي، عبد الرحمن،
الإنسان والعدالة والحرية، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1992، صـ 141.
[24] محمد، حسن،
نقد النظرية النفعية ونظرية العدالة عند رولز، الإسكندرية: دار الوفاء، 2017، صـ
123.
[25]Sen, Amartya, The
Idea of Justice, Harvard University Press, 2009, pp. 57–61.
[26] رولز، جون، نظرية في العدالة،
مصدر سابق، صـ 137.
[27]Rawls, John, A
Theory of Justice, op. cit., p. 11.
[28] عبد الرحمن، طه، سؤال الأخلاق:
مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، بيروت: المركز الثقافي العربي، 2000، صـ
202.
[29]Rawls, John, A
Theory of Justice, op. cit., pp. 118–123.
[30] العثماني، سامي، العدالة بوصفها
إنصافًا عند جون رولز، المصدر السابق، صـ 125.
[31]Dworkin, Ronald,
Justice for Hedgehogs, op. cit., 2011,
p. 202.
[32]Sen, Amartya, The
Idea of Justice, op. cit., pp. 56–59.
[33] محمد، حسن،
نقد النظرية النفعية ونظرية العدالة عند رولز، الإسكندرية: دار الوفاء، 2017، صـ
109.
[34] سليمان، عادل، «العدالة كإنصاف
عند جون رولز، مجلة الفكر الفلسفي المعاصر، جامعة الجزائر 2، العدد 10، 2020، صـ
44.
[35]Rawls, John, A
Theory of Justice, op. cit., p. 11.
[36] رولز، جون، نظرية في العدالة،
مصدر سابق، صـ 29.
[37]Freeman, Samuel,
Rawls, Routledge, op. cit., pp. 117–118.
[38] الجابري،
محمد عابد، الخطاب العربي المعاصر، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1990، صـ
84.
[39]Rawls, John, A
Theory of Justice, op. cit., p. 4.
[40] زيدان، سامي، «فلسفة التشارك
والعدالة عند رولز، مجلة العلوم الإنسانية، جامعة دمشق، العدد 17، 2018، صـ 133.
[41] رولز، جون، نظرية في العدالة،
مصدر سابق01، صـ 209.
[42] عبد الرحمن، طه، العمل الديني
وتجديد العقل، بيروت: المركز الثقافي العربي، 1997، صـ 142.
[43]Rawls,
Political Liberalism, op. cit., p. 133.
[44]Freeman, Samuel,
Rawls, Routledge, op. cit., pp. 231–233.
[45]Rawls, John, A
Theory of Justice, op. cit., p. 65.
[46] أبو العز، محمد، العدالة والحرية
في الفلسفة السياسية المعاصرة، مصدر سابق، صـ 121.
[47]Esping-Andersen,
Gøsta, The Three Worlds of Welfare Capitalism, Princeton University Press,
1990, pp. 52–54.
[48] رولز، جون، نظرية في العدالة،
مصدر سابق، صـ 217.
[49] Zidan, Sami, “Moral
Foundations of Welfare State: A Rawlsian Perspective, Social Justice Studies,
Vol. 12, No. 2, 2015, pp. 143–146.
[50]Banting, Keith,
The Welfare State and Canadian Federalism, McGill-Queen’s
University Press, 2005, pp. 89–92.
[51] زيدان، سامي، «العدالة والكرامة
في فلسفة رولز، مجلة العلوم الإنسانية، جامعة دمشق، العدد 19، 2019، صـ 154.
[52] رولز، جون، نظرية في العدالة،
مصدر سابق، صـ 267.
[53]Rawls, John, A
Theory of Justice, op. cit., p, 91.
[54]Rawls, Justice as Fairness:
A Restatement, op. cit., pp. 44–46.
[55] العثماني، سامي، العدالة بوصفها
إنصافًا عند جون رولز، مصدر سابق، صـ 221.
[56] Freeman, Samuel, Rawls, Routledge, op.
cit., pp. 310–315.
[57]الكيلاني، نورا، «الفلسفة السياسية
عند رولز: محاولة لتأصيل الليبرالية الأخلاقية، مجلة الفكر السياسي المعاصر، جامعة
القاهرة، العدد 7، 2021، صـ 109.
[58]Taylor, Charles,
Sources of the Self: op. cit., pp. 40–42.
[59]Sandel, Michael,
Liberalism and the Limits of Justice, op. cit.,, p. 62.
[60] مصطفى، عادل، مدخل إلى الفلسفة
السياسية، القاهرة: دار التنوير، 2011، صـ 211.
[61]Okin, Susan
Moller, Justice, op. cit., pp. 89–92.
[62]Ibid, p. 102.
[63] صالح، أماني، «النسوية ونقد
النظرية الليبرالية للعدالة، مجلة الفكر السياسي المعاصر، جامعة القاهرة، العدد 5،
2020، صـ 94.
[64]Nozick, Robert,
Anarchy, State, and Utopia, op. cit., pp. 149–153.
[65]Ibid, p. 172.
[66]Rawls, John, Political
Liberalism, op. cit., pp. 14–18.
[67] نادر، كمال، نقد العقل الأخلاقي
الليبرالي، بيروت: دار التنوير، 2015، صـ 145.
[68]Piketty, Thomas,
Capital in the Twenty-First Century, Harvard University Press, 2014, pp. 20–24.
[69]Fraser, Nancy,
Social Justice in the Age of Identity Politics, Verso, 2003, pp. 69–72.
[70] Taylor, Charles, Multiculturalism and “The Politics of Recognition, Princeton University
Press, 1992, p. 25.
[71] عبد الرحمن، طه، سؤال الأخلاق،
بيروت: المركز الثقافي العربي، 2000، صـ 189.