مجلة كلية القانون والعلوم السياسية

The College of Law and Political Science Journal   

العدد 32

السنة 2026

فاعلية بصمة الوجه كأداة للتحقيق الجنائي في إطار تقنيات الذكاء الاصطناعي

جعفر غيلان حسين الربيعاوي(*)

(*) مدرس دكتور - كليَّة القانون/ الجامعة المُستنصريَّة             jaafar.ghalian@uomustansiriyah.edu.iq

المستخلص

يهدفُ هذا البحثُ إلى تسليط الضَّوء على دور بصمةِ الوجهِ كأحد التَّطبيقات الحديثة لتقنيَّات الذكاء الاصطناعيِّ في مجال التَّحقيقات الجنائيَّة، وأثرها في تعزيز العدالة والأمن المُجتمعي، وتُعَدُّ تقنيَّة التعرُّف على الوجه من الأدوات المُتقدِّمة التي تعتمدُ على خوارزميَّات الذكاء الاصطناعيِّ لتحليل وتحديد هُويَّة الأفراد من خلال ملامح الوجه الفريدة، وقد أصبحت أداةُ فعَّالةً في الكشف عن الجرائم، والتعرُّف على المُتَّهمين، وتحديد هُويَّة الضَّحايا.

ويتناول البحثُ المبادئَ التقنيَّة التي تقومُ عليها بصمة الوجه، مثل: تحليل النقاط الحيويَّة في الوجه، والتعلُّم العميق (Deep Learning)، كما يستعرضُ استخداماتِها العمليَّةَ في مسارح الجريمة، المُراقبة الأمنيَّة، والمطارات، إضافةً إلى دورها في دعم الأدلة الرقميَّة.

كما يُناقش البحثُ التحدِّياتِ الأخلاقيَّةَ والقانونيَّةَ المُتعلِّقة باستخدام هذه التقنيَّة، بما في ذلك موضوعُ الخصوصيَّة، والدِّقَّة، واحتماليَّة التحيُّز الخوارزميِّ، ويُركِّز على أهمِّيَّة وضع أطر تنظيميَّة وتشريعيَّة تَضمَنُ الاستخدامَ المسؤولَ لتقنيَّة بصمة الوجه، خاصَّةً في سياق التَّحقيقات الجنائيَّة التي تتطلَّب درجاتٍ عاليةً من الدقَّة والموثوقيَّة.

ويخلص البحث إلى أنَّ بصمة الوجه تمثِّل نقلةً نوعيَّةً في آليَّات العمل الجنائيِّ، شرط أنْ يتمَّ استخدامها ضمن ضوابطَ قانونيَّةٍ صريحة، وتحت رقابةٍ مُؤسَّسيَّة، بما يضمنُ حماية الحقوق والحريَّات الفرديَّة من جهةٍ، وتحقيق العدالة من جهةٍ أخرى.

الكلمات المفتاحية

التحقيق الجنائي، بصمة الوجه، الذكاء الاصطناعي، الأدلة الرقمية

للاستشهاد بهذا البحث:

الربيعاوي، جعفر غيلان حسين. "فاعلية بصمة الوجه كأداة للتحقيق الجنائي في إطار تقنيات الذكاء الاصطناعي". مجلة كلية القانون والعلوم السياسية, عدد 32، ص 135-162 https://doi.org/10.61279/sbewzv03

تاريخ الاستلام:  13 تشرين الثاني 2025    تاريخ القبول: 20 كانون الاول 2025    تاريخ النشر ورقيا: 25 نيسان 2026

متوفر على الموقع الالكتروني: 25 نيسان 2026

متوفر على: https://jlps.edu.iq/index.php/jlps/ar/article/view/590

متوفر على:   https://iasj.rdd.edu.iq/journals/journal/view/253

ترميز رقمي: https://doi.org/10.61279/sbewzv03

مفهرسة على: https://doaj.org/toc/2664-4088

المجلة تعمل بنظام التحكيم المجهول لكل من الباحث والمحكمين

هذا البحث مفتوح الوصول ويعمل وفق (نسب المشاع الإبداعي) (نَسب المُصنَّف - غير تجاري - منع الاشتقاق 4.0 دولي)

يحتفظ المؤلفون بحقوق النشر (Copyright) لأعمالهم المنشورة في المجلة، مع منح المجلة حق النشر الأول وذلك حسب سياسات المجلة

نسخة المجلة المنشورة هي النسخة الرسمية المعتمدة لأغراض التوثيق والاستشهاد العلمي

المجلة مؤرشفة في مستوعب المجلات العراقية المفتوحة

للمزيد من المعلومات مراجعة موقع المجلة www.jlps.edu.iq

 Issue 32

Year 2026  

The Effectiveness of Facial Recognition as a Tool for Criminal Investigation Within the Framework of Artificial Intelligence Technologies

Jaafar Ghailan Hussein Al-Rubaiawi(*)

(*)Assistant Professor Dr. - College of Law/Al-Mustansiriya University     jaafar.ghalian@uomustansiriyah.edu.iq

Abstract

This research aims to highlight the role of facial recognition as a modern application of artificial intelligence (AI) technologies in criminal investigations, and its impact on enhancing justice and community security. Facial recognition technology is an advanced tool that relies on AI algorithms to analyze and identify individuals through unique facial features. It has become an effective tool in detecting crimes, identifying suspects, and identifying victims.

The research examines the technical principles underlying facial recognition, such as facial biometric analysis and deep learning. It also reviews its practical uses in crime scenes, security surveillance, and airports, as well as its role in supporting digital evidence.

The research also discusses the ethical and legal challenges associated with the use of this technology, including privacy, accuracy, and the potential for algorithmic bias. It emphasizes the importance of establishing regulatory and legislative frameworks that ensure the responsible use of facial recognition technology, particularly in criminal investigations that require high levels of accuracy and reliability. The study concludes that facial recognition represents a qualitative shift in criminal investigation mechanisms, provided it is used within explicit legal controls and under institutional oversight, ensuring the protection of individual rights and freedoms on the one hand, and the achievement of justice on the other.

Key Words

Criminal investigation, facial recognition, artificial intelligence, digital evidence

Recommended citation

الربيعاوي، جعفر غيلان حسين. "فاعلية بصمة الوجه كأداة للتحقيق الجنائي في إطار تقنيات الذكاء الاصطناعي". مجلة كلية القانون والعلوم السياسية, عدد 32، ص 135-162 https://doi.org/10.61279/sbewzv03

Received 13 Nov. 2025; accepted 20 Dec. 2025

published 25 April 2026 ;  published online: 25 April 2026

Available online at: https://jlps.edu.iq/index.php/jlps/en/article/view/590

Online archived copy can be found at: https://iasj.rdd.edu.iq/journals/journal/view/253

Indexed by: https://doaj.org/toc/2664-4088 

Crossref DOI: https://doi.org/10.61279/sbewzv03

This article has been reviewed under the journal’s double-blind peer review policy.

This article is open access and licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivatives 4.0 International License (CC BY-NC-ND 4.0).

Authors retain the copyright to their works published in the journal, while granting the journal the right of first publication according to the journal’s policies.

The published version of the journal is the official version authorized for documentation and scholarly citation purposes.

The journal is archived in the Iraqi Open Access Journals database.


For more information, please refer to the link www.jlps.edu.iq




أولاً- مُقدِّمة البحث:

شهد العالَمُ في السنوات الأخيرة تطوُّرًا هائلاً في تقنيَّات الذكاء الاصطناعيِّ، ممَّا أسهم في إدخال هذه التقنيَّات في العديد من المجالات الحيويَّة، ومن أبرزِها المجالُ الأمنيُّ والتَّحقيقات الجنائيَّة، وتُعَدُّ تقنيَّة بصمة الوجه إحدى أبرز تطبيقات الذكاء الاصطناعيِّ التي أثبتت فاعليَّتَها في التعرُّف على الأشخاص والتحقُّق من هُويتهم بدقَّةٍ مُتناهية، ما يجعلُها أداةً واعدةً لتعزيز كفاءة الأجهزة الأمنيَّة والسُّلطات القضائيَّة لتحقيق العدالة.

وتُمثِّل "بصمة الوجه" تقنيَّةً فريدةً تقوم على التعرُّف على ملامح الوجه البشريِّ وتحليلها، وهي تلعبُ دورًا مُتزايد الأهمِّيَّة في دعم الأجهزة الأمنيَّة والقضائيَّة في كشف الجرائم وتحديد هُويَّة المُتَّهمين.

ثانيًا- أهمِّيَّة البحث:

تتجلَّى أهمِّيَّة هذا البحث في تسليط الضَّوء على الإمكانيَّات التي تُوفِّرُها بصمةُ الوجه في دعم عمليَّات التَّحقيق الجنائيِّ، من خلال تحليل الوجوه ومُطابقتها مع قواعد البيانات؛ لتحديد هُويَّة المُتَّهمين أو الضَّحايا، ممَّا قد يُسرِّع من سير التَّحقيقات ويُقلِّلُ من الاعتماد على الطرق التقليديَّة التي قد تكون أكثرَ عُرضةً للخطأ أو التَّلاعُب، فهي تُوفِّرُ الوقت والجهد، وتَزِيد من موثوقيَّتِها، وتَضمَنُ سلامتَها من التَّزوير وتُقلِّل من التكاليف، ويُمكن الوصول إلى البيانات الرقميَّة بشكلٍ أسرعَ، فهي تجعلُ إجراءاتِ التَّحقيق والاستدلال بالأدلة أكثرَ فاعليَّةً في النِّظام القانونيِّ.

ثالثًا- أهدافُ البحث:

يهدف هذا البحثُ إلى دراسة دور بصمة الوجه كأحد تطبيقات الذكاء الاصطناعيِّ في التَّحقيق الجنائيِّ، مع التَّركيز على فاعليَّتها، ومجالات استخدامها، واستكشاف كيفيَّة الاستغلال الأمثل لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعيِّ في مسرح الجريمة، والتَّحقيقات الجنائيَّة؛ لتحسين قدرة الأجهزة الأمنيَّة والقضائيَّة على اكتشاف الجرائم، ودراسة مدى مشروعيَّة استخدامها، والإطار القانونيِّ الناظم لها، وكذلك التحدِّيات التقنيَّة والأخلاقيَّة التي قد تَعُوق استخدامَها بشكلٍ عادلٍ وآمن.

رابعًا- إشكاليَّة البحث:

ورغم هذا التقدُّم، تُثار إشكاليَّةٌ محوريَّةٌ تتعلَّق بمدى موثوقيَّة ودقَّة هذه التقنيَّة، وإلى أيِّ مدًى يُمكن الاعتماد على تقنيَّة بصمة الوجه المُعزَّزة بالذكاء الاصطناعيِّ كدليلٍ في التَّحقيق الجنائيِّ؟ إضافةً إلى التحدِّيات القانونيَّة والتقنيَّة المُرتبطة باستخدامها، مثل: الخصوصيَّة، واحتماليَّة إساءة الاستخدام، والتَّمييز الخوارزميِّ. لذلك، يتطلَّبُ الأمر بحثًا مُعمقًا في مدى فاعليَّة بصمة الوجه كأداة تحقيقٍ جنائيٍّ، وما يُرافق استخدامَها من مُعوِّقاتٍ قانونيَّةٍ وتقنيَّة.

خامسًا- منهجُ البحث:

يعتمد هذا البحثُ على المنهج الوصفيِّ التحليليِّ، وذلك من خلال استعراض وتحليل الأدبيَّات والدِّراسات المُتعلِّقة بتقنيَّة بصمة الوجه وتطبيقاتها في المجال الجنائيِّ، مع التَّركيز على الجوانب التقنيَّة والقانونيَّة والأمنيَّة المُتعلِّقة بها، كما سيتمُّ تحليلُ النُّظم القانونيَّة والتَّشريعات ذات الصِّلة، وبيان مدى مُواءَمتها لاستخدام هذه التقنيَّة ضمن الإجراءات الجنائيَّة، ويعتمد البحثُ كذلك على المنهج المُقارن، وذلك بمُقارنة تجارب بعض الدول في استخدام بصمة الوجه؛ بهدف استخلاص أفضل المُمارسات والتَّوصيات المُلائمة لتطبيق هذه التقنيَّة ضمن إطارٍ قانونيٍّ يحفظُ الحقوق والحريَّات.

سادسًا- خطة البحث:

ينقسمُ هذا البحث إلى ثلاثة مطالبَ رئيسة، يُعالج كلٌّ منها جانبًا مُحددًا من موضوع تقنيَّة بصمة الوجه في التَّحقيقات الجنائيَّة، وذلك على النَّحو الآتي:

المطلب الأول: المُرتكزات المفاهيميَّة والتقنيَّة لبصمة الوجه.

المطلب الثاني: الإطارُ القانونيُّ المُنظِّم لاستخدام بصمة الوجه في التَّحقيق الجنائيِّ.

المطلب الأول

المُرتكزات المفاهيميَّة والتكنولوجيَّة لبصمة الوجه

في عصر تتسارعُ فيه التطوُّرات التقنيَّة، أصبح الذكاءُ الاصطناعيُّ (AI) أحد الأدوات الأكثر تأثيرًا في مُختلف المجالات، لا سيَّما في مجال العدالة الجنائيَّة، ومن أبرز تطبيقاته برز استخدامُ تقنيَّات الذكاء الاصطناعيِّ في تحليل وتحديد بصمة الوجه([1])، كوسيلةٍ فعالةٍ في التَّحقيقات الجنائيَّة وجمع الأدلة.

تُعد تقنيَّات التعرُّف على الوجه من أبرز تطبيقات الذكاء الاصطناعيِّ في مجال التعرُّف البيومتريِّ، حيث تعتمدُ على تحليل السِّمات الفريدة للوجه البشريِّ داخل الصور وتحويلها إلى بياناتٍ رقميَّة.

تشمل هذه السِّماتُ القياساتِ الحيويَّةَ المُميزة لكلِّ شخص، مثل: المسافة بين العينين، طول الأنف، شكل الفم، عرض الذقن، حجم الفك، تباعُد الأذنين، تجاعيد الوجه، وغيرها من التفاصيل الدَّقيقة، وبناءً على هذه البيانات، تُجرى عمليَّة مُطابقة بين صورة الوجه المُراد التعرُّف عليه، والصور المُخزَّنة في قواعد بيانات الوجوه.

وتمتازُ تقنيَّة التعرُّف على الوجه بعدَّة مزايا مُقارنة بأنظمة القياس الحيويِّ الأخرى، مثل: بصمة الإصبع، بصمة الصوت، بصمة العين، البصمة الوراثيَّة([2])، أو حتى بصمة الدماغ. وتكمُن أهمُّ هذه المزايا في قدرتها على العمل عن بُعد دون الحاجة إلى تفاعُل مُباشر مع الجهاز، بخلاف بصمة الإصبع أو العين، التي تتطلَّبُ عادةً مُلامسةً أو قربًا شديدًا من المُستشعر. كما أنَّ تقنيَّاتِ الوجه أقلُّ تأثرًا بالظروف البيئيَّة أو التغيُّرات الصحيَّة المُؤقَّتة؛ فعلى سبيل المثال، قد تتعطَّل دقَّة التعرُّف على الصوت في البيئات المُزدحمة أو يتغيَّر الصوت نتيجةَ الزكام، كما أنَّ بصمة الإصبع قد تتضرَّرُ بفعل الحروق أو الجروح، وبصمة العين قد تتأثَّر بالالتهابات.

علاوةً على ذلك، تُستخدَمُ تقنيَّات التعرُّف على الوجه على نطاقٍ واسعٍ في المُراقبة العامَّة، مثل مُتابعة حركة المُشاة والتعرُّف على زوَّار المتاجر، وهو ما يجعلُها أكثرَ فاعليَّةً في حالات التتبُّع أو التَّحقيق في السرقات والاعتداءات، دون الحاجة لوجود الشخص المطلوب بالقرب من جهاز فحص أو إدخال بيانات.

سيتناول الباحثُ المُرتكزاتِ المفاهيميَّةَ والتكنولوجيَّةَ لبصمة الوجه من خلال فرعَيْن رئيسَيْن: يُخصَّص الفرع الأول لعرض التَّعريف المُعتمد لبصمة الوجه، في حين يتناول الفرعُ الثاني الأسسَ التقنيَّةَ التي تقوم عليها هذه التقنيَّة وآليَّة عملها، وذلك على النَّحو الآتي:

 

الفرع الأول: تعريف تقنيَّة بصمة الوجه

يتناول الباحثُ في هذا الفرع تعريفَ بصمة الوجه؛ باعتبارها تقنيَّةً حيويَّةً تعتمد على السِّمات الهندسيَّة للوجه البشريِّ، وتقوم على الدقَّة والسرعة والاعتماد على الذكاء الاصطناعيِّ، وتَستخدم تقنيَّةُ بصمة الوجه خوارزميَّات التعلُّم العميق لمُقارنة الصور الرقميَّة لها للبصمة المُخزَّنة في قاعدة البيانات؛ من أجل التحقُّق من هُويَّة الفرد.

ويُعتبَرُ الوجه من السِّمات شائعة الاستخدام فى إثبات الهُويَّة، فيُستخدم عادةً في إثبات الهُويَّة في إجراءات السفر من خلال صورة الشخص الرقميَّة أو الفوتوغرافيَّة في جواز السفر، والآن تُجرى الأبحاثُ للتعرُّف على سمات الأشخاص من خلال سماتِ الوجه، ففي المطارات يخضعُ المُشتبَه بهم لأجهزة التعرُّف على ملامح وجوههم([3])، وهناك أجهزةٌ تُصوِّرُ الموجودين بصالات المطارات للتعرُّف على المُجرمين المُسجَّلين من خلال أنوفهم، وعيونهم، وأفواههم، حيث يتمُّ تحليل صورة الوجه من خلال (۸۰) نقطةً عقديَّةً حول الأنف والفم والحاجبين وبعض أجزاء الوجه، ومن أهمِّ النقط العقديَّة التي يقومُ النِّظام بمسحها المسافةُ بين العينين، وعرض الأنف، وعمق تجويف العين، وشكل عظام الخد، إضافةً إلى طول خطِّ الخد، ويَرصُد الجهازُ المُصوِّرُ الشخصَ من حركة رأسه، إلاَّ أنَّ الأشخاص الذين يُطلِقُون لِحَاهم أو يزداد وزنُهم يُشكِّلون عائقًا للكشف عن شخصيَّتهم، ففي ماليزيا والعديد من الدول يتمُّ تصوير كلِّ شخص عند تسليمه حقائبَهُ في المطارات.

1- المقصود في (بصمة الوجه الرقميَّة):

هي التقنيَّة التي تَستخدم قياسات الوجه الحيويَّة، مثل: المسافة بين العينين، وعمق المقلتين، وعرض الأنف، وشكل عظام الخدين، وطول عظام الفكَّيْن لاستقراء ملامح الوجه، وتحديد التقاطيع الأساسيَّة فيه عبر أخذها من صورة أو فيديو ومُقارنتها مع الصور الموجودة في قاعدة بيانات الوجوه للعثور على تطابُق مُحتمل([4]).

وإنَّ البيانات البيومتريَّة المُستخرَجة من صورة وجه الإنسان، تُحلَّلُ من خلال خوارزميَّات ذكاء اصطناعيٍّ لتحديد الهُويَّة، حيث يُعَدُّ هذا التطبيق من أقوى أدوات الذكاء الاصطناعيِّ في المجالات الأمنيَّة، وتُستخدَمُ هذه التقنيَّة اليوم في عدَّة استخداماتٍ، أهمُّها: التحقُّق من وجود المطلوبين في قواعد البيانات الجنائيَّة، ومُراقبة الأماكن العامَّة عبر كاميرات مُتَّصلة بأنظمة التعرُّف الآليِّ، والتعرُّف على المُشتبَه بهم في الأماكن العامَّة، وتتبُّع تحرُّكات الأشخاص ضمن أنظمة المُراقبة، والتحقُّق من الهُويَّة عند المداخل والمخارج الحيويَّة.

 

2- تعريف التحقُّق بالوجه:

هي تقنيَّةٌ تُستخدَمُ لالتقاط صورة للوجه، ثم التعرُّف على ملامح الوجه باستخدام مُعطياتٍ بيومتريَّةٍ لتعيين ملامحه من خلال مُطابقته بقاعدة بياناتٍ([5]) ضخمةٍ تضمُّ ملايين الصور.

وتعتمدُ عمليَّتَا التعرُّف على الوجه والتحقُّق من الوجه على المسح الضوئيِّ لوجه الشخص، ومُقارنته بصورةٍ موجودةٍ في قاعدة بيانات للتثبُّت من هُويته، والفارقُ الرئيسُ هو أنَّ التحقُّق بالوجه يتطلَّبُ مُوافقةً صريحةً من المُستخدم، والذي يحصلُ بدوره على شيء في المُقابل، كالدخول على هاتفه أو على تطبيق الخدمات المصرفيَّة عبر الهاتف الذكيِّ، أمَّا تقنيَّة التعرُّف على الوجوه فيُمكن استخدامُها - على سبيل المثال - لرصد جميع الموجودين بالأماكن التي تزداد فيها السَّرقات، مثل: جريمة السرقة المُرتبِطة بالأماكن العامَّة، ومن أهمِّ الأماكن التي يزدادُ فيها ارتكابُ هذه الجريمة: "المزارات الدينيَّة - الأسواق والمحالّ التِّجاريَّة - وسائل النقل العامَّة - المُظاهرات – والازدحام"([6])، وتنبيه السُّلطات إذا كان مُتَّهمٌ مطلوبٌ تمَّ رصدُهُ بين الموجودين، وكذا بياناتُ المُسجَّلين والمشهور عنهم ارتكابُ هذه الجريمة وصورهم وجنسيَّاتهم وأعمارهم والعلامات المُميِّزة لهم، فيُمكِنُهم من التعرُّف على الوجوه وتحليلها التنبُّؤُ بمُستقبل تلك الجريمة، ويُساعد القائمين على المُواجهة على اتِّخاذ التدابير الوقائيَّة لمنع ارتكاب تلك الجريمة.

الفرع الثاني: الأسسُ التقنيَّةُ لبصمة الوجه وآليَّةُ عملها

أولاً- الأسس التقنيَّة لاستخدام بصمة الوجه في التَّحقيق الجنائيِّ:

تُعَدُّ تقنيَّة بصمة الوجه من أكثر تطبيقات الذكاء الاصطناعيِّ تقدُّمًا في مجال التعرُّف على الهُويَّة والتَّحقيقات الجنائيَّة، وتعتمدُ على مجموعةٍ من الأسس والخطوات التقنيَّة المُعقَّدة التي تُمكِّنُ من تحديد ملامح الوجه ومُقارنتها مع بياناتٍ مُخزَّنةٍ مُسبقًا في قواعد البيانات، وفيما يلي توضيحٌ لأهمِّ هذه الأسس:

1- اكتشاف الوجه (Face Detection):

الخطوةُ الأولى في النِّظام هي تحديدُ مكان الوجه داخل الصورة أو مقطع الفيديو، وتُستخدم خوارزميَّاتٌ مُتقدِّمةٌ تعتمد على الذكاء الاصطناعيِّ، مثل: خوارزميَّة (Haar Cascade) أو شبكات Convolutional Neural Networks، CNNS))؛ لتحديد ملامح الوجه بدقَّة، حتى في الإضاءة السيِّئة أو زوايا الالتقاط غير المثاليَّة.

 

2- تحليل ملامح الوجه (Feature Extraction)([7]):

بعد تحديد الوجه، يتمُّ استخراج السِّمات الهندسيَّة والبيومتريَّة المُميِّزة له، مثل: "المسافة بين العينين، شكل الأنف والفم، عرض الجبهة، شكل الفكِّ والذقن، تجاعيد الوجه".

تُحوَّل هذه السِّماتُ إلى نموذجٍ رقميٍّ يُعرَفُ بخريطة الوجه (Face print) أو بصمة الوجه، وهي أشبهُ بالبصمة الوراثيَّة للوجه، فريدة لكلِّ شخص.

3- مُطابقة الوجوه (Face Matching)([8]):

يتمُّ بعد ذلك مُقارنة بصمة الوجه المُستخرَجة مع قاعدة بياناتٍ تحتوي على صور لمُشتبَه بهم أو مطلوبين، وتُستخدَمُ في هذه المرحلة خوارزميَّات التعلُّم العميق، مثل: (Deep Face من Meta)، أو (Face Net من Google)، والتي تُتيح مُقارنةَ مئات أو آلاف الوجوه خلال ثوانٍ، مع تقديم نسبة تطابُق دقيقة.

4- التحقُّق والتعرُّف (Verification vs. Identification):

أ- التحقُّق (Verification): يُستخدَمُ لتأكيد هُويَّة شخص يزعمُ أنه معروفٌ مُسبقًا، "هل هذا هو الشخص المطلوب؟".

ب- التعرُّف (Identification): يُستخدَمُ للعثور على هُويَّة شخصٍ غير معروفٍ بمُقارنة بصمة وجهه مع كافة السِّجلات المُتاحة.

5- دمج البيانات وتحسين النتائج:

يُمكن دمجُ بصمة الوجه مع بياناتٍ بيومتريَّةٍ أخرى، مثل: "بصمات الأصابع أو بصمة الصوت" لتحسين دقَّة التحقُّق، خصوصًا في الحالات التي تكونُ فيها جودةُ الصورة ضعيفةً أو ملامح الوجه غيرَ واضحةٍ بسبب التَّمويه أو التقدُّم في العمر.

ثانيًا- آليَّة عمل أنظمة التعرُّف على الوجه([9]):

يتمُّ جمعُ البيانات البيومتريَّة للفرد وتخزينُها في قاعدة بيانات، حيثُ يتمُّ إنشاء نموذجٍ رقميٍّ للخاصيَّة البيومتريَّة، وعند مُحاولة الشخص المُختصِّ للوصول إلى النِّظام يتمُّ جمع بياناتٍ بيومتريَّةٍ جديدة، ومُقارنتها بالنموذج المُخزّن، وإذا كانت البياناتُ الجديدةُ تتطابَقُ مع النموذج المُخزن يتمُّ السَّماح بالوصول، وإذا لم تتطابَقْ يتمّ رفض الوصول.

وتعتمدُ أنظمة التعرُّف على الوجه باستخدام الذكاء الاصطناعيِّ على المراحل التالية:

1- اكتشاف الوجه: من خلال تحديد موقع الوجه في الصورة أو الفيديو باستخدام تقنيَّاتٍ، مثل: الشبكات العصبيَّة التلافيفيَّة (CNN).

2- استخراج السِّمات: عن طريق تحليل المعالم الفريدة للوجه وتحويلها إلى نموذجٍ رياضيٍّ([10]).

3- مُطابقة البيانات: بمُقارنة بصمة الوجه المُستخرَجة من قاعدة بياناتٍ تحتوي على وجوهٍ معروفةٍ لتحديد الهُويَّة.

4- التعرُّف النهائي: عن طريق تقديم تطابُق واحتماليَّة تحديد الشخص المطلوب أو المُتَّهم([11]).

وبناءً على ما تقدَّم، يقترحُ الباحثُ على السُّلطات العراقيَّة المُختصَّة – سواءٌ كانت من سُلطات الضَّبط القضائيِّ أو الجهات القضائيَّة – بضرورة تبنِّي تقنيَّة بصمة الوجه وتفعيل استخدامها في مجال التَّحقيق الجنائيِّ؛ لِمَا تُوفِّرُه من إمكانيَّةٍ دقيقةٍ في التعرُّف على المُتَّهمين واستخلاص الأدلة الجنائيَّة.

وتُعَدُّ هذه التقنيَّة من الوسائل العلميَّة المُتقدِّمة، إذ تعتمدُ على خوارزميَّاتٍ بيومتريَّةٍ عالية الكفاءة قادرةٍ على تحديد ملامح وجه المُتَّهم بدقَّةٍ فائقةٍ، الأمرُ الذي يُعزِّزُ من موثوقيَّة الأدلة ويُقلِّلُ من احتمالات التَّلاعُب أو التَّمويه، بخلاف بعض الأدلة البيومتريَّة الأخرى التي قد تتأثَّر بظروفٍ صحيَّةٍ أو بيئيَّة، ممَّا يُضعف من قيمتها في إجراءات التَّحقيق، على سبيل المثال:

أ- بصمة الإصبع: قد يُؤدِّي احتراقُ بصمة الإبهام إلى صعوبةٍ بالغةٍ في التعرُّف على هُويَّة المُتَّهم.

ب- بصمة الصوت: قد يتغيَّرُ الصوتُ نتيجةَ الإصابة بالزكام أو الْتِهابات الحنجرة، ممَّا يعُوق عمليَّة المُطابقة الدقيقة.

ج- بصمة العين: يُمكن أنْ تتأثَّر بإصاباتٍ أو أمراضٍ، مثل: الفيروسات التي تُسبِّبُ التهاباتٍ تمنعُ من الحصول على قراءةٍ صحيحةٍ.

ورغم أنَّ تقنيَّة بصمة الوجه، كغيرها من التقنيَّات، لا تخلو من بعض أوْجُه القصور، إلاَّ أنها تُعَدُّ الأقلَّ تأثُّرًا بالعوامل الخارجيَّة، والأكثر دقَّةً وفاعليَّةً مُقارنةً بالوسائل الأخرى، كما تمتازُ بإمكانيَّة قراءة ملامح الوجه عن بُعد ودون تلامُس، ما يُسهم في تسريع إجراءات التَّحقيق وتقليل الاحتكاك المُباشر، وهو ما يُعطيها أفضليَّةً واضحةً في السِّياقات الأمنيَّة والقضائيَّة.

إلى جانب ذلك، تتوفَّرُ لدى السُّلطات العراقيَّة المُقوِّماتُ الأساسيَّةُ اللازمة لاعتماد تقنيَّة بصمة الوجه، حيثُ بادرت وزارةُ الداخليَّة بإطلاق مشروع (إنجاز) ضمن منظومة المُعالجة والمُضاهاة البايومتريَّة، والذي يهدفُ إلى تعزيز الأمن العامِّ ومُكافحة الجريمة من خلال استخدام تقنيَّات التعرُّف البيومتريِّ، وقد شمل المشروعُ تجهيزَ مُعظم المناطق في البلاد بكاميرات مُراقبةٍ حديثة، تمَّ تنصيبُها بإشراف الجهات الأمنيَّة المُختصَّة.

كما أنَّ الجهاتِ المعنيَّةَ بالتَّحقيق والأدلة الجنائيَّة تمتلكُ أجهزةً تقنيَّةً مُتقدِّمةً تُستخدم في إجراءات التحرِّي والتَّحقيق، إلى جانب برامجَ تدريبيَّةٍ مُتواصلةٍ تهدف إلى رفع كفاءة الكوادر الفنيَّة العاملة في هذا المجال، وبذلك فإنَّ البنية التحتيَّة الفنيَّة والبشريَّة المطلوبة لتطبيق تقنيَّة بصمة الوجه مُتوفِّرة في العراق، ممَّا يُهيِّئ الأرضيَّةَ المُناسبةَ لاعتماد هذه التقنيَّة وتوظيفها بفاعليَّةٍ في مجال التَّحقيق الجنائيِّ.

أمَّا بالنِّسبة للسند القانونيِّ لاعتماد سُلطات التَّحقيق العراقيَّة على تقنيَّة بصمة الوجه، فسيتولَّى الباحثُ بيانَهُ تفصيلاً في المطلب الثاني القادم، وذلك عند مُناقشة الإطار القانونيِّ المُنظِّم لاستخدام هذه التقنيَّة، وفقًا لموقعه ضمن هيكل البحث.

المطلب الثاني

الإطارُ القانونيُّ المُنظِّم لاستخدام تقنيَّة بصمة الوجه في التَّحقيق الجنائيِّ

أدَّى تطوُّر تقنيَّات الذكاء الاصطناعيِّ إلى إدخال أدواتٍ مُتقدِّمةٍ في مجال التَّحقيقات الجنائيَّة، من أبرزها تقنيَّة التعرُّف على الوجوه (Facial Recognition)، وتكمُن أهمِّيَّة بصمة الوجه في كونها وسيلةً غيرَ تلامسية وسريعةً للتعرُّف على الأشخاص، كما يُمكن استخدامُها بأثرٍ رجعيٍّ في تحليل مقاطع الفيديو بعد وقوع الجريمة.

وتُستخدَمُ هذه التقنيَّة لاستخلاص بصمة الوجه التي تعدُّ وسيلةً فعَّالةً لتحديد هُويَّة الأشخاص بدقَّةٍ عاليةٍ، ومُراقبة الأماكن العامَّة، ومع ذلك يُثير استخدامُها تساؤُلاتٍ قانونيَّةً بشأن مدى توافُقها مع القانون([12])، وبالأخصِّ القانونُ الجنائيُّ العراقيُّ والتحدِّيات القانونيَّة والأخلاقيَّة التي تتطلَّبُ وضعَ ضوابطَ واضحةٍ تضمنُ التَّوازُنَ بين فاعليَّة التَّحقيقات وحماية الحقوق والحريَّات الأساسيَّة.

وبناءً على ما تقدَّم، سيتناول الباحثُ في هذا المطلب حجيَّةَ استخدام تقنيَّة بصمة الوجه بوصفها دليلاً رقميًّا في القانون الجنائيِّ العراقيِّ، وذلك من خلال فرعين: يتناول الفرع الأول: مدى قَبُول بصمة الوجه كدليل إثباتٍ أمام القضاء العراقيِّ، بينما يُخصَّصُ الفرع الثاني لبحث: حجيَّة تطبيق بصمة الوجه كدليلٍ رقميٍّ في القانون العراقيِّ، وذلك على النَّحو الآتي:

الفرع الأول: مدى قَبُول بصمة الوجه كدليل إثباتٍ أمام القضاء العراقيِّ

في ظلِّ التطوُّرات التقنيَّة الهائلة التي يشهدُها العالم، أصبحت بصمةُ الوجه (Facial Recognition) من أبرز أدوات التَّحقيق الجنائيِّ المُعتمَدة في العديد من الأنظمة القضائيَّة؛ لِمَا تُوفِّرُهُ من دقَّةٍ وسرعةٍ في تحديد هُويَّة المُتَّهمين، على الرَّغم من اعتمادها في الدول المُتقدِّمة كوسيلةٍ مُساعدةٍ في التَّحقيق والإثبات، وقد أثارت هذه التقنيَّةُ جدلاً قانونيًّا واسعًا حول مشروعيَّة استخدامها ومدى قَبُولها كدليل إثباتٍ أمام المحاكم، خصوصًا في الأنظمة القانونيَّة التي لم تُواكب بشكلٍ كافٍ التحوُّلَ الرقميَّ، ومن بينها القانونُ العراقيُّ.

أولاً- الإطارُ القانونيُّ للأدلة الرقميَّة في القانون العراقيِّ:

لا يُوجد في القانون العراقيِّ حتى الآن نصٌّ خاصٌّ يُنظِّمُ صراحةً حجيَّةَ الأدلة الرقميَّة، ولكن يُمكن الرجوعُ إلى المبادئ العامَّة في قانون الإثبات العراقيِّ رقم 107 لسنة 1979، الذي يُجيز الأخذَ بأيِّ وسيلة إثباتٍ غير محظورةٍ قانونًا، طالما كانت مُنتجةً في الدَّعوى([13]).

كما يُمكن الاستنادُ إلى قانون أصول المُحاكمات الجزائيَّة رقم 23 لسنة 1971، فقد نظَّم إجراءات التَّحقيق الجنائيِّ، ومَنَح السُّلطةَ القضائيَّةَ والضَّبطَ القضائيَّ صلاحياتٍ واسعةً في جمع الأدلة([14])، بما في ذلك وسائلُ التقنيَّة الحديثة، ما دام ذلك لا ينتهكُ الحريَّاتِ المكفولةَ قانونًا، وأيضًا أتاح للقاضي الجنائيِّ حريَّةَ الاقتناع بالأدلة وفقًا لمبدأ "الاقتناع الشخصي للقاضي".

أمَّا فيما يتعلَّقُ بالجانب القضائيِّ فلا توجد أحكامٌ قضائيَّةٌ منشورةٌ على نطاقٍ واسعٍ تتناول بصمة الوجه تحديدًا، لكنَّ القضاءَ العراقيَّ غالبًا ما يقبلُ بالأدلة الرقميَّة التي يثبُت موثوقيَّتها، وقد أخذت المحاكم العراقيَّة في بعض الحالات بالأدلة المُستخرَجة من كاميرات المُراقبة أو الأجهزة الإلكترونيَّة كبيِّنةٍ مُعزَّزةٍ أو رئيسةٍ خاصَّةً إذا أُخذت من قِبَلِ جهةٍ مُختصَّةٍ (الأدلة الجنائيَّة) وبإذْنٍ قضائيٍّ.

وتضمَّنت مُسودة قانون مُكافحة الجرائم المعلوماتيَّة - رغم عدم إقرار القانون رسميًّا - في بعض مُسوداته التي تشير إلى تنظيم استخدام أدوات المُراقبة والتَّحقيق التقنيِّ، ومنها بصمة الوجه، ما يضمنُ المُوازنةَ بين الأمن العامِّ وحماية الخصوصيَّة.

ثانيًا- مدى قَبُول بصمة الوجه أمام القضاء العراقيِّ:

1- عدم وجود نصٍّ مانع: لا يُوجد نصٌّ في القانون العراقيِّ يمنعُ استخدامَ بصمة الوجه كدليل، لا في قانون أصول المُحاكمات الجزائيَّة ولا في قوانين الأدلة، ممَّا يعني من الناحية النظريَّة أنَّ استخدامَها مُمكِنٌ ومُتاح، وبناءً على مبدأ حريَّة الإثبات، يجوزُ اعتمادُها ما دامت: "صادرةً من جهةٍ مُختصَّة، وتمَّ جمعُها وَفْق إجراءاتٍ قانونيَّةٍ، مثل: "إذن قضائي، دعمتها قرائن أو أدلة أخرى، ولم يتم التَّلاعُب بها أو تحريفها".

وهذا القبولُ مُرتبِطٌ بالمشروعيَّة، فإذا تمَّ الحصولُ على بصمة الوجه دون إذْنٍ قضائيٍّ أو بانتهاك خصوصيَّة الفرد، فإنَّ الدليل قد يُرفَضُ بناءً على عدم المشروعيَّة، ويُؤكِّدُ القضاء العراقيُّ على أنَّ أيَّ دليلٍ يتمُّ الحصول عليه بطريقٍ غير قانونيٍّ أو ينتهك الحقوقَ الدستوريَّة، يُعتبَرُ دليلاً باطلاً.

2- عدم وجود نصٍّ مُؤيِّدٍ أو مُنظِّم: وفي المُقابل لا يُوجد نصٌّ تشريعيٌّ يُنظِّمُ إجراءات التقاط بصمة الوجه، أو يُحدِّدُ الجهاتِ المُخوَّلةَ باستخدامها، أو يضع معاييرَ لضمان موثوقيَّتها، ممَّا قد يُضعف من حجيَّتها في حال الطَّعن بها.

3- القبول المُقيَّد بتقييم الخبرة الفنيَّة: بسبب الطابع التقنيِّ لبصمة الوجه؛ يحتاجُ القاضي غالبًا إلى رأي الخبراء المُختصِّين لتقدير مدى صحَّة التَّحليل أو التطابُق، وتلجأُ المحاكم في بعض الحالات إلى الخبرة الفنيَّة العدليَّة لدعم قناعة القاضي.

وفي بعض القضايا الأمنيَّة والجنائيَّة، تمَّ قبولُ الصور والفيديوهات المُلتقَطة من كاميرات المُراقبة كقرائنَ أو أدلةِ إثبات، ولكن لم تصدرْ قراراتٌ قضائيَّةٌ منشورةٌ تقضي صراحةً بِقَبُول بصمة الوجه بمعناها الرقميِّ الحديث (الخوارزميِّ)؛ بسبب حداثة التقنيَّة([15]).

إلاَّ أنَّ التوجُّهَ العامَّ يُشير إلى قابليَّة المحاكم لِقَبُول هذا النوع من الأدلة إذا توفَّرت المشروعيَّة والدقَّة الفنيَّة في استخدامها، وضمان سلامة الخوارزميَّات وعدم انحيازها، وتوفير رقابةٍ قضائيَّةٍ على استخدامها، وتوثيق عمليَّة الالتقاط والإجراءات القانونيَّة المُصاحبة لها، والربط مع قواعد حماية الخصوصيَّة وعدم استخدامها خارج نطاق القانون، والباحثُ من المُؤيِّدين لاستخدام هذه التقنيَّة من قِبَل سُلطات التَّحقيق في العراق، ونستندُ في رأينا إلى عدَّة عواملَ، أهمُّها:

أ- المرونة التَّشريعيَّة: لم يُقيِّدْ القانونُ العراقيُّ القاضيَ بوسائلِ إثباتٍ مُحدَّدة، وهذا يُعطي مجالاً للأخذ بالوسائل العلميَّة الحديثة.

ب- التَّحقيق العلمي: تعتمدُ بصمةُ الوجه على تقنيَّات الذكاء الاصطناعيِّ والتعلُّم العميق، وهي تقنيَّاتٌ دقيقةٌ يُمكن أنْ تُسهم في تقليل الخطأ البشريِّ في التعرُّف على الأشخاص.

ج- السَّوابق الدوليَّة: كثيرٌ من الدول مثل الولايات المُتَّحدة، بريطانيا، وألمانيا وغيرها، بدأت تعتمدُ بصمةَ الوجه في قضايا جنائيَّة، واعتبرتها جزءًا من أدلة الإثبات، خصوصًا في قضايا الإرهاب والجريمة المُنظَّمة.

د- دعم مبدأ العدالة: في حالِ كانت بصمةُ الوجه وسيلةً موثوقةً لكشف الجناة أو تبرئة الأبرياء، فإنَّ العدالة تقتضي الاستفادةَ منها وعدمَ استبعادها لمُجرَّد عدم وجود نصٍّ صريحٍ.

ثالثًا: التوجُّهات الحديثة نحو الإقرار بتقنيَّة بصمة الوجه كدليلٍ قانونيٍّ:

تُعَدُّ بصمة الوجه كدليلٍ رقميٍّ أداةً واعدةً في تحديد هُويَّة المُتَّهمين، ويُمكن قبولُها كدليلٍ في القانون العراقيِّ؛ بشرط توافُر الضَّمانات القانونيَّة والفنيَّة، غير أنَّ القبولَ القضائيَّ لهذا النوع من الأدلة يتطلَّبُ:

1- تطوُّرًا تشريعيًّا واضحًا، وتوفير معاييرَ تقنيَّةٍ موثوقة، حيثُ هناك دعواتٌ تشريعيَّةٌ في العراق وفي دول عربيَّة أخرى لتنظيم إثبات الأدلة الرقميَّة ضمن قانون الإثبات، أو ضمن تشريعاتٍ خاصَّةٍ بالجرائم المعلوماتيَّة.

2- تُطالب الجهات القضائيَّة بوضع ضوابطَ لاستخدام الذكاء الاصطناعيِّ في الأدلة الجنائيَّة، منها ضوابطُ تقنيَّةٌ وإجرائيَّةٌ وقانونيَّةٌ، واحترام حقوق الإنسان، وخاصَّةً الحقَّ في الخصوصيَّة.

الفرع الثاني: حجيَّة تطبيق بصمة الوجه كدليلٍ رقميٍّ في القانون العراقيِّ

في ظلِّ التطوُّرات التكنولوجيَّة المُتسارعة، أصبح استخدامُ تقنيَّات الذكاء الاصطناعيِّ وتطبيقات التعرُّف على الوجه (Facial Recognition) من الأدوات المُتقدِّمة في ميدان التَّحقيقات الجنائيَّة، ولا سيَّما في تحليل الأدلة الرقميَّة، وتُعَدُّ بصمة الوجه من الأدلة البيومتريَّة الرقميَّة التي يُمكن من خلالها تحديدُ هُويَّة الأشخاص بدقَّة، وهو ما يطرحُ تساؤُلاتٍ قانونيَّةً مهمَّةً حول مدى حجِّيَّتها كدليل إثباتٍ أمام المحاكم، وخاصَّةً في النِّظام القانونيِّ العراقيِّ، وتُعد بصمة الوجه دليلاً رقميًّا؛ لأنها تُستخلَصُ من مصدرٍ إلكترونيٍّ أو رقميٍّ "كاميرات المُراقبة، الهواتف الذكيَّة، أنظمة الدخول، التَّطبيقات الأمنيَّة، وغيرها من الأجهزة الإلكترونيَّة المُختصَّة".

أولاً- الأساسُ القانونيُّ لاستخدام بصمة الوجه في التَّحقيق الجنائيِّ:

1- مبدأ الشرعيَّة: إنَّ استخدام أيِّ وسيلةٍ قد تمسُّ الخصوصيَّة، ومنها تقنيَّةُ بصمة الوجه، يجبُ أنْ يكونَ محكومًا بنصٍّ قانونيٍّ صريحٍ يُحدِّدُ نطاق استخدامها وضماناتها القانونيَّة؛ إذ لا يجوزُ المساسُ بالحقوق والحريَّات إلاَّ وفقًا لما يُقرِّرُه القانون.

وفي هذا السِّياق، فإنَّ سُلطة التَّحقيق، أثناء قيامها بمهامِّها في جمع الأدلة وكشف الجريمة، تتمتَّعُ بسُلطاتٍ تقديريَّةٍ واسعةٍ، شريطةَ عدم مُخالفة أحكام القانون، فهي ليست مُقيَّدةً بطريقةٍ مُعيَّنةٍ، بل مُلزِمةً فقط بالتقيُّد بالإجراءات القانونيَّة العامَّة.

وعليه، لا يُوجد ما يمنعُ من لجوء سُلطة التَّحقيق إلى استخدام تقنيَّةِ بصمة الوجه كوسيلةٍ فنيَّةٍ حديثةٍ تُسهم في التعرُّف على المُتَّهمين وتعزيز الأدلة الجنائيَّة، ما دامت لا تُخالف نصوص القانون، ولا سيَّما أنَّ هذه التقنيَّة أثبتت فاعليَّتَها في التَّحقيقات الجنائيَّة، ولا يُوجد في التَّشريع العراقيِّ الحاليِّ ما يَحظُر استخدامها.

فضلاً عن ذلك، فإنَّ المحاكم العراقيَّة تملك السُّلطة التقديريَّة في تقييم الأدلة([16])، بما في ذلك الأدلةُ المُستمدَّةُ من تقنيَّة بصمة الوجه، بشرط أنْ تكونَ هذه الأدلةُ قد استُحصلت بطريقةٍ قانونيَّة، ومدعومةً بقرائنَ أو أدلةٍ أخرى تُعزِّزُ صحتها، كما أنَّ المحكمة تملكُ رفض هذا النوع من الأدلة إذا لم تقتنعْ بسلامتها أو دقَّتِها، وبناءً عليه لا يُوجد ما يمنعُ من تبنِّي هذه التقنيَّة ضمن إجراءات التَّحقيق الجنائيِّ، متى ما توفَّرت الشروطُ القانونيَّةُ الكفيلةُ بضمان عدالتها.

2- الخصوصيَّة وحماية البيانات: تخضعُ البياناتُ البيومتريَّة، كصورة الوجه، للحماية بمُوجب قوانين حماية البيانات الشخصيَّة، مثل: "اللائحة الأوروبيَّة لحماية البيانات GDPR، وقوانين مُماثلة في الدول العربيَّة، مثل: قانون حماية البيانات المصريّ رقم 151 لسنة 2020"، ولا يجوزُ جمعُ بيانات الوجه أو مُعالجتها إلاَّ بمُوافقةٍ صريحةٍ أو لأغراض تحقيقٍ أمنيٍّ مُبرَّر، وقد أشار الدستورُ العراقيُّ لسنة 2005 إلى ضرورة احترام الحقوق والخصوصيَّة، وخاصَّةً ما تضمَّنته المادَّة (17) التي تنصُّ على أنه: "لكلِّ فردٍ الحقُّ في الخصوصيَّة الشخصيَّة بما لا يتنافى مع حقوق الاخرين والآداب العامَّة".

3- مبدأ التَّناسُب والضَّرورة: يجبُ أنْ يكونَ استخدامُ تقنيَّة بصمة الوجه مُبرَّرًا بوجود خطرٍ حقيقيٍّ، أو تحقُّق منفعةٍ مهمَّةٍ لاستخدامها، وألاَّ تُستخدمَ بشكلٍ جماعيٍّ وعشوائيٍّ، والتَّناسُب يعني أنَّ التدخُّلَ في الخصوصيَّة يجبُ أنْ يكونَ أقلَّ الوسائل تدخُّلاً.

ثانيًا- حجيَّة بصمة الوجه من الناحية القانونيَّة:

1- وجود إطارٍ قانونيٍّ صريح: ضرورة سنِّ قوانينَ تُنظِّمُ استخدامَ الذكاء الاصطناعيِّ في الإجراءات الجنائيَّة، وتُحدِّدُ الجهاتِ المسموحَ لها بالاستخدام، وضمانات الاستخدام، وضرورة وجود إذْنٍ قانونيٍّ أو قضائيٍّ، حيثُ لا يُمكن استخدامُ تقنيَّات التعرُّف على الوجه دون إذْنٍ قضائيٍّ إذا كانت تتعلَّقُ بانتهاك خصوصيَّة الأفراد، وخاصَّةً في القضايا الجنائيَّة.

2- الرَّقابة القضائيَّة والإداريَّة: يجبُ أنْ يكونَ استخدامُ بصمة الوجه خاضعًا لإشرافٍ قضائيٍّ أو جهةٍ رقابيَّةٍ مُستقلَّة.

3- السَّلامة الفنيَّة للتقنيَّة المُستخدَمة: إخضاع الأدلة المُستندة إلى بصمة الوجه للتَّدقيق الفنيِّ والخبرة الفنيَّة العدليَّة، ويجبُ أنْ تكونَ خوارزميَّاتُ التعرُّف موثوقةً ومُعتمدةً دوليًّا.

4- دعمه بأدلَّةٍ أخرى: في الغالب لا يُكتفى ببصمة الوجه وحدها كدليل إدانة، بل تُستكمَلُ بأدلَّةٍ إضافيَّةٍ، مثل: الشَّهادات أو التَّسجيلات أو المُستندات.

5- القيام بعمليَّة المسح والتطابُق من قِبَل جهاتٍ رسميَّةٍ، مثل: "الشرطة أو الجهات الأمنيَّة المُختصَّة".

6- تحديد الغرض من استخدام البيانات بدقَّة، ويجبُ أنْ يكونَ مشروعًا ومُحدَّدًا، مثل: "التَّحقيق في جريمةٍ مُعيَّنة".

7- عدم الاحتفاظ بالبيانات لأكثرَ من المدَّة اللازمة، وضمان أمن البيانات وعدم تسريبها أو نقلها لطرفٍ ثالثٍ دون مُوافقةٍ قانونيَّة.

8- عدم التَّلاعُب أو التَّزوير: يجبُ التأكُّد من عدم التَّعديل على الفيديوهات أو الصور المأخوذة([17]).

9- إمكانيَّة الطَّعن من قِبَل المُتَّهم أو الجهات ذات العَلاقة في نتائج التَّحليل البيومتريِّ أمام القضاء.

ثالثًا- التحدِّياتُ القانونيَّةُ والأخلاقيَّةُ التي تُواجه تقنيَّة بصمة الوجه كدليلٍ رقميٍّ:

1- غياب التَّشريع الخاصِّ بالأدلة الرقميَّة: لا يُوجد تنظيمٌ قانونيٌّ دقيقٌ في العراق يُحدِّدُ شروطَ استخدام الأدلَّة الرقميَّة([18])، ومنها تقنيَّةُ بصمة الوجه.

2- الطَّعن في مصداقيَّة التكنولوجيا: لا يُمكن للمُتَّهم الطَّعنُ في دقَّة التقنيَّة أو آليَّة المُطابقة أو صلاحية الأجهزة.

3- التَّعارُض مع الحقِّ في الخصوصيَّة: في بعض الحالات، يُمكن أنْ يُؤدِّيَ استخدامُ بصمة الوجه إلى انتهاك خصوصيَّة الأفراد، ممَّا يُعرِّضُ الدليلَ للإبطال.

4- التَّمييز والتحيُّز الخوارزمي: بيَّنت بعضُ التجارِبِ أنَّ خوارزميَّاتِ التعرُّف على الوجه تُظهر مُعدَّلاتِ خطأ أعلى عند التَّعامُل مع أفرادٍ من أعراقٍ مُعينة([19])، ممَّا يُعرِّضُهم لتمييزٍ غير مقصود.

المطلب الثالث

توظيفُ تقنيَّة بصمة الوجه في التَّحقيقات الجنائيَّة

شهد العالَمُ خلال العقدَيْن الماضيَيْن تقدُّمًا هائلاً في مجال الذكاء الاصطناعيِّ (AI) والتعلُّم الآليِّ (ML)، حيثُ أصبحت هذه التقنيَّاتُ تلعب دورًا محوريًّا في التحوُّل الرقميِّ للعديد من الصِّناعات، بما في ذلك مجالُ العدالة الجنائيَّة، ووفقًا لتقريرٍ صادرٍ عن معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعيِّ، يُتوقَّع أنْ يُغيِّرَ الذكاءُ الاصطناعيُّ بشكلٍ كبيرٍ الطريقةَ التي تُدار بها التَّحقيقات الجنائيَّة، وذلك من خلال استخدام أدواتٍ مُتقدِّمةٍ، مثل: تقنيَّة التعرُّف على الوجه والتَّحليل التنبُّؤيِّ للجرائم، ما يُتيح لقوَّات الأمن تطويرَ استراتيجيَّاتٍ أكثرَ فاعليَّةً في مُكافحة الجرائم ومنع حدوثها، وتُسهم هذه التقنيَّات في تحسين عمليَّات المُراقبة وكفاءة أنظمة العدالة، حيثُ تُمكِّنُ الحكومات من التَّعامُل بشكلٍ أفضلَ مع الجرائم المُتزايدة وتعقيداتها.

ويُمثِّلُ الذكاءُ الاصطناعيُّ فرصةً هائلةً لتعزيز العدالة في العراق، الذي يسعى إلى تطوير منظومة العدالة الجنائيَّة، ومُكافحة الجرائم، والسرعة في فترة التَّقاضي الجنائيِّ، ويُمكن لتقنيَّات الذكاء الاصطناعيِّ المُساعدة في مُعالجة نقص الموارد وتحسين كفاءة نظام العدالة، من خلال أتمتة المهامِّ الروتينيَّة وتحسين عمليَّات التَّحقيق الجنائيِّ([20]).

وعليه، سيتناولُ الباحثُ في هذا المطلب توظيفَ تقنيَّة بصمة الوجه في ميدان التَّحقيقات الجنائيَّة من خلال فرعَيْن رئيسَيْن: يُعنى الفرع الأول ببحث مدى الاعتماد على تقنيَّة بصمة الوجه في تحديد هُويَّة المُتَّهمين، في حين يتناولُ الفرع الثاني تحليلَ الدور الذي تُؤدِّيه هذه التقنيَّة ضمن آليَّات التَّحقيق الجنائيِّ، وذلك على النَّحو الآتي:

الفرع الأول: الاعتماد على بصمة الوجه لتحديد المُتَّهمين

تُعَدُّ أنظمة التعرُّف على الوجوه إحدى أهمِّ التقنيَّات التي تعتمدُ على الذكاء الاصطناعيِّ في مجال مُراقبة وتتبُّع المُشتبَه بهم، حيثُ تعتمدُ هذه الأنظمة على خوارزميَّاتٍ مُعقَّدةٍ لتحليل ملامح الوجه البشريِّ وتحديد الأفراد بدقَّة، وهي تُستخدَمُ بشكلٍ مُتزايدٍ في العديد من الدول لتعزيز الأمن العامِّ ومُكافحة الجريمة، وتُعَدُّ الصين واحدةً من الدول الرائدة في تطبيق هذه التقنيَّة على نطاقٍ واسعٍ، حيثُ تمَّ دمجُ أنظمة التعرُّف على الوجوه في كاميرات المُراقبة العامَّة في العديد من المدن الكبرى، وفقًا لدراسةٍ أجْرَتْها مُؤسَّسة ISC West، ساعد استخدامُ هذه الأنظمة السُّلطاتِ الصينيَّةَ في التعرُّف على المُجرمين الهاربين خلال الأحداث العامَّة الكبيرة، ممَّا أدَّى إلى تحسين الأمن والحدِّ من الأنشطة الإجراميَّة([21]).

تَستخدم المملكةُ المُتَّحدة (بريطانيا)([22]) تقنيَّة Live Facial Recognition (التعرُّف الحي المُباشر) على وجهٍ واسعٍ، من ضمنها ثلاثُ قوَّات شرطةٍ رئيسة (Metropolitan, South Wales, Northamptonshire)، وفي عام 2024، تمَّ مسح أكثرَ من 407 مليون وجه، وأسفرت التقنيَّةُ عن ألف حالة اعتقالٍ في القضايا الخطيرة، بمن فيهم مُعتدون جنسيُّون([23]).

واستَخدمت روسيا نظامًا واسعًا من الكاميرات في موسكو وأكثرَ من مليون نُقَط مُراقبة في البلاد يرتبطُ بعضُها بتقنيَّة التعرُّف على الوجه، ويُستخدَمُ النِّظامُ بشكلٍ واسعٍ في الاعتقالات على خلفيَّة الاحتجاجات والجرائم([24]).

وصدر تقريرُ الاتِّحاد الأوروبيِّ (عديد الدول) يُوضِّحُ أنَّ 11 دولة في الاتِّحاد تَستخدِمُ التعرُّف على الوجه في التَّحقيقات الجنائيَّة (expost identification) وهي: "النمسا، فنلندا، فرنسا، ألمانيا، اليونان، هنغاريا، إيطاليا، لاتفيا، ليتوانيا، سلوفينيا، وهولندا"، وهناك تجارِبُ أو تحضيراتٌ قادمةٌ في دولٍ مثل: "السويد، البرتغال، رومانيا، إسبانيا، التشيك، كرواتيا، قبرص، إستونيا"([25]).

أمَّا الولاياتُ المُتَّحدة الأمريكيَّةُ فتستخدمُ أقسامُ شرطة (مثل NYPD، ديترويت، واشنطن، أورجِن) التعرُّفَ على الوجه في التَّحقيقات الجنائيَّة، مثلاً لجأ (NYPD) إلى التعرُّف في حوالي 2،800 قضيَّة عام 2018 مع اعتقالاتٍ بحدود 1،000 شخص([26]).

وأعلنت حكومة كندا خطَّةً لتطبيق التعرُّف على الوجه لأغراضٍ شرطيَّةٍ في التَّحقيقات في حالات الجرائم الخطيرة قبل نهاية 2024، دون مُراقبةٍ حيَّةٍ؛ بل من تحليل مقاطع الفيديو لاحقًا([27]).

أمَّا اليابان فقد استُخدم النِّظام الوطنيُّ للتعرُّف على الوجه منذ مارس 2024، بتطبيق قواعدَ صارمةٍ من هيئة السَّلامة العامَّة، ويضمُّ حوالي 10 ملايين صورةٍ للمُتَّهمين والمُشتبَه فيهم([28]).

وتعتمدُ الهند على النِّظام الوطنيِّAutomated Facial Recognition System) (AFRS/NAFRS الذي بدأت بتطويره منذ 2019، وهو يُستخدَمُ لتحديد مُجرمي السجل، وحالات المفقودين، والمُحتجِّين عبر الكاميرات الحيّة في مُدُنٍ مثل: دلهي، حيدر أباد، تشيناي، سورات([29]).

وفي العراق أَطلقت وزارةُ الداخليَّة العراقيَّة المشروع المُتعلِّق ببصمة الوجه ضمن منظومة المُعالجة والمُضاهاة البايومتريَّة (مشروع إنجاز)، ويهدفُ المشروعُ إلى تعزيز الأمن ومُكافحة الجريمة، عن طريق تمكين وزارة الداخليَّة من تعقُّب المُجرمين والمطلوبين في أيِّ مكان، حتى وإنْ كانت وثائقُهم مُزوَّرةً أو غيرَ موجودةٍ([30])، وتحديث الإجراءات العدليَّة، من خلال محطَّاتٍ مُتنقِّلةٍ وثابتةٍ تُتيح إصدارَ صحيفة السَّوابق فورًا دون انتظارٍ طويل، وأيضًا تحويل بطاقات الهُويَّة إلى بياناتٍ بايومتريَّةٍ موثوقة، من خلال ربط الصور والبصمات وكل المعرفات الحيويَّة في قاعدة بياناتٍ مركزيَّةٍ تضمُّ أكثرَ من 44 مليون بطاقةٍ وطنيَّةٍ و12 مليون صورةِ وجه([31]).

1- آليَّة العمل والتقنيَّات المُستخدَمة([32]):

أ- جمع البيانات: تُجمَعُ بصمة الوجه أولاً، تليها بصمةُ العين وبصمةُ أصابع الشخص، تستغرقُ العمليَّةُ حوالي 90 ثانيةً لكلِّ شخص، أمَّا الحالاتُ المُعقَّدة (مثل وجود تشوُّهات أو عمليَّات تجميليَّة) فتُحال إلى فريقٍ مُتخصِّصٍ في هيئة الأدلة الجنائيَّة؛ لضمان جودة البيانات وتكامُلها.

ب- الربط وقاعدة البيانات: يُنفِّذ مركزُ البيانات الرقميُّ (إنجاز) بالتَّعاوُن مع شركةٍ فرنسيَّةٍ مُتخصِّصةٍ تجهيزَ قاعدة البيانات وتحليلها ومُطابقتها، وتحتوي قاعدةُ البيانات على أكثرَ من 12 مليون قيد لصور الوجه و44 مليون بطاقةٍ وطنيَّةٍ، مع تضمين بصماتِ الأصابع والحمض النوويِّ وبياناتٍ عن الأسلحة جزءًا من النِّظام الجنائيِّ.

2- الاستخدامات والتطبيق([33]):

أ- أجهزة المُضاهاة (المُطابقة): تُستخدم حاليًّا في مراكز الشرطة، المحاكم، والمنافذ الجوِّيَّة والبرِّيَّة لتحديد الهُويَّة الفوريَّة للأفراد عند الحاجة، ويعملُ النِّظام كذلك عبر محطَّاتٍ مُتنقِّلةٍ، وذلك لسرعة الحصول على النتائج في مواقعَ مُختلفة.

ب- المدى التشغيلي: يحتوي المشروعُ على 150 محطة ثابتة ومُتنوِّعة مُوزَّعة على بغداد والمُحافظات، مع محطَّاتٍ مُتنقِّلةٍ في نقاط الارتباط الأمنيِّ، ومُتوقَّعٌ أنْ يكتملَ جمعُ بيانات جميع المُواطنين خلال عام تقريبًا وَفْق خطَّةٍ مُنظَّمةٍ ثلاثيَّة المراحل (الوجه، العين، الأصابع).

3- أبرز المزايا([34]):

التعرُّف على الوجه بغضِّ النَّظر عن الوثائق، حيثُ يضمنُ تحديد الهُويَّة حتى في حالات تزوير المُستندات أو فقدانها، تسريع الاستجابة الجنائيَّة وتقليص زمن استخراج صحيفة السَّوابق والعثور على المطلوبين بسرعة، حتى في مسارح الجريمة، وأيضًا سرية البيانات المحفوظة داخل المنظومة، والتي تكون مبنيَّة على معاييرَ مفتوحةٍ تضمنُ سيطرةَ الوزارة الكاملة على البيانات والامتثال للمعايير العالميَّة.

يُعَدُّ مشروعُ بصمة الوجه ضمن مشروع إنجاز أحدَ أبرز مشاريع التحوُّل الرقميِّ في العراق، ويحتلُّ بُعدًا استراتيجيًّا في دعم الأمن وسيادة الهُويَّة الرقميَّة، ويُعَدُّ خطوةً مهمَّةً لترسيخ الاستقرار وتحقيق نظام قانونيٍّ فعَّال في البلاد.

أمَّا الإماراتُ العربيَّة المُتَّحدة، فقد طوَّرت شرطة أبو ظبي سيارات دوريَّة مُجهَّزة بتقنيَّة التعرُّف على الوجه؛ لتحديد المطلوبين أو المشبوهين أثناء الدوريَّات([35]).

تظلُّ الشَّفافية والتَّنظيمُ القانونيُّ من أبرز التحدِّيات التي تُواجه أنظمةَ التعرُّف على الوجوه، ووفقًا لتقريرٍ صادرٍ عن منظمة هيومن رايتس ووتش، ينبغي على الحكومات وضعُ سياساتٍ واضحةٍ وصارمةٍ لتنظيم استخدام هذه الأنظمة، مع التركيز على حقوق الخصوصيَّة ومنع إساءة استخدامها لأغراض المُراقبة([36])، كما تُوصي الدِّراساتُ الحديثةُ بضرورة تطوير خوارزميَّاتٍ أكثرَ دقَّةً وشموليَّةً؛ لضمان تقليل التحيُّزات الخوارزميَّة، وضمانِ أنْ تعملَ هذه الأنظمةُ بشكلٍ عادلٍ لجميع الأفراد.

الفرع الثاني: تحليلُ دور تقنيَّة بصمة الوجه في مجال التَّحقيقات الجنائيَّة

شهدت تطبيقاتُ الذكاء الاصطناعيِّ في تحليل الأدلة الجنائيَّة تطوُّرًا هائلاً، حيثُ أصبحت هذه الأنظمةُ قادرةً على تحليل نِسَبٍ كبيرةٍ من البيانات بشكلٍ أسرعَ وأكثرَ دقَّةً من الإنسان، وتشمل هذه البياناتُ النصوصَ المكتوبة، الفيديوهات، والبيانات الصوتيَّة، حيثُ يُمكن للذكاء الاصطناعيِّ استخراجُ أدلَّةٍ قد تكونُ غيرَ مرئيَّةٍ أو من الصعب اكتشافُها بالطرق التقليديَّة، وتُعَدُّ هذه القدرةُ على التَّعامُل مع كميَّاتٍ كبيرةٍ من البيانات أداةً مهمَّةً للمُحقِّقين الجنائيِّين، خصوصًا في قضايا الجرائم المُعقَّدة التي تتطلَّبُ تحليلاً شاملاً لمجموعةٍ مُتنوِّعةٍ من الأدلة.

لقد أسهمَ استخدامُ أنظمة الذكاء الاصطناعيِّ في تحليل الأدلة الجنائيَّة بشكلٍ كبيرٍ في تحسين دقَّة وسُرعة التَّحقيقات، فقد أشارت الدِّراساتُ إلى أنَّ هذه الأنظمةَ قد ساعدت في تقليل الفترات الزمنيَّة المطلوبة لحلِّ القضايا المُعقَّدة، حيثُ يُمكن للخوارزميَّات تحليلُ الأدلة والبيانات المُرتبِطة بالجريمة بشكلٍ مُتزامنٍ، ممَّا يُوفِّرُ نتائجَ تحليليَّةً دقيقةً في وقتٍ قصير، علاوةً على ذلك ساعدت هذه التقنيَّاتُ في زيادة عدد القضايا التي تمَّ حلُّها بنجاح، من خلال تقديم رُؤًى جديدةٍ وغير مُتوقَّعةٍ للمُحقِّقين الجنائيِّين فإنَّ أنظمةَ التَّحليل النصِّيِّ - على سبيل المثال - يُمكن أنْ تفحصَ الوثائقَ والرسائل النصِّيَّةَ لتحديد الأنماط أو الكلمات المفتاحيَّة التي قد تُشير إلى تخطيطٍ مُسبَقٍ أو نوايا إجراميَّة([37])، وتمَّ استخدامُ الذكاء الاصطناعيِّ لتحليل الرسائل المُشفَّرة بين أعضاء مُنظَّمةٍ إجراميَّةٍ، ممَّا أدَّى إلى الكشف عن خطَّة هجوم قبل تنفيذها، وقد ساعدت خوارزميَّاتُ التَّحليل هذه في تقديم أدلةٍ قاطعةٍ أسهمت في إحباط الجريمة قبل وقوعها([38]).

أمَّا بالنِّسبة لتحليل الفيديوهات والبيانات الصوتيَّة، فقد أثبتت أنظمةُ الذكاء الاصطناعيِّ أنها قادرةٌ على التعرُّف على الوجوه والأصوات في مقاطع الفيديو التي تمَّ تسجيلُها في مسارح الجريمة، حتى وإنْ كانت الجودةُ مُنخفضةً أو الإضاءةُ غيرَ كافيةٍ، حيثُ يُساعد هذا النوعُ من التحليل في تحديد المُشتبَه بهم وتقديم أدلةٍ موثوقةٍ يُمكن استخدامُها في المُحاكمات الجنائيَّة([39]).

وتُشكِّلُ تقنيَّة بصمة الوجه التي تعتمدُ على تقنيَّات البيومتريَّة دورًا حيويًّا في التَّحقيقات الجنائيَّة، حيثُ تُوفِّرُ وسائلَ دقيقةً وسريعةً لتحديد هُويَّة الأفراد والمُتَّهمين من خلال الآتي:

1- تعزيز دقَّة تحديد هُويَّة المُتَّهمين أثناء التَّحقيق: تُساعد خوارزميَّاتُ الذكاء الاصطناعيِّ التي تعتمد القياسات البيومتريَّة، مثل بصمة الوجه، في تحديد هُويَّة الأشخاص بدقَّةٍ عاليةٍ، ممَّا يُقلِّلُ من احتماليَّة وقوع الأخطاء في التَّحقيقات الجنائيَّة.

2- تسريع إجراءات التَّحقيق: بفضل الذكاء الاصطناعيِّ، يُمكن لتقنيَّة بصمة الوجه التي تقوم على أنظمة التعرُّف البيومتريِّ تحليل البيانات المطلوب إجراؤُها في التَّحقيق بسرعةٍ فائقةٍ، ممَّا يُسهم في تسريع عمليَّات التَّحقيق الجنائيِّ وتقليل الوقت اللازم لتحديد المُتَّهمين.

3- كشف التَّزوير والانتحال: تُساعد هذه التقنيَّة في كشف عمليَّات التَّزوير، مثل استخدام هُوِيَّاتٍ مُزيَّفةٍ أو أقنعةٍ مُتطوِّرةٍ لخداع أنظمة التعرُّف على الوجه، ممَّا يُعزِّزُ من دقَّة التَّحقيقات الجنائيَّة.

4- تحسين الأدلة الجنائيَّة الرقميَّة: تَستخدِمُ تقنيَّةُ بصمة الوجه القياساتِ البيومتريَّةَ في تحليل الأدلة الرقميَّة، مثل الصور والفيديوهات؛ لتحديد الأشخاص الذين كانوا في مسرح الجريمة، ممَّا يُوفِّرُ أدلةً قويَّةً تدعم القضايا القانونيَّة.

5- التَّكامُل مع قواعد البيانات الجنائيَّة: يُمكن دمجُ تقنيَّة بصمة الوجه التي تعتمد على أنظمة التعرُّف البيومتريِّ مع قواعد البيانات الجنائيَّة، ممَّا يُسهِّلُ عمليَّات البحث والتطابُق بين المُتَّهمين والبيانات المُخزَّنة، ويُساعد في حلِّ القضايا بسرعةٍ أكبرَ.

6- تعزيز الأمن في المُؤسَّسات القانونيَّة: تُستخدَمُ هذه التقنيَّةُ في تأمين المُنشآت القانونيَّة، مثل المحاكم ومراكز الشرطة، من خلال أنظمة التعرُّف على الوجه التي تمنعُ دخولَ الأشخاص غير المُصرَّح لهم.

7- تقليل الاعتماد على الشهود: في بعض القضايا، قد يكونُ من الصعب الاعتمادُ على شهادات الشهود بسبب التحيُّز أو النسيان، لكنَّ تقنيَّةَ بصمة الوجه التي تعتمدُ على القياسات البيومتريَّة تُوفِّرُ أدلَّةً علميَّةً دقيقةً لا يُمكن إنكارُها.

وعلى الرَّغم من هذه الفوائد لا تزالُ هناك تحدِّياتٌ تُواجه تطبيقَ الذكاء الاصطناعيِّ في تحليل الأدلة الجنائيَّة، فيرى البعضُ أنَّ الأنظمةَ قد تنتجُ تحليلاتٍ غيرَ دقيقةٍ أو مُتحيِّزةً إذا لم تكنْ البيانات المُستخدَمة لتدريب هذه الأنظمة مُتنوِّعةً بما فيه الكفاية، كما نوَّه إلى ضرورة وضع معاييرَ صارمةٍ للتأكُّد من أنَّ الذكاءَ الاصطناعيَّ يُستخدَمُ بطريقةٍ تحترم حقوق الخصوصيَّة ولا تنتهكُ حقوقَ الأفراد خلال عمليَّة التَّحقيق([40]).

الخاتمة

يُمثِّلُ استخدامُ بصمة الوجه في القانون الجنائيِّ العراقيِّ فرصةً لتعزيز كفاءة التَّحقيق الجنائيِّ، حيثُ أصبحت تقنيَّةُ بصمة الوجه بوصفها إحدى تطبيقات الذكاء الاصطناعيِّ أداةً فاعلةً ومُؤثِّرةً في ميدان التَّحقيق الجنائيِّ؛ لِمَا تُوفِّرُه من دقَّةٍ وسرعةٍ في تحديد هُويَّة الأشخاص، وإسهامها في تسهيل عمليَّات جمع الأدلة وتوجيه الاتِّهام الجنائيِّ على أسسٍ علميَّةٍ وتقنيَّةٍ دقيقة، والكشف عن الأنشطة الإجراميَّة المخفيَّة والمُعقَّدة، ورغم الفوائد الأمنيَّة التي تُوفِّرُها تقنيَّة بصمة الوجه، فإنَّ استخدامها في التَّحقيق الجنائيِّ يجبُ أنْ يُقيَّدَ بضوابطَ قانونيَّةٍ واضحةٍ تضمنُ حمايةَ الحقوق الأساسيَّة، خصوصًا الحقَّ في الخصوصيَّة والتَّحقيق العادل، وإنَّ تحقيقَ التَّوازُن بين الأمن وحماية الحقوق والحريَّات يتطلَّبُ تشريعاتٍ مُتطوِّرةً تُواكب تحدِّيات الذكاء الاصطناعيِّ وتحمي المُواطنين من الانتهاكات المُحتملة.

وختامًا، فإنَّ تحقيقَ التَّوازُن بين فاعليَّة التكنولوجيا وأسس العدالة الجنائيَّة يظلُّ التحدِّيَ الأبرز، وهو ما يستدعي مُواكبةً مُستمرَّةً للتطوُّرات التقنيَّة، ومُراجعةً دائمةً للأطر القانونيَّة، بما يكفلُ تحقيقَ الأمن مع احترام حقوق الإنسان.

وقد خلص البحثُ إلى عددٍ من الاستنتاجات والتوصيات المهمَّة، من أبرزها:

أولاً- الاستنتاجات:

1- ارتفاع مستوى الدِّقَّة في التعرُّف على الوجوه، حيث تشهدُ تقنيَّاتُ التعرُّف على الوجه تطوُّرًا مُتسارعًا بمرور الوقت، بفضل اعتمادها على تقنيَّاتٍ مُتقدِّمةٍ، مثل: الكاميرات العاملة بالأشعَّة تحت الحمراء، والتعرُّف الثلاثي الأبعاد على ملامح الوجه، ممَّا يُعزِّزُ من قدرتها على التَّمييز الدقيق بين الأفراد.

2- أنَّ استخدام تقنيَّة بصمة الوجه قد أدَّى إلى رفع كفاءة أجهزة التَّحقيق، وأسهم في تقليص هامش الخطأ البشريِّ في التعرُّف على المُتَّهمين، وبالتالي تعزيز الأمن العامِّ، وتقليل الوقت المُستغرق في التَّحقيقات الجنائيَّة.

3- استخدام خوارزميَّات الذكاء الاصطناعيِّ، حيثُ تعتمد تقنيَّة بصمة الوجه على خوارزميَّات التعلُّم العميق لمُقارنة الصور الرقميَّة مع البيانات المُخزَّنة مُسبقًا في قاعدة البيانات؛ بغرض التحقُّق من هُويَّة الشخص، وتقوم هذه الخوارزميَّاتُ بتحديد وتحليل نحو 80 نقطة مرجعيَّة في الوجه، تشملُ على سبيل المثال: المسافة بين العينين، عرض الأنف، عمق تجويف العين، شكل الخدَّيْن، وطول خطِّ الفك؛ لتكوين بصمة وجهٍ دقيقةٍ وفريدةٍ لكلِّ فرد.

4- أنَّ هذه التقنيَّة - رغم فاعليَّتها - لا تزالُ تُثير العديد من الإشكالات القانونيَّة والحقوقيَّة، خصوصًا فيما يتعلَّقُ بحماية الخصوصيَّة والضَّمانات الإجرائيَّة للمُتَّهمين.

5- أنَّ القوانين العراقيَّة - كما في العديد من الأنظمة القانونيَّة الأخرى - لا تزالُ تفتقرُ إلى تنظيمٍ دقيقٍ ومُتكاملٍ لاستخدام بصمة الوجه في مراحل التَّحقيق وجمع الأدلة.

ثانيًا- المُقترحات:

1- إصدار تشريعٍ خاصٍّ بالأدلة الرقميَّة والبيومتريَّة، أو إدراجها في مُسودة قانون مُكافحة الجرائم المعلوماتيَّة؛ ليُنظِّم استخدامَ بصمة الوجه باعتبارها أحد الأدلة الرقميَّة، ويُحدد شروط استخدامها، وضمانات حماية الخصوصيَّة، وبما يضمنُ احترام المبادئ الدستوريَّة، ولا سيَّما الحقّ في الخصوصيَّة، والحقّ في إجراءاتٍ تحقيقيَّةٍ عادلة.

2- إخضاع استخدام بصمة الوجه لرقابةٍ قضائيَّةٍ مُشدَّدة، والتحقُّق من صحتها وتحليل الدليل المُستخلَص منها؛ لضمان عدم إساءة استخدامها أو التوسُّع غير المُبرَّر في الاعتماد عليها كدليلٍ وحيدٍ في التَّحقيقات الجنائيَّة.

3- تعزيز البنية التقنيَّة والبشريَّة لدى الجهات الأمنيَّة والقضائيَّة، من خلال توفير الأجهزة المُتطوِّرة، وتدريب الكوادر على التَّعامُل مع تقنيَّات الذكاء الاصطناعيِّ بصورةٍ احترافيَّةٍ، والتَّعامُل مع بصمة الوجه البيومتريَّة كدليل إثبات.

4- أهمِّيَّة توظيف التقنيَّات الحديثة في التعرُّف على الأشخاص، حيث تَبرُز الحاجةُ المُلِحَّةُ إلى اعتماد برامجَ مُتطوِّرةٍ للتعرُّف على الوجوه، إلى جانب توسيع استخدام تقنيَّات الأشعَّة غير المرئيَّة ضمن مجالات البحث والتَّحقيق الجنائيِّ، بما يُسهم في تعزيز فاعليَّة كشف الجرائم والتعرُّف على مُرتكبيها، ويتمُّ ذلك من خلال تكامُل هذه التقنيَّات مع أنظمةِ المُراقبةِ في الأماكن العامَّة، كالشوارع والميادين؛ لرصد وتحديد هُويَّة المُشتبَه بهم والمطلوبين أمنيًّا بدقَّةٍ وفاعليَّة.

5- نُوصي بتعزيز دور بصمة الوجه في المنظومة الجنائيَّة؛ من خلال التوسُّع في الاعتماد على تقنيَّة بصمة الوجه الرقميَّة كأداةٍ فعَّالةٍ في كشف ومنع الجريمة، والمُساهمة في تنفيذ العقوبات القانونيَّة، مع العمل على تقنين حجيَّة هذا الدليل في منظومة الإثبات بما يضمن توافُقَهُ مع المعايير القانونيَّة والعدليَّة المعمول بها.

6- نقترحُ تعميمَ تقنيَّة بصمة الوجه في المُؤسَّسات؛ وذلك بتوسيع نطاق استخدام تكنولوجيا بصمة الوجه عبر إطلاق خدماتٍ قائمةٍ على هذه التقنيَّة داخل المُؤسَّسات الأمنيَّة، وكذلك في بعض مُؤسَّسات القطاع الخاصِّ، وينبغي أنْ يتمَّ ذلك من خلال أنظمةٍ مُبرمجةٍ خصيصًا؛ لضمان دقَّة التحقُّق من الهُويَّة، مع الالتزام الكامل بحماية خصوصيَّة الأفراد وسرِّيَّة بياناتهم.

إقرار تضارب المصالح

يُقر المؤلف بعدم وجود أي تضارب محتمل في المصالح فيما يتعلق بالبحث أو التأليف أو نشر هذا المقال.

التمويل

لم يتلقَ المؤلف أي دعم مالي لإجراء هذا البحث أو تأليفه أو نشره.

البيان الأخلاقي

هذا البحث يتوافق مع المعايير الأخلاقية لإجراء الدراسات العلمية. وقد تم الحصول على موافقة خطية من جميع المشاركين الأفراد المشمولين في الدراسة.

بيان توفر البيانات

البيانات متاحة عند الطلب من المؤلف المراسل.

الشكر والتقدير

لا يوجد شكر وتقدير أفصح به الباحث


 

المصادر

أولاً- الكتب العربيَّة:

د. براء منذر كمال عبد اللطيف، شرح قانون أصول المُحاكمات الجزائيَّة، الطبعة الثانية، دار ابن الأثير للطِّباعة والنَّشر، 2010.

د. حسني محمود عبد الدايم، البصمة الوراثيَّة ومدى حجِّيَّتها في الإثبات، دار الفكر الجامعي، الإسكندريَّة، الطبعة الأولى، 2021.

عبد الله محمد اليوسف، علم البصمات وتحقيق الشخصيَّة، الطبعة الأولى، دار جامعة نايف للنشر، الرياض، 2012.

 

 

ثانيًا- الرسائل العلميَّة:

د. ياسر كامل السيد، تطوير صحيفة الحالة الجنائيَّة - دراسة مُقارنة، رسالة دكتوراه، كليَّة الدِّراسات العليا، أكاديميَّة الشرطة، 2013.

ثالثًا- الأبحاث والدوريَّات:

حسين مخلص محمود، حجيَّة الوسائل الإلكترونيَّة في الإثبات الجنائيِّ، بصمة الصوت والصورة، مجلة الفنون والأدب وعلوم الإنسانيَّات والاجتماع، كليَّة الإمارات للعلوم التربويَّة، العدد 40، 2019.

د. عامرة استقلال بدران، استخدام الشبكات العصبيَّة الاصطناعيَّة في التعرُّف على شخصٍ من خلال صورة الوجه، المجلة العراقيَّة للعلوم الإحصائيَّة، العدد 23، 2013.

د. فريدون محمَّد نجيب، وصف جريمة النشل بالمُؤشِّرات، بحوث ودراسات شرطيَّة، مركز اتِّخاذ القرار، يوليو 2016.

د. قصي علي عباس، حجيَّة الدليل الإلكترونيِّ في الإثبات الجنائيِّ، مجلة كليَّة القانون والعلوم السِّياسيَّة في الجامعة العراقيَّة، العدد 26، 2024.

كرار غانم بستان، نطاقُ الدليل الإلكترونيِّ في الإثبات الجنائيِّ، مجلة كليَّة القانون والعلوم السِّياسيَّة في الجامعة العراقيَّة، العدد 4-73، 2025.

محمَّد خميس العثماني، تقنيَّة التعرُّف إلى الوجه ومُكافحة الجريمة في المطارات العربيَّة، ورقة تحليل سياسات أمنيَّة، جامعة نايف العربيَّة للعلوم الأمنيَّة، العدد الأول، 2021.

رابعًا- مصادر الإنترنت:

www.alsabaah.iq.com 

www.alwahdanews.ae.com

www.ina.iq.com

www.noonpost.com

www.uomus.edu.iq.com 

خامسًا- المصادر الأجنبيَّة:

1)             Bias in the Algorithm: Issues Raised Due to Use of Facial Recognition Technology in Policing in India.” Journal of Digital Ethics, vol. 2, no. 1, 2024, https://doi.org/10.1177/24551333241283992.

2)             Bischoff, Paul. “Facial Recognition Technology (FRT): Which Countries Use It?” Comparitech, 24 Oct. 2024:

www.comparitech.com/blog/vpn-privacy/facial-recognition-statistics.

3)             Burt, Chris. “Thales Helping Iraq Build Biometric Data Center, Integrate ID and Forensic Systems.” Security Today, 15 Apr. 2025:

www.securitytoday.in/thales-helping-iraq-build-biometric-data-center-integrate-id-and-forensic-systems.

4)             Caldwell: (M.) Andrews: (J.T.) Tanay: (T.) & Griffin: (L.D.), AI-enabled future crime. Crime Science, 9(1), 2020.

5)             Custers: (B.), AI in Criminal Law: an overview of AI applications in substantive and procedural Criminal Law and artificial intelligence: regulating AI and applying AI in legal practice, 2022.

6)             Du: (X.) Hargreaves: (C.) Sheppard: (J.) Anda: (F.) Sayakkara: (A.) Le-Khac: (N.A.) & Scanlon: (M.), SoK: Exploring the state of the art and the future potential of artificial intelligence in digital forensic investigation. In Proceedings of the 15th international conference on availability, reliability and security, 2020, August.

7)             Dunsin: (D.) Ghanem: (M.C.) Ouazzane: (K.) & Vassilev: (V.), A comprehensive analysis of the role of artificial intelligence and machine learning in modern digital forensics and incident response. Forensic Science International: Digital Investigation, 2024, 48, 301675.

8)             Elkhalik: (W.A.), AI-Driven Smart Homes: Challenges and Opportunities. Journal of Intelligent Systems & Internet of Things, 8(2), 2023.

9)             European Union Agency for Fundamental Rights. Facial Recognition Technology: Fundamental Rights Considerations in the Context of Law Enforcement. FRA Focus. Luxembourg: Publications Office of the European Union, 2019: https://op.europa.eu/en/publication-detail/-/publication/95cbdd4c-3d8d-11ea-ba6e-01aa75ed71a1.

10)          Galante: (N.) Cotroneo: (R.) Furci: (D.) Lodetti: (G.) & Casali: (M.B.), Applications of artificial intelligence in forensic sciences: C urrent potential benefits, limitations and perspectives. International journal of legal medicine, 137(2), 2023.

11)          Human Rights Watch (HRW). "Facial Recognition: Balancing Security and Privacy." HRW Reports. 2020.

12)          Infinite Technology. “Biometric Identification – Solution for Iraq’ se Passport System.” Infinite Technology, no date:

https://infinite-tek.com/Solutions/BiometricIdentification. Accessed 25 July 2025.

13)          Kerr, Orin S “Searches and Seizures in a Digital World.” Harvard Law Review. 2005.  119, no. 2: 531–585

14)          Lubna, Naveed Mufti, and Syed Afaq Ali Shah. “Automatic Number Plate Recognition: A Detailed Survey of Relevant Algorithms.” Sensors, vol. 21, no. 9, Apr. 2021, Article 3028:

doi: https://doi.org/10.3390/s21093028.

15)          Ozaki, Aimi. “Governance Framework for Facial Recognition Systems in Japan.” Human-Centric Computing in a Data-Driven Society, edited by David Kreps, Taro Komukai, T. V. Gopal, and Kaori Ishii, vol. 590, Springer, Cham, 2020:

https://doi.org/10.1007/978-3-030-62803-1_5.

16)          Parkhi, Omkar (M.): Andrea Vedaldi, and Andrew Zisserman. Deep Face Recognition. British Machine Vision Conference (BMVC), 2015: https://www.robots.ox.ac.uk/~vgg/publications/2015/Parkhi15.

17)          Qiang: (X.), The road to digital unfreedom: President Xi's  surveillance state, Journal of Democracy, 30(1), 2019.

18)          Robles, Pedro, et al. “Global Perspectives on Regulating Facial Recognition Technology Utilization for Criminal Justice Arrests.” Global Public Policy and Governance, vol. 5, no. 2, June 2025, Springer Nature: https://doi.org/10.1007/s43508-025-00117-9.

19)          Ross, Sergey, Dmitrii Serebrennikov, Eleonora Minaeva, and Vladislav Netyaev. “Surveillance Technologies in Autocratic Regimes: The Moscow AI Experiment and Its Implications for Crime Control and Police Effectiveness.” SSRN Electronic Journal, 9 Apr. 2024, https://doi.org/10.2139/ssrn.4789135.

20)          Simmler, Monika, and Giulia Canova. “Facial Recognition Technology in Law Enforcement: Regulating Data Analysis of Another Kind.” Computer Law & Security Review, vol. 56, Apr. 2025, Article 106092. Elsevier:doi: https://doi.org/10.1016/j.clsr.2024.106092.

21)         Wang, Lulu. “Face Recognition in Law Enforcement: A Comparative Analysis of China and the United States.” Open Journal of Social Sciences, vol. 9, no. 10, Oct. 2021.

 

References

First: Arabic Books:

1-             Dr. Baraa Munther Kamal Abdel Latif, Explanation of the Code of Criminal Procedure, Second Edition, Ibn Al-Atheer Printing and Publishing House, 2010.

2-             Dr. Hosni Mahmoud Abdel Dayem, Genetic Fingerprinting and the Extent of Its Evidential Validity, Dar Al-Fikr Al-Jami'i, Alexandria, First Edition, 2021.

3-             Abdullah Muhammad Al-Youssef, The Science of Fingerprinting and Identity Verification, First Edition, Naif University Publishing House, Riyadh, 2012.

 

Second: Academic Theses:

1-            Dr. Yasser Kamel Al-Sayed, "Developing the Criminal Record - A Comparative Study," PhD Thesis, College of Graduate Studies, Police Academy, 2013.

Third: Research and Periodicals:

1-             Hussein Mukhlis Mahmoud, "The Validity of Electronic Means in Criminal Evidence, Voice and Image Prints," Journal of Arts, Literature, Humanities, and Social Sciences, Emirates College of Educational Sciences, Issue 40, 2019.

2-             Dr. Amerah Istiqlal Badran, "The Use of Artificial Neural Networks to Recognize a Person Through Facial Image," Iraqi Journal of Statistical Sciences, Issue 23, 2013.

3-             Dr. Faridoun Muhammad Najib, "Describing the Crime of Pickpocketing Using Indicators", Police Research and Studies, Decision-Making Center, July 2016.

4-             Dr. Qusay Ali Abbas, "The Validity of Electronic Evidence in Criminal Evidence," Journal of the College of Law and Political Science at the University of Iraq, Issue 26, 2024.

5-             Karar Ghanem Bustan, "The Scope of Electronic Evidence in Criminal Evidence," Journal of the College of Law and Political Science at the University of Iraq, Issue 4-73, 2025.

6-             Muhammad Khamis Al-Uthmani, "Facial Recognition Technology and Crime Control in Arab Airports", Security Policy Analysis Paper, Naif Arab University for Security Sciences, Issue 1, 2021


 



([1]) محمد خميس العثماني، تقنيَّة التعرُّف إلى الوجه ومُكافحة الجريمة في المطارات العربيَّة، ورقة تحليل سياسات أمنيَّة، جامعة نايف العربيَّة للعلوم الأمنيَّة، العدد الأول، 2021، ص2.

([2]) د. حسني محمود عبد الدايم، البصمة الوراثيَّة ومدى حجِّيَّتها في الإثبات، دار الفكر الجامعي، الإسكندريَّة، الطبعة الأولى، 2021، ص153.

([3]) حسين مخلص محمود، حجيَّة الوسائل الإلكترونيَّة في الإثبات الجنائيِّ، بصمة الصوت والصورة، مجلة الفنون والأدب وعلوم الإنسانيَّات والاجتماع، كليَّة الإمارات للعلوم التربويَّة، العدد 40، 2019، ص197.

([4]) د. ياسر كامل السيد، تطوير صحيفة الحالة الجنائيَّة - دراسة مُقارنة، رسالة دكتوراه، كليَّة الدِّراسات العليا، أكاديميَّة الشرطة، 2013، ص236.

([5]) عبد الله محمد اليوسف، علم البصمات وتحقيق الشخصيَّة، الطبعة الأولى، دار جامعة نايف للنشر، الرياض، 2012، ص14.

([6]) د. فريدون محمد نجيب، وصف جريمة النشل بالمُؤشِّرات، بحوث ودراسات شرطيَّة، مركز اتِّخاذ القرار، يوليو 2016، ص2.

([7]) انظر: الموقع الإلكتروني: www.alwahdanews.ae.com ، والذي تمَّ زيارته في 3/1/2025.

([8]) انظر: الموقع الإلكتروني: www.uomus.edu.iq.com  ، والذي تمَّ زيارته في 5/1/2025.

([9]) د. عامرة استقلال بدران، استخدام الشبكات العصبيَّة الاصطناعيَّة في التعرُّف على شخصٍ من خلال صورة الوجه، المجلة العراقيَّة للعلوم الإحصائيَّة، العدد 23، 2013، ص155.

([10])Parkhi، Omkar (M.): Andrea Vedaldi، and Andrew Zisserman. Deep Face Recognition. British Machine Vision Conference (BMVC)، 2015.

https://www.robots.ox.ac.uk/~vgg/publications/2015/Parkhi15.

([11]) European Union Agency for Fundamental Rights. Facial Recognition Technology: Fundamental Rights Considerations in the Context of Law Enforcement. FRA Focus. Luxembourg: Publications Office of the European Union، 2019.

https://op.europa.eu/en/publication-detail/-/publication/95cbdd4c-3d8d-11ea-ba6e-01aa75ed71a1.

([12]) European Union Agency for Fundamental Rights. Op.cit.

([13]) راجع: نص المادَّة (17/أوَّلاً) من قانون الإثبات العراقيِّ رقم 107 لسنة 1979.

([14]) د. براء منذر كمال عبد اللطيف، شرح قانون أصول المُحاكمات الجزائيَّة، الطبعة الثانية، دار ابن الأثير للطباعة والنشر، 2010، ص119.

 ([15])Kerr، Orin S “Searches and Seizures in a Digital World.” Harvard Law Review. 2005.  119، no. 2: 531–585

([16]) د. قصي علي عباس، حجيَّة الدليل الإلكترونيِّ في الإثبات الجنائيِّ، مجلة كليَّة القانون والعلوم السِّياسيَّة في الجامعة العراقيَّة، العدد 26، 2024، ص13.

([17]) د. قصي علي عباس، مرجع سابق، ص16.

([18]) كرار غانم بستان، نطاق الدليل الإلكترونيِّ في الإثبات الجنائيِّ، مجلة كليَّة القانون والعلوم السِّياسيَّة في الجامعة العراقيَّة، العدد 4-73، 2025، ص1.

([19]) انظر: الموقع الإلكتروني: www.noonpost.com  ، والذي تمَّ زيارته في 20/4/2025.

([20]) Custers: (B.), AI in Criminal Law: an overview of AI applications in substantive and procedural Criminal Law and artificial intelligence: regulating AI and applying AI in legal practice, 2022, p. 205-223.

([21])Qiang: (X.), The road to digital unfreedom: President Xi's  surveillance state, Journal of Democracy, 30(1), 2019, p. 53-67.

([22]) Elkhalik: (W.A.), AI-Driven Smart Homes: Challenges and Opportunities. Journal of Intelligent Systems & Internet of Things, 8(2), 2023.

 ([23])Lubna, Naveed Mufti, and Syed Afaq Ali Shah. “Automatic Number Plate Recognition: A Detailed Survey of Relevant Algorithms.” Sensors, vol. 21, no. 9, Apr. 2021, Article 3028, doi: https://doi.org/10.3390/s21093028.

([24]) Ross, Sergey, Dmitrii Serebrennikov, Eleonora Minaeva, and Vladislav Netyaev. “Surveillance Technologies in Autocratic Regimes: The Moscow AI Experiment and Its Implications for Crime Control and Police Effectiveness.” SSRN Electronic Journal, 9 Apr. 2024, https://doi.org/10.2139/ssrn.4789135.

([25]) Simmler, Monika, and Giulia Canova. “Facial Recognition Technology in Law Enforcement: Regulating Data Analysis of Another Kind.” Computer Law & Security Review, vol. 56, Apr. 2025, Article 106092. Elsevier,

doi: https://doi.org/10.1016/j.clsr.2024.106092.

([26]) Wang, Lulu. “Face Recognition in Law Enforcement: A Comparative Analysis of China and the United States.” Open Journal of Social Sciences, vol. 9, no. 10, Oct. 2021, pp. 498–506.

([27]) Robles, Pedro, et al. “Global Perspectives on Regulating Facial Recognition Technology Utilization for Criminal Justice Arrests.” Global Public Policy and Governance, vol. 5, no. 2, June 2025, pp. 186–204. Springer Nature,

https://doi.org/10.1007/s43508-025-00117-9.

([28]) Ozaki, Aimi. “Governance Framework for Facial Recognition Systems in Japan.” Human-Centric Computing in a Data-Driven Society, edited by David Kreps, Taro Komukai, T. V. Gopal, and Kaori Ishii, vol. 590, Springer, Cham, 2020, pp. 52–63, https://doi.org/10.1007/978-3-030-62803-1_5.

([29]) Bias in the Algorithm: Issues Raised Due to Use of Facial Recognition Technology in Policing in India.” Journal of Digital Ethics, vol. 2, no. 1, 2024, pp. 23–41, doi: https://doi.org/10.1177/24551333241283992.

([30]) Burt, Chris. “Thales Helping Iraq Build Biometric Data Center, Integrate ID and Forensic Systems.” Security Today, 15 Apr. 2025, www.securitytoday.in/thales-helping-iraq-build-biometric-data-center-integrate-id-and-forensic-systems.

([31]) "من الماضي إلى المُستقبل، العراق يبني أكبر قاعدة بياناتٍ بيومتريَّة في تاريخه", جريدة الصباح، 16/4/2025، انظر: الموقع الإلكتروني: www.alsabaah.iq.com  , والذي تمَّ زيارته في 5/7/2025.

([32]) انظر: الموقع الإلكتروني: www.ina.iq.com  , والذي تمَّ زيارته في 9/7/2025.

([33]) انظر: الموقع الإلكتروني: www.alsabaah.iq.com  , والذي تمَّ زيارته في 11/7/2025.

([34]) Infinite Technology. “Biometric Identification – Solution for Iraq’ se Passport System.” Infinite Technology, no date: https://infinite-tek.com/Solutions/BiometricIdentification.  Accessed 25 July 2025.

([35]) Bischoff, Paul. “Facial Recognition Technology (FRT): Which Countries Use It?” Comparitech, 24 Oct. 2024:

www.comparitech.com/blog/vpn-privacy/facial-recognition-statistics.

([36])Human Rights Watch (HRW). "Facial Recognition: Balancing Security and Privacy." HRW Reports. 2020.

([37]) Galante: (N.) Cotroneo: (R.) Furci: (D.) Lodetti: (G.) & Casali: (M.B.), Applications of artificial intelligence in forensic sciences: Current potential benefits, limitations and perspectives. International journal of legal medicine, 137(2), 2023, p. 445-458.

([38]) Caldwell: (M.) Andrews: (J.T.) Tanay: (T.) & Griffin: (L.D.), AI-enabled future crime. Crime Science, 9(1), 2020, p. 1-13.

 ([39])Du: (X.) Hargreaves: (C.) Sheppard: (J.) Anda: (F.) Sayakkara: (A.) Le-Khac: (N.A.) & Scanlon: (M.), SoK: Exploring the state of the art and the future potential of artificial intelligence in digital forensic investigation. In Proceedings of the 15th international conference on availability, reliability and security, 2020, August p. 1-10.

([40]) Dunsin: (D.) Ghanem: (M.C.) Ouazzane: (K.) & Vassilev: (V.), A comprehensive analysis of the role of artificial intelligence and machine learning in modern digital forensics and incident response. Forensic Science International: Digital Investigation, 2024, 48, 301675.